المراقب لما يجري منذ مدة وجيزة بين طهران وواشنطن من «مواجهة» واستقطاب حادين على المستوى الدعائي والإعلامي والدبلوماسي يكاد يستنتج أن الحرب أو المواجهة العسكرية واقعة لا محالة بين الجانبين في أية لحظة لاسيما عندما يسمع بين الفينة والأخرى أن الخطط لضرب إيران باتت جاهزة ولا ينتظر صاحب القرار الأميركي سوى اللحظة التي يقع فيها الخصم فريسة أول فخ ينصب له!
ثمة لغط مقصود ومتعمد يجري الترويج له عن سابق وعي وإصرار من قبل الدوائر الإسرائيلية والأميركية بشكل خاص والغربية بشكل عام، و«بتغطية» إعلامية عربية أحياناً أتمنى ألا تكون مقصودة وواعية! وهي أن إيران «متهمة» بالغموض والتلكؤ في كشف الأبعاد «المريبة» فيما يخص مسار ملفها النووي، وبالتالي فإن المطلوب دولياً نصيحتها ودفعها للتعقل أولاً ومن ثم تأنيبها على استمرارها في «فعلتها» النكراء!
«إنه رجل غير مسؤول ويعمل فوق القانون وفوق مجلس الأمن الدولي»! كانت هذه أخف عبارة اخترتها من صحيفة الواشنطن بوست ضد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي الذي توصل أخيراً وبعد تقص مضن دام عدة أعوام إلى مابات يعرف باتفاق الشفافية مع إيران لفك آخر «ألغاز» أو ماغدا يعرف بالقضايا العالقة بين طهران والوكالة الدولية.
إنه تحول مهم وملحوظ في الحراك الداخلي الإيراني من دون ترديد أن يصبح الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني رئيساً لمجلس خبراء الدستور، رفسنجاني الذي يصفه المحافظون دوماً بأنه تاريخ الثورة، ووصفه زعيم الإصلاحيين الرئيس خاتمي ذات يوم عاصف من أيام نزاع رهطه المتشدد معه بأنه بطاقة تعريف الثورة.
ويصفه خصومه الدائمون دوماً بأنه ثعلب السياسة والفكر، رفسنجاني الذي برز دوماً بمثابة ملك اللعبة في الحراك الداخلي الإيراني في كل مراحل الثورة الإيرانية أو رجل كل الفصول من أيام مجلس قيادة الثورة الأولى إلى
لم يعد سراً أن الأميركيين فشلوا في تحقيق الأهداف الأساسية المعلنة التي رسموها للعراق وأنهم باتوا يغوصون أكثر فأكثر في أعماق المستنقع العراقي مع كل يوم إضافي يقضونه في بلاد الرافدين!
كما لم يعد سراً أيضاً بان تحالفاً ما يسمى بالقوات المتعددة الجنسية الذي غطى غزو العراق قد انفرط عقده مع هروب البريطانيين من البصرة!
كما لم يعد سرا بان «البطانة» السياسية التي أتت مع الاحتلال أو القوى الميليشياوية التي نشأت على أنقاض الدولة والكيان الذي فككه الأميركيون قد تشظت وتناثرت ولاءاتها بشكل لم يعد بمقدور الأميركيين المنهكين والذين باتوا منفورين من قبل الجميع.
رغم أن المراقب للحدث التركي الكبير منذ مدة يلاحظ بوضوح تراجع دور العسكر في هذا البلد التاريخي العريق رغماً عن أنفه وتقدم تيار أنصار الهويات المدنية والشعبية المدنية بالمقابل ممن يحسبون على الإسلاميين بشكل عام، ويكاد الأمر نفسه يحصل قريباً أو يقترب من ملامسة نفس الحقيقة المشار إليها، على التراب الباكستاني أيضاً مع اختلاف الظروف والحيثيات، وهو الأمر الذي تعيش مخاضاته أكثر من عاصمة عربية أو إسلامية إذا ما تابعنا مجموع التطورات المتلاحقة بتأمل وتأن عميقين.
أن تتفق طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية على إطار زمني محدد، لفك «الغموض» الذي يلف الملف النووي الإيراني، كما يقول «المجتمع الدولي» المحفز أميركياً بالطبع ضد كل ما هو سلوك إيراني يغرّد خارج السرب! يفترض أن يلقى ترحيباً حاراً من قبل «رعاة» هذا المجتمع الدولي والأهم من ذلك أن يعطى الفرصة الكافية ليجرب حظه العملي.
ثمة إجماع يكبر مع الأيام في إيران وان كان بشكل غير منظور وربما بعيداً عن الجدل اليومي، مفاده أن زمن «الإلغاء» للآخر محلياً كما إقليمياً كما دولياً قد ولى!
وإذا كان البعض من السياسيين «المحليين» سواء من أصحاب النظرة الضيقة أو من «حديثي النعمة» في عالم العمل السياسي لا يزالون يمارسون هذه اللعبة فإنهم رغم إقبال الزمان عليهم فإن لعبتهم هذه لا تجد جذابية في المشهد الإيراني العام حتى لو بدا صوتهم مرتفعاً أو بدت عصاهم غليظة لبعض الوقت! هذا الأمر ينطبق على الفريق الفعلي الحاكم كما كان ينطبق على الفرقاء الذين سبقوه في تولي سدة الحكم على حد سواء.
لا شيء يريح المواطن العربي أو المسلم «أميركيا»، بالرغم من كل ادعاءات الحرص الزائد الذي تبديه الإدارة الأميركية في هذه الأيام تجاه الأمن والاستقرار العربيين!
فالمشهد الذي تحاول أن ترسمه واشنطن خليجياً في هذه الساعة، هو أن ثمة خطراً داهماً على العرب اسمه إيران ينبغي أن يقابل في نظرها بتسلح أقل ما يقال بشأنه هو إثقال كاهل الخزينة العربية وإطلاق سباق تسلح محموم يقوم على الوهم ولا تقدر دول المنطقة على تحمله طويلاً، ولن تبعث نهايتها السعادة فضلاً عن التنمية المنشودة لأحد من أهل المنطقة، اللهم إلا الطارئين عليها من جنس الدولة العبرية!
يتزاحم عليك المشهد وأنت في الجنوب اللبناني الصابر والصامد والمحتسب أمره لله. وتزدحم عليك الذكريات وأنت تتجول في قراه المهدمة من جهة، لكنها المغمورة بأفراح أساطير الجهاد والفداء التي بنت لهم قصوراً من الفخر والعز الذي يقولون لك ان «رجال الله» أرسوا دعائمها وأقاموا بنيانها على كل تلة وفي كل واد. وهم إذ يروون لك تلك الحكايات الخالدة يرددون القول بأنه إذا كان البشر هم الذين يصنعون الحجر ويصقلونه، فإن معارك العز والفخار هي التي تصنع الرجال وتصقلهم وترفعهم درجة إلى العلا فتجعلهم رجال الله!
ثمة نقاش محموم يدور في أوساط الإعلام تارة وفي أوساط النخبة تارة أخرى، حول وجود مشروعين للمنطقة، الأول أميركي والثاني إيراني يتنازعان في أكثر من ساحة على الدور والنفوذ!
لا بد أنكم تتذكرون معي تلك الأحداث الجسيمة التي مرت علينا في مثل هذه الأيام قبل نحو عام من الآن، وتتذكرون مثلي كم كانت الأمة العربية والإسلامية متوحدة ضد العدوان الهمجي على لبنان في جمهورها العريض من «الغلابة»، أي عامة الناس.
كثيرون هم الذين انتقدوا إيران على طريقة تعاطيها مع ملفي الاجتياح الأميركي لأفغانستان والعراق، ومن ثم سلوكها تجاه السلطات المنبثقة الاجتياح والاحتلال، وقد كنت ولم أزل واحداً من هؤلاء، لكن المتتبع لهذا التعاطي ومن ثم السلوك يكتشف بعداً آخر لهذه القضية يجعله يتأمل بعض الشيء فيما يحصل من أبعاد إضافية في الصورة الخلفية لهذا المسرح المفتوح!
ساذج وبائس جداً هذا الرئيس ل«أقوى» دولة في العالم إذا كان لا يزال يعتقد أن أحداً من شعبه يصدقه بكلمة واحدة، فما بالك بشعوب العالم المتحررة من سطوة عصابة المحافظين الجدد ومن المتهاوين من على سلم المصداقية السياسية والأخلاقية!
أولا ادخل في صلب الموضوع لأقول ان «الدورة الدموية» العربية والإسلامية تنزف بشدة منقطعة النظير من العراق إلى فلسطين إلى لبنان إلى أفغانستان فيما أرباب السلطة في بلادنا من كل لون أو فئة أو طائفة أو مذهب أو مدرسة سياسية يتغنون «بالشرعية»!
التي يتمتعون بها وانجازاتها على الصعيد السياسي وينظرون لها بكل اللغات والابعاد إلا بعض الناس أو الإنسان الذي يفترض ان السلطة من اجله تقوم!