كنت صغيراً في قرية نائية تقع على ضفاف نهر البليخ، حافي القدمين عاري الجسد بعد أن جردت الثورة والدي من أملاكه كونه "إقطاعي"، إلا إن عائلتي لا زالت حينها تحافظ على وزنها الاجتماعي الذي لم يستطع البعث سحقه رغم كل المحاولات، وهذا يعود إلى طبيعة المنطقة والانتماء العشائري، كان لعائلتي "مضافة" كبيرة الحجم تطل على منطقة زراعية واسعة الامتداد، مما يجعلها تجذب سكان القرية للجلوس على شرفتها، منهم البعثيون، والامنيون ودوريات المخابرات.
أما الدرك فكانوا يأتون علي خيول عربية يمتطونها، متجهين إلى المضافة كونها
قبل أيام كان جسده يتحرك صامداً، بعد مجيئه من جلسة" المحكمة" سقط جسد أبو الحارث ممداً في الأرض، ينتظر الوداع، وجوه شاحبة ودموع من أحبوه تسيل، والشيخ أبو حذيفة يجلس عند رأسه يمسح له جبينه، باكياً تارة وأخرى يمد ذراعيه إلى ربه متوسلا أن يرحم من سيرحل إليه.
كثيرا ما يخطر ببالي أن ما مضى من العمر يكاد أن يساوي ما بقي منه, إذا لم تنته الحياة انتهاء طبيعياً, وأن العمر الذي عشته خارج دائرة الزمن بدأ في صبيحة الثامن من آذار من عام 1988عندما قيدوا أرجلنا وأيدينا بسلاسل من حديد، وعصبوا أعيننا، ووضعونا في سراديب تحت الأرض