الأربعـاء 14 مايـو 2008

 Wednesday 14, May 2008

الصفحة الرئيسية

 

 

 

كـتاب الحـقـائق  |   الأرشـيف  |    للإتصال بنـا

  إستطلاعات الرأي

 

 

  د. عاصم خليل

دكتوراه في القانون - جامعة فريبورغ – سويسرا

asemkhalil@yahoo.com

  4/23/2004

قيام الدولة الفلسطينية: أولوية صهيونية؟

 

عنوان هذا المقال استفزازي إذ أنه يوحي بوجود علاقة بين قيام دولة فلسطين من جهة وبقاء دولة إسرائيل (كوطن قومي لليهود) من جهة أخرى لدرجة التجرؤ بالقول بأنه من الضروري اعتبار قيام دولة فلسطين أولوية صهيونية! نرتكز في دراستنا هذه على ثلاث مُسلّمات: أولاً، وجود دولة إسرائيلية؛ ثانياً، عدم وجود دولة فلسطينية؛ ثالثاً، رغبة الفلسطينيين في قيام دولة تخصهم؛ وإن بدت هذه المسلمات بديهية إلا أن هنالك أسئلة مرتبطة بطريقة مباشرة بها يجب الإجابة عليها قبل الخوض في موضوعنا الرئيسي، وهي: أولاً، ما هي حدود دولة إسرائيل بحسب القانون الدولي؟ ثانياً، هل نتج عن إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988 أي دولة فلسطينية؟ ثالثاً، أية دولة يريد الفلسطينيون؟ 

حدود دولة إسرائيل بحسب القانون الدولي

ينتقد الإسرائيليون السلطةَ الفلسطينية لأنها ما زالت تشير في خرائطها إلى فلسطين التاريخية دون أي وجود لدولة إسرائيل. وهذا صحيح إلى حدٍّ ما؛ لكن صحيح أيضاً –بحسب تعبير مسئول فلسطيني رفيع المستوى- أن "إسرائيل لم تحدد أبداً ما لها كي نقول أن الباقي هو لنا!" في الواقع، إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة من غير حدود ثابتة (مع العلم بأن وجود حدود ثابتة لا يؤثر على وجود الدولة)؛ في الوقت نفسه يستعمل الكثيرون (ومنهم الفلسطينيون) مصطلح "الأراضي العربية المحتلة" لتدل على تلك الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 (الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة بالإضافة إلى الأراضي العربية المحتلة الأخرى) وذلك لأنها أراضٍ تم السيطرة عليها بالقوة والحرب (الوحيدة التي ترفض ذلك هي دولة إسرائيل إذ أنها تعتبرها أراض متنازع عليها)؛ المشكلة هنا هو أننا انتهينا بالتسليم بالأمر الواقع واعتبار حدود إسرائيل هي تلك التي سبقت حرب الأيام الستة! لكن، من قال أن حدود إسرائيل هي تلك التي حددها خط وقف إطلاق النار عام 1948؟ في الواقع، الحدود الرسمية الوحيدة للدولة اليهودية -بحسب القانون الدولي- هي تلك التي رسمها قرار التقسيم (تشمل 51% من فلسطين التاريخية) وليس "الخط الأخضر" (تشمل 78%) والذي يشير بكل بساطة إلى خط وقف إطلاق النار وذلك لأن الحرب لا يمكنها أن تخلق حقوقاً إقليمية وبالتالي أن تغير الحدود، حتى مع مرور الزمن.

يقول البروفسور أنتوني داماتو، المتخصص في القانون الدولي، في مقال تحت عنوان "الحدود القانونية لإسرائيل" أن الانتداب بحسب عصبة الأمم هو شبيه مفهوم الوصاية (trust) في القانون الأنكلوساكسوني. وقد اعتبرت عصبة الأمم (في المادة 22 من ميثاقها) أن سكان فلسطين "أمّة مستقلة" ولكنها تحتاج في طريقها نحو قيام الدولة إلى "نصيحة ومساعدة إدارية" من سلطة انتداب وقد تم توكيل بريطانيا بهذه المهمة (Trustee) لصالح سكان فلسطين. سنة 1946 تم حل عصبة الأمم وبالتالي انتقلت مسؤولياتها بالنسبة الانتداب إلى الأمم المتحدة التي تم تأسيسها عام 1947 لأنه، وكما هو الحال بالنسبة لمفهوم الوصاية، لا ينتهي الانتداب بتغيير من فرض الانتداب (عصبة الأمم). من ناحية أخرى، لا ينتهي الانتداب بانسحاب من تم توكيله بذلك (بريطانيا) إلا إذا تم تحقيق هدف الانتداب وهو أن يصل سكان فلسطين إلى الإدارة الذاتية القادرة على البقاء وبالتالي فإن انسحاب بريطانيا يعني فقط أن الانتداب انتقل إلى الأمم المتحدة وخصوصاً الجمعية العامة التي تبنت قرار التقسيم رقم 181 في 29/11/1947. وبما أن الدولة اليهودية نشأت بعد شهور قليلة من قرار التقسيم وبما أنه لم تقم أبداً أية دولة عربية في فلسطين (هنالك أيضاً مسؤولية على عاتق الدول العربية المعنية) بالتالي فإن الانتداب لم ينتهِ لأن أهدافه لم تتحقق بعد. وهنا نريد أن نشير إلى دراسة قامت بها الكاتبة الفلسطينية سلافة حجاوي والتي علقت على كلمة الرئيس الفلسطيني أمام الجمعية العامة سنة 1974 قائلة بأنه لم يطالب بإقامة دولة و"لم يطالب الجمعية العامة بتحمل مسؤولياتها الانتدابية" ( مجلة الدراسات الفلسطينية، 2003-العدد 53).

لكن بعد حرب الأيام الستة قامت إسرائيل باحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وبدأت عملية الاستيطان فيها بالرغم من إدانة مجلس الأمن والجمعية العامة بالإضافة إلى مواقف الدول الواضحة من هذه الممارسات والتي تعتبرها غير شرعية. بعضهم يقول بأن اعتداء الدول العربية هو سبب حرب الأيام الستة وتوسع دولة إسرائيل ولكن البروفوسور داماتو يؤكد -حلى حق- بأنه، وبحسب قرارات محكمة نوريمبرغ، "وبغض النظر عن من هو المعتدي، لا يمكن تغيير الحدود عن طريق الحرب". إن الحرب نفسها هي عمل غير مشروع؛ وإن كان الدفاع عن النفس عملاً مشروعاً، لكن الدفاع عن النفس لا يمكنه أن يذهب إلى أبعد من ذلك، ليشكل بحد ذاته اعتداء حربي آخر؛ وإن تم ذلك فإن احتلال بعض الأراضي لفترة زمنية لا يمنح أبداً الحق بضمها. وينهي داماتو تحليله قائلاً أن "الحدود القانونية بين إسرائيل وفلسطين تبقى اليوم تلك التي تم رسمتها الجمعية العامة في القرار 181".

هل هنالك دولة فلسطينية؟

في مقال تم نشره في المجلة الأوروبية للقانون الدولي (عدد1/2 سنة 1990) كتب البروفيسور فرانسيس بويل (من جامعة Illinois) رأيه حول "دولة فلسطين" بعد أن أعلن المجلس الوطني الاستقلال في 15/11/1988 وقال أن هنالك أربعة عناصر للدولة وكلها موجودة في حال دولة فلسطين وهي: الأرض، الشعب، الحكومة، والقدرة على القيام بعلاقات مع دولٍ أخرى؛ وأضاف أن هنالك 114 دولة قد اعترفت بتلك الدولة الجديدة وأن الجمعية العامة في القرار 43/177 الصادر في 15/12/1988 "اعترفت بدولة فلسطين ومنحتها وضع مراقب" بأغلبية 104 ضد اثنان (الولايات المتحدة وإسرائيل) وامتناع 40 دولة. هذه الآراء قد تم انتقادها –على حق- في مقال تم نشره في نفس العدد من تلك المجلة من قبل البروفسور جيمس كراوفورد (من جامعة سيدني) والذي ينهي تحليله –على حق- بالقول: "إن موضوع دولة فلسطين بحسب بويل ضعيف وغير مقنع".

وهنا نريد أن نقدم بعض الملاحظات انطلاقا من مبادئ القانون الدولي العام: أولاً، هنالك تعاريف مختلفة للدولة لكن التعريف القانوني الأقل تطلباً بحسب الفقيه القانوني Jellinek هو التالي: "توجد دولة عندما يكون هنالك ثلاث عناصر معاً: أرض وشعب وسيادة؛ وتكون في علاقة مباشرة فيما بينها". إن وجود منظمة التحرير ووجود الشعب الفلسطيني ووجود الأرض (الضفة الغربية وغزة) لا يكفي بحد ذاته بل يجب أن يكون هنالك علاقة مباشرة بين هذه المكونات الثلاثة؛ هذا لم يكن موجوداً قبل إعلان الاستقلال ولم يأت الإعلان بتغيير يُذكر على ذلك الواقع. ثانياً، لا يُعتبر اعتراف الدول عنصراً تأسيسياً للدولة بل يبقى تعبيراً لرغبة الدول أو لرفضها بالتعاون مع الدولة الجديدة (إن كانت موجودة فعلاً). ثالثاً، أما قضية تغيير اسم منظمة التحرير إلى فلسطين في الجمعية العامة فهو لم يؤثر على وضعها كمراقب إذ أن عضوية الأمم المتحدة تبقى للدول فقط. رابعاً، كون دولة فلسطين غير موجودة بحسب القانون الدولي العام لا يؤثر شيئاً على حق الشعب الفلسطيني لتقرير المصير ولكن تقرير المصير من جهة لا ينحصر بالدولة ومن جهة أخرى لا يؤدي بالضرورة إليها.

وهنا نريد أن نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى قرار لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي تم تبنيه في 8/4/2004 (تحت البند الخامس: حق الشعوب في تقرير مصيرها) بأغلبية 52 دولة ضد 1 (الولايات المتحدة) إذ أنه يؤكد من جديد على "حق الشعب الفلسطيني الثابت والدائم وغير المشروط في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وتتطلع إلى إعمال هذا الحق في أقرب وقت ممكن".

أية دولة يريد الفلسطينيون؟

في الواقع، لو سألنا الفلسطينيين عن رأيهم في الدولة التي يريدونها لتعرضوا في إجاباتهم إلى كل الحلول الممكنة (والمتناقضة) "فالمزاج الفلسطيني –بحسب الكاتبة سلافة حجاوي- حتى الآن غير قادر على الحسم في اتجاه هدف معين في نضاله"؛ فمنهم من يريد دولة فلسطينية على كل فلسطين التاريخية؛ ومنهم من لا يريد أي دولة فلسطينية على الإطلاق بل ينتظر قيام الدولة العربية أو المسلمة؛ ومنهم من يكتفي بدولة فلسطينية ضمن حدود الـ67 وإن كان بعضهم يعتبر هذا حلاً استراتيجياً ومرحلياً نحو استعادة كل فلسطين التاريخية بينما يعتقد غيرهم أن دولة كهذه ستكون تابعة للدولة اليهودية. وتنهي الكاتبة سلافة حجاوي تحليلاتها السابقة بقولها أن قليلاً من الفلسطينيين يريدون "قيام الدولة الفلسطينية انطلاقاً من القناعة بالدولة ذاتها". إننا لا نتفق مع الكاتبة في النتيجة التي توصلت إليها وذلك لسبب بسيط (تتعرض له الكاتبة في الدراسة نفسها!) وهو أن الدولة كانت دوماً "ذات أهمية مضاعفة بالنسبة للفلسطينيين، لأنها، بالإضافة إلى المسائل الحياتية، كانت ولم تزل الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الأرض، وعلى بقاء الفلسطينيين كشعب".

تلك الرؤى المختلفة لمفهوم الدولة وماهيتها وامتدادها يمكنه أن ينصب في إطار تلك الأشياء التي تقسم الفلسطينيين بحسب تعبير رشيد خالدي في كتابه "الهوية الفلسطينية" إذ يؤكد بأنه "بالرغم من أن الفلسطينيين أصبحوا شعباً موحداً في مجالات مختلفة، إلا أنهم كانوا متمزقين في مجالات أخرى وذلك لأنهم كانوا يفهمون تاريخهم انطلاقا من روايات مختلفة". وهذا قد يفسر أيضاً التغيير في مواقف القيادات الفلسطينية نفسها من هذه القضية إذ أنها تكلمت أولاً عن دولة فلسطينية ديمقراطية (حكومة عموم فلسطين، الميثاق الوطني عام 1968) ولكنها، ونتيجة حرب تشرين الأول 1973، بدأت بالحديث عن سلطة وطنية مقاتلة كخطوة استراتيجية نحو الدولة الديمقراطية؛ وعندما أعلن المجلس الوطني استقلال دولة فلسطين سنة 1988 أصبحت دولة فلسطين مرادفة للضفة الغربية وقطاع غزة مع القدس الشرقية عاصمة لها. من ثم، وضمن اتفاقيات أوسلو، عادت القيادات الفلسطينية إلى فكرة سلطة ذاتية كفترة انتقالية وإن اختلفت نية الطرفين عن مفهوم تلك الفترة والأهداف من ورائها وهو يفسر التناقض الموجود حالياً: من ناحية تستمر السلطة الفلسطينية بالتحضير للدولة ضمن "حل الدولتين" الذي تبناه "الرباعي" في خطة الطريق والتي نالت ترحيب مجلس الأمن والجمعية العامة، ومن ناحية أخرى تستمر إسرائيل بالعمل جاهدة كي تجهض الدولة الفلسطينية حتى قبل أن تولد.

العلاقة بين قيام دولة فلسطين وبقاء دولة إسرائيل

إن كانت رغبة الفلسطينيين هي قيام دولة فلسطينية تخصهم، فهل سيرضون بأية دولة؟ فلنفرض مثلاً أن أحدهم خيرهم بين العيش في جيتوهات سيخلقها السور الذي تبنيه إسرائيل حالياً أو العودة إلى مشروع الدولة الثنائية القومية فلا شك بأنه سيكون هنالك الكثيرون ممن سيفضلون الحل الأخير؛ طبعاً إن كان هذا يعني العودة إلى بيوتهم التي تم تهجيرهم منها، والحصول على حقوق متساوية مع باقي المواطنين دون تمييز بسبب العرق أو الدين ومع حق التصويت السلبي والإيجابي بالإضافة إلى نظام اجتماعي وصحي يضمن له ولأولاده عيشة كريمة (هذه مجرد فرضية طبعاً، إذ أن منطق السور نفسه هو عكس ذلك تماماً!).

علق أحد أستاذة الجامعة العبرية على السور الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية خلال برنامج تم تقديمه على محطة CNN في 7/4/2004 قائلاً: "على طرفي هذا السور يموت حلمان: الأول هو حلم دولة فلسطينية قادرة على البقاء والثاني هو حلم دولة يهودية ديمقراطية". كذلك علق أحد قضاة محكمة العدل العليا الإسرائيلية (الوحيد من أصل عربي) بأن السور يقود لا محالة إلى موت حل الدولتين تاركاً المجال لحلٍّ وحيد، وهو "حل الدولة الواحدة". يمكننا أن نعيد صياغة الأفكار التي تقدموا بها كالتالي: إن أصبحت الدولة الفلسطينية حلماً قديماً آخر لم يتحقق فإن الوطن القومي لليهود سيعود ليصبح حلماً صهيونياً آخر؛ في الواقع، تبلغ نسبة الفلسطينيين الذين يملكون حالياً المواطنة الإسرائيلية حوالي 20% من مواطني الدولة اليهودية؛ أضف لهم فلسطينيي الضفة الغربية وغزة (بالإضافة إلى الفرق في نسبة المواليد بين المجموعتين) سنجد أن عدد الفلسطينيين سيفوق عدد اليهود خلال سنوات قليلة؛ وعندها سيكون أمام إسرائيل حلان لا ثالث لهما: أن تعامل الجميع كمواطنين (شخص واحد، صوت واحد) وبالتالي عليها التضحية بهوية دولة إسرائيل "اليهودية" أو أن تعامل اليهود فقط كمواطنين مع الحقوق والواجبات التي تنتج عنها وبالتالي عليها التضحية بهوية دولة إسرائيل "الديمقراطية". وفي كلا الحالتين، تكون إسرائيل هي الخاسرة.

إن بعض المشاركين في ذلك البرنامج كانوا على قناعة بأن قيام الدولة الفلسطينية لا يجب أن يبقى أولوية ومصلحة فلسطينية فقط بل عليها أن تصبح أولوية لكل من يؤمن بحق إسرائيل في الوجود وبأن تكون الوطن القومي لليهود وكأن لسان حالهم يقول: من يحب إسرائيل عليه أن يدعم قيام دولة فلسطين! وهذا سبب رفضهم للسور الفاصل لأنه يقضي على حلم الدولة الفلسطينية في المدى القريب وسيقضي أيضاً على المدى البعيد على دولة إسرائيل نفسها كوطن قومي لليهود. وهذا استنتاج مثير للفضولية ولكنه ليس خالياً كلية من المنطق (مع العلم طبعاً بأن قيام الدولة الفلسطينية يُجيب قبل كل شيء على حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره على أرضه).

إن إسرائيل هي دولة شرق أوسطية (على الأقل جغرافياً؟!) وليست أوروبية أو أمريكية؛ والشرق الأوسط تسكنه أكثرية عربية ومسلمة لم تستوعب إلى الآن دولة إسرائيل؛ في الوقت نفسه تحظى إسرائيل بدعم القوة العظمى الوحيدة ومساعدتها (الولايات المتحدة) وبمسايرة الدول الأوروبية التي ما زالت تعاني من عقدة الذنب نتيجة اللاسامية البغيضة التي ولدت ونمت فيها؛ لكن التاريخ يثبت لنا بأنه لا يوجد ضعيفٌ إلى الأبد وقوي إلى الأبد؛ كل الإمبراطوريات لها مراحل –كتب ابن خلدون في مقدمته الشهيرة- ولكن جميعها تسير نحو دمارها وزوالها؛ وعندما يحين ذلك الوقت، ماذا سيبقى لإسرائيل؟ إن قوة إسرائيل العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية من جهة وضعف العرب من جهة أخرى يكفي اليوم لتوفير التغطية الضرورية لأفعال إسرائيل الغير مشروعة دولياًَ ولاستمرار احتلالها لشعب وأرض فلسطينية، ولكنه لا يشكل أي ضمانة غداً؛ فقط الحل السلمي المبني على الحقيقة والعدل من جهة والمصالحة بين الشعبين من جهة أخرى هو الذي يضمن لها ذلك، اليوم وغداً.

مستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين: وجهان لعملة واحدة

كتب إدوارد سعيد (وهي كلمات يستطيع أي فلسطيني أن يتبناها): "أنا أومن –وبإخلاص- بمستقبل تتصالح فيه الشعوب والثقافات التي تبدو متنافرة الآن... إلا أن التصالح الأصيل لا يتم قسراً، كما أنه لن يتحقق بين مجتمعات وثقافات تتفاوت قوتها بشدة ويسيطر بعضها على البعض الآخر بالقوة. إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مصالحة بين ندين، وبين شريكين يستطيع كل منهما –باستقلاليته وقوة أهدافه وتماسكه- فهم الآخر ومشاركته بشكل متكافئ". وكتب في مكان آخر: "إن السلام في جوهره يعني السلام بين طرفين متكافئين، بل يعني الحرية والمساواة لكلا الشعبين. ولا يعني السلام بقاء شعب خاضع لشعب آخر يحتكر الأمن وكل الحقوق، وإنما يعني قبل كل شيء أن نقرأ تاريخنا –فلسطينيين وعرباً- باعتباره تاريخاً له مقوماته واتساقه"؛ وأضاف، "لقد كنت دوماً من مؤيدي التصالح والتفاوض بين العرب واليهود، ولكن على أساس من المساواة، وليس على أساس تحقيق السلام على حساب الفلسطينيين وحدهم" (كتاب غزة-أريحا، سلام أمريكي).

حتى ذلك الحين، سنستمر بالعد اليومي لضحايانا؛ وسنستمر بتغذية حقدنا وتجريمهم وتجريدهم من إنسانيتهم لأنهم أفقدونا كرامتنا وسلبوا لقمة عيشنا وحريتنا ومستقبلنا. ومن الجهة الأخرى من السور سيستمروا بتغذية جهلهم وخوفهم منا وأحكامهم المسبقة ولن يفيقوا إلا أحياناً متقطعة أمام فظاعة عملية انتحارية فيبكون ويشعرون من جديد بالاضطهاد ويرغبون بردود قوية ويدعمون حكومة متشددة تضربنا بيد من حديد، فيغلقون طرقنا وأبواب السور، ويقصفوا غزة ويفرضوا حظر التجول ويقطعوا الكهرباء والماء ويمنعوا وصول المعونات الإنسانية. عندها، نود ألا يتساءلوا من جديد "لماذا يكرهوننا؟!" إذ أن الحب مجاني لكن الكراهية لها أسبابها؛ من المؤكد أن قضيتنا غير مرتبطة بصراعات دينية أو عرقية أو ثقافية لكن مشكلتنا -بكل بساطة- هي مع من يحتل أراضينا ويطردنا من بيوتنا ويستمر بتجويعنا وتقييد حريتنا ويقتل أبنائنا ويسجن آبائنا ويدمر بيوتنا ويقتلع أشجارنا؛ (سألوا يوماً جان دارك إن كان الله يحب الفرنسيين أكثر من الإنكليز فأجابت بأن الله يحب الإنكليز أيضاً ولكن عندما يكونوا في بلادهم ويتوقفوا عن احتلال فرنسا!) ولهذا، لا يسعنا إلا أن نعيد ما قاله السفير الأردني لدى الأمم المتحدة خلال إحدى جلسات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دورتها الستين: "يا يعقوب (اسم السفير الإسرائيلي)، انسحبوا أولاً من الأراضي الفلسطينية وبعدها سترى"؛ ما نريده -نحن الفلسطينيون- هو وطن وكرامة، مثل غيرنا من الشعوب. لا أكثر... ولا أقل!

 
إرسل المقال لصديف للتعليق على المقال

مقـــالات أخــرى للكاتب:

 

  لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان:  4/13/2004

 

  الضرورة لا تعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن أفعالها غير المشروعة دولياً  4/6/2004

 

  الفيدرالية كحل للصراعات العرقية في الشرق الأوسط  4/2/2004

 

  موقف أوروبا المتأرجح من السور الفاصل   1/22/2004

 

  شرعية المحكمة العراقية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية وصلاحياتها  1/19/2004

 

  من سيُحاكم صدام حسين؟  1/17/2004

 

 

لايوجد إستطلاع اليوم
 إستطلاعات سابقة

  د. زياد الصالح

انقلاب الموازين في وطنية المواطن «الشبرمي نموذجاً»!!


  أيمن اللبدي

في الذكرى الستين لـ«اغتصاب فلسطين» : رصاصة الرحمة على قلب التسوية....!


للإتصال بنا

للإتصال بنا  


2002 - 2008  الحـقائق - المملكة المتحدة

جميع الحقوق محفوظـة