بمرور الأيام وتوالي الأحداث تدحرجت الأهمية هبوطاً. من مؤتمر دولي لحل الصراع العربي "الإسرائيلي"، إلى لقاء ثم مجرد اجتماع.
ولقد عكس هذا التدحرج ضعف إرادة الداعين إليه، ونعني الساسة الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس بوش الابن، فالمقدمات التي طرحها والأساليب التي مارسها تنبئ بصدمة عن النتائج المتوقعة، من اجتماع بلا هوية محددة أو أجندة واضحة، اللهم إلا العلاقات العامة، وحملة الدعاية التي تروج أن واشنطن كانت وستظل ممسكة بكل أوراق التسوية في المنطقة، متحكمة في إدارة شؤونها وتوجيه سياساتها، إن أرادت أن تفتح الباب فتحته دون معارضة، وإن أرادت أن تغلقه أغلقته دون احتجاج حقيقي.
عندي حساسية شديدة من البنك الدولي، كلما ذكر اسمه أتحسس مسدسي، وتتدفق الدماء في شراييني ثائرة غاضبة.
والحساسية ليست مصطنعة، لكنها ناجمة عن تجارب البنك السوداء، خصوصاً مع الشعوب الفقيرة والدول الصغيرة النامية، فعبر أكثر من ثلاثين عاماً على الأقل مارس البنك الدولي، وهو الذراع الطويلة للدول الرأسمالية الكبرى، وصايته وقدم توصياته لنا ولأمثالنا، انطلاقاً من فكرة أساسية هي تطويع اقتصاد الدول الصغيرة والفقيرة، لصالح اقتصاد الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه عاصفة عاتية على الصحافة، تحمل من الغبار الكثير مثلما تحمل نذر شر مستطير، يهدد هامش حرية الرأي والتعبير الذي تتمتع به الصحافة المصرية، على مدى السنوات الأخيرة.
ولما كان اليوم هو الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول، بدأت السنة السابعة منذ الهجمات الدموية على برجي التجارة في نيويورك، وعلى مبنى البنتاجون في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن.
مضت ستة أعوام، منذ ذلك الحدث الرهيب، الذي أصبح الساسة والمؤرخون والإعلاميون، يؤرخون به لبداية عصر جديد في السياسة والعلاقات الدولية، عصر عنوانه الهيمنة العسكرية الأمريكية، تنفيذا لنظرية "القرن الأمريكي"، التي وضع أسسها غلاة المحافظين الجدد المتطرفين، الذين أحاطوا بالرئيس الأمريكي "المندفع" جورج بوش، حتى أوصلوه إلى البوار والخسران، وأوصلوا بلادهم إلى الكارثة الراهنة.
كنت قد طويت حديثي عن ملف المعونة الأمريكية لمصر، واستخدامها السياسي، بل واستغلال جانب منها في زرع الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، وبالتالي في تخريب الوحدة الوطنية وتهديد الأمن القومي.
إن الفضاء العربي يزدحم هذه الأيام بحديث ملغز وملتبس حول إعادة طرح المبادرة، وهانحن نسمع منظومة جديدة من الألفاظ، مثل تحريك وتفعيل وترويج وتسويق المبادرة، ومثل التمسك بالمبادئ الرئيسية للمبادرة "استعادة الأرض العربية المحتلة عام ،1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والتوصل لحل جذري لقضية اللاجئين الفلسطينيين"، مقابل الاعتراف العربي والتطبيع مع "إسرائيل".
بعد خمس سنوات من إقرار القمة العربية في بيروت عام ،2002 لمبادرة السلام العربية، تحرك العرب، في ضوء قرارات قمة الرياض، نحو إعادة تسويق، أو إعادة طرح مبادرتهم، أحسوا أن خمس سنوات ضاعت في كلام الهواء.
وبعد نحو سبع سنوات من خطة كلينتون، الرئيس الأمريكي السابق، لحل القضية الفلسطينية، باقتراح شبه محدد
لا يستطيع أحد أن ينكر أن مصر في حالة فوران متعدد الأسباب والاتجاهات، وهو فوران إن اكتسب طابعا سياسيا ساخنا، فإنه ضرورة في الحقيقة تدق في الأرضية الاجتماعية المضطربة بسبب ضغوط الحياة وأزمات المعيشة.
ولقد جاءت تعديلات الدستور الأخيرة والاستفتاء الشعبي عليها وما رافقهما من صخب وضجيج، لتؤكد أن كل أطراف المعادلة السياسية
لا أعرف على وجه اليقين، هل سيحضر القمة العربية الوشيكة، الجنرال علي ولد محمد فال بصفته رئيس موريتانيا العسكري، بعد أن أوفى بتعهده بتسليم السلطة لحكام مدنيين جدد، أم أنه لن يحضر مفسحا الطريق للرئيس المنتخب الجديد؟
وبافتراض أنه قد يحضر، على الأقل مودعا بريق القيادة، لا أعرف على وجه اليقين مرة أخرى، كيف سيعامله زملاؤه من القادة
تشغلنا السياسة الأمريكية هذه الأيام، بكثير من الأحاديث حول إستراتيجيتها الجديدة في المنطقة، والقائمة بدرجة من الدرجات على مراجعة لإستراتيجيتها السابقة، خصوصاً في ضوء تدهور أوضاعها العسكرية في العراق من ناحية، وتصعيد مواجهاتها مع إيران حول البرنامج النووي من ناحية أخرى.
من المستحيل تصور قيام نظام ديمقراطي حقيقي، في بلادنا أو في أي بلد في العالم، إلا على أسس واضحة من المشاركة والحرية والشفافية وحكم القانون.
وبغير هذه الأسس يسود تحالف الفساد والاستبداد، ونظن انه سائد في أنحاء كثيرة ودول متعددة، تحتل بلادنا السعيدة مرتبة متقدمة في إطاره، حيث صنفها أحدث تقرير دولي عن حالة الحريات في دول العالم
لا نحتاج لكثير من الجهد لنثبت كيف أن دعاوى الديمقراطية مقرونة بنماذج فشل الدولة، في هذه المنطقة من العالم، قد أدت فيما أدت إليه، إلى شيوع العنف جنبا إلى جنب مع انتشار الفقر والإحباط والتطرف.
ولا نحتاج لمزيد من البراهين والأدلة، لنؤكد أن ما نعانيه من هذه النتائج
الدستور في الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية، ليس مجرد هيكل خشبي مصمت، بنصوص جامدة صماء، يحتكر صياغتها فقهاء القانون المحترمون وحدهم، وفق سرية المهنة، لكن الدستور وثيقة اجتماعية، تحمل في أحشائها كائنا حيا، يعبر عن الحالة الإنسانية والاجتماعية
تثبت تطورات الأحداث الجارية، أننا في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لإعادة تأسيس الدولة المدنية، بعد أن تآكلت تجاربها السابقة من ناحية، وبعد أن انتشرت دعوات هاجمة لتأسيس الدولة الدينية من ناحية أخرى...
ورغم أن الإسلام عبر تاريخه، كما يقول العلماء الثقاة
أينما يممت وجهك في أرجاء الوطن العربي بدوله الاثنتين والعشرين، يفاجئك التناقض الفج بين دعاوى الحرية التي تشق الفضاء عبر الميكروفونات الرسمية الزاعقة، وإجراءات شديدة تقمع الحرية تحت دعاوى رسمية بحماية الحرية.
وبين هذه وتلك، بين الادعاء والادعاء المضاد، تتعرض قضية الحرية