فَقَدَ الهروب الدائم من المدرسة الإعدادية مذاقه، وكأيّ شيء ممنوع يقع تحت طائل الإفراط، يضبطه التكرار بنغمة الرتابة والملل، وتدهسه العادة صانعةً من طريقه الوعر طريقاً معبداً مثل الذي هربتُ منه.
كنتُ أقضي الليلة السابقة عليه مُمنياً نفسي بمتعٍ لا نهاية لها.
كانت قد أسلمتْ نفسها إليه في حلم قبل أربعين سنة.
وكان عليها أن تسد الفجوة التي انفتحتْ من جرَّاء عدم تصديقه أنها بين يديه في حلم.
كان يحملها مسؤولية رأب الصدع العميق، دون كلمة واحدة، دون إشارة واحدة.
وكان يشك في قدرتها على ذلك.
ربطتْ الزوجة رأسها بترْبيعة قطنية سوداء.
كانت فضْلة فستان قديم.
حركتْ وجهها إلى اليمين وإلى اليسار أمام مرآة الدولاب.
في المرآة التي حال ماؤها الأبيض إلى عَكَارة صفراء، شرخٌ طويل مُتعرج، يشوه الوجه ما أن يقع في مجاله، تشويهاً مُضحكاً إذا كان مزاجها رائقاً، وقبيحاً إذا كان مزاجها نكداً سوداوياً بلون ترْبيعة رأسها.
أخذتُ أجندة التليفونات من على رف المكتبة المُلحقة بالسرير.
كان الشتاء في الخارج، أي أن الثانية بعد منتصف الليل ليس بالوقت المُبكر.
لو كان الفصل صيفاً، لكانت الثانية بعد منتصف الليل في مقام الثانية عشرة ليلاً.
إلا أن الشتاء جعل الثانية بعد منتصف الليل في مقام الرابعة صباحاً.
مرَّتْ أسماء عديدة تحت عينيّ المُجهدتين.
أخذتُ أجندة تليفونات أخرى.
كنتَ دائماً مع أصدقاء السوء، لكنكَ بشكل مُبهم لم تكن واحداً منهم. تتردد في اللحظة الأخيرة فقط. هم لا يعاتبونكَ على ترددكَ، وكأنهم يعرفون أنكَ تحب أن تكون معهم في لحظات السلم. اليوم حلمتَ بأحدهم. كان دخوله السجن عقاباً عادلاً. عاهة مستديمة للطرف الآخر. رأيته في الحلم في مكان ما، وسعدتَ برؤيته، وسألته عن أخباره،