فيما تتعثر المفاوضات بين الفريقين الفلسطيني برئاسة رئيس الوزراء السابق أحمد قريع، والإسرائيلي برئاسة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، بما في ذلك لقاء القمة الأخير بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الذي وقع يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر الماضي، تحرص وزيرة الخارجية الأميركية على صرف جزء من وقتها في التشاور مع أصحاب الخبرة للبحث فيما يساعدها على إنجاح مؤتمر الخريف.
منذ اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قرارها في 18 /9 الماضي بشأن اعتبار قطاع غزة كياناً معادياً، دخل الحصار المحكم المفروض على القطاع منذ 25 /6/ 2006، مرحلة جديدة أكثر شدة وقسوة، بما يدفع تدريجياً مليونا ونصف مليون فلسطيني هم سكان القطاع إلى دائرة الكارثة الإنسانية بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى وأبعاد.
بين زيارتها السابقة لكل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في التاسع عشر من سبتمبر الماضي، وعودتها في الرابع عشر من الجاري جرى لقاء واحد بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت بدون أن يتحقق شيء تقريباً بالنسبة لما تنتظره الولايات المتحدة بشأن التحضير الناجح للمؤتمر الدولي.
بعد ستة لقاءات قمة بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لم تكن سوى نقاشات عاصفة وجولات أفق، لم تحدد لفرق التفاوض حداَ أدنى أو أقصى كنقاط انطلاق ووصول، تحول الملف بكل ما فيه وما ليس فيه إلى اللجان التفاوضية من الطرفين، والتي بدأت أعمالها يوم الاثنين الماضي في مكان غير معلن في إسرائيل.
التحرك السياسي والدبلوماسي الواسع الذي شهدته الساحتان الدولية والإقليمية خلال النصف الثاني من شهر سبتمبر الماضي، خصوصاً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتصريحات التي تصدر عن الرؤساء المسؤولين من كل طيف، ساهمت في إضافة أجوبة وإيضاحات أخرى إزاء الحديث عما يسميه البعض مؤتمراً دولياً، ويسميه آخرون اجتماعاً دولياً فيما تفضل إسرائيل الحديث عن لقاء. غير أن كل تلك التوضيحات لم تنجح حتى الآن في تبديد أجواء التشاؤم بشأن نتائجه وحتى بشأن إمكانية انعقاده.
يوم الأربعاء قبل الماضي التاسع عشر من ديسمبر الجاري اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً خطيراً ذات أبعاد شاملة حين اعتبرت «قطاع غزة كياناً معادياً».
الفلسطينيون خصوصاً سكان قطاع غزة الذين يخضعون لسلطة حماس إثر انقلابها على السلطة الشرعية في الرابع عشر من يونيو الماضي، وربما بعض المستويات السياسية تجاهلت فور صدور القرار الإسرائيلي الأبعاد الخطيرة السياسية الكامنة وراءه وأخذوا يعبرون عن قلقهم إزاء الإجراءات التي يمكن أن تتخذها إسرائيل وفق القرار بما يضاعف من معاناتهم وعزلهم.
بالرغم من استمرار ظاهرة التمزق والانقسام الذي يتعمق يوماً بعد الآخر، وتآكل ما تبقى من قوة الفلسطينيين التي تستند إلى عدالة القضية، وصمودهم ومقاومتهم، إلا أن ثمة ما تبقى للرئيس محمود عباس ما يكفي لأن يواصل التحذير من عواقب فشل الاجتماع الدولي في الخريف.
بالرغم من الجدل الطويل الذي لا يتوقف بين الفلسطينيين بشأن الآثار السلبية أو الإيجابية الناجمة عن استمرار إدخال الصواريخ محلية الصنع على خط المقاومة حتى أصبحت الشكل الوحيد تقريباً والميسور للتعامل مع الاحتلال الذي خرج من قطاع غزة في سبتمبر 2005، ليتحكم فيها من خارجها، إلا أنها واقعياً لا تزال العنصر الأكثر فعالية في النشاط ضد الاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقف.
بعد غياب أو بالأحرى تغييب طويل استمر نحو أربعة عشر عاماً، تعود منظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهة العمل السياسي الفلسطيني، لتستعيد بعضاً من مكانتها. فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو في أكتوبر العام 1993، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية في مايو عام 1994، أخذت تتضاءل وتنحسر رويداً رويداً منظمة التحرير التي يعدها الفلسطينيون الإنجاز الأبرز باعتبارها الكيان السياسي والمعنوي والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
في كل مرة كان الفلسطينيون يواجهون فيها أزمة أو مجزرة أو عدواناً، كانت بيانات فصائل المقاومة التي تتقدم عقب اجتماعاتها القيادية، تبدأ بلازمة متكررة، لا تنقصها الثقة العميقة من أن الشعب الفلسطيني يمر في أخطر مرحلة من مراحل تاريخه النضالي.
ولأن حياة الشعب الفلسطيني عبارة عن مسلسل متصل من الأزمات والمآسي والتضحيات، كان لابد للذاكرة الشعبية من أن تصحح ما درجت عليه بيانات الفصائل التي كانت تستهدف تعزيز الصمود وتوليد الأمل، ذلك أن المشهد العام للأحداث أخذ يتجه نحو أن تصبح الأزمات مجرد مقدمات لأزمات أخرى أشد خطورة.
فيما تجتهد الإدارة الأميركية لإشاعة الأمل من وراء مسعاها الأخير لدفع عملية السلام، عبر الاجتماع الدولي الذي دعا الرئيس بوش لعقده في الخريف القادم، جاءت تصريحات رئيس حزب العمل، وزير الدفاع في حكومة إيهود أولمرت، ايهود باراك، وكأنها تصب ماءً بارداً على الرؤوس الحامية.
فيما يقرر الفلسطينيون والإسرائيليون تكثيف اللقاءات، سواء على مستوى اللجان أو على المستوى السياسي متبعين بذلك نصيحة وزيرة الخارجية الأميركية كندوليزا رايس التي طالبت الطرفين بتحصير إطار اتفاق لتسهيل المناقشات في المؤتمر الدولي الذي دعا إلى عقده الرئيس جورج بوش في الخريف القادم، تتباعد شقة الخلاف بين الفلسطينيين ويتخذ أبعاداً أشد خطورة.
في سباق مع الزمن يشتد فيه التنافس خلال الأمتار الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، كثفت إدارة الرئيس جورج بوش الجمهورية من تحركاتها في المنطقة على الخطين السياسي والعسكري.
وفيما تتضاءل إلى حدود محزنة شعبية الرئيس بوش، بالنسبة لمواطنيه جراء فشل حروبه في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى، فإن سياسته قد جرت على بلاده المزيد من الكراهية لدى معظم شعوب الأرض، حتى اعتبرها الأوروبيون في استطلاعات سابقة بأنها الدولة الأولى التي تهدد السلام العالمي.
أخيراً، وبعد تردد طويل وتأخير، قررت إسرائيل استقبال وزيري خارجية مصر الدكتور أحمد أبوالغيط ونظيره الأردني عبدالإله الخطيب، اللذين قاما بزيارة مشتركة بتكليف من لجنة المتابعة العربية عن القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في مكة في مارس هذا العام.
ثلاثة خطابات مهمة وجملة من التحركات والاتصالات وقعت خلال الأسبوع الماضي، وتتواصل تداعياتها لتلقي المزيد من الضوء على ما تنتظره المنطقة خلال ما تبقى من العام.
الفشل الأميركي الذريع وانعدام الخيارات في العراق، والفشل الذي تمنى به السياسة الأميركية في المنطقة، دفعت الرئيس الأميركي جورج بوش لإلقاء بيان يوم الاثنين الماضي السادس عشر من الجاري، لا يخطئ العقل السليم قراءته ومعانيه وأبعاده. لأول مرة يطرح الرئيس بوش فكرة الدعوة لمؤتمر دولي ترأسه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وتحضره العديد من الدول العربية والأممية والإقليمية الداعمة للسلام إلى جانب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي