|
منذ بدأت جهود الولايات المتحدة الأمريكية و رئيسها جورج دبليو بوش لاحتلال العراق و إسقاط نظام الحكم فيه بحجج و دوافع عديدة منها امتلاكه للأسلحة الكيماوية لم يكن هناك موقف عربيً صريح وواضح عن الجامعة العربية لتحدد موقفها بالضبط مما تسعى إلى فعله الولايات المتحدة الأمريكية و حليفتها بريطانيا، فجامعة الدول العربية لم يكن بمقدورها قبل بدء الحرب سوى الدعوة إلى ضرورة البحث عن حل سلمي دبلوماسي للازمة، و مطالبة العراق بمزيد من التعاون مع مفتشي الأسلحة الدوليين، و ربما كان في الموقف العربي الفرادى لكل دولة عربية على حده وضوح أكثر من موقف الجامعة العربية التي هي بالطبع تمثل النظام الرسمي العربي مجتمعاً، فبعض الدول العربية لم تتردد في إعلان تأييدها و مساندتها للموقف الأمريكي مؤكدةً على ضرورة إسقاط النظام الديكتاتوري في العراق ، و بعضها اقترح مبادرات لإنهاء الأزمة كمطالبة الرئيس صدام حسين خلع نفسه عن سدة الحكم في العراق ، و البعض الآخر من الدول العربية وقفت حائرة مترددة قبل بدء العمليات العسكرية ، و احتلال العراق ، و حتى بعد الاحتلال لم يتجاوز موقفها حد المطالبة بالحفاظ على وحدة أراضي العراق و عدم تقسيمه ، و هذا موقف لم يكن بالا مكان تجاوزه تفادياً لأي خلاف و صدام دبلوماسي مع " أمريكا 11 سبتمبر " ، و بعد احتلال العراق لم تجرؤ جامعة الدول العربية على تجاهل مجلس الحكم الانتقالي الذي عينه حاكم العراق الأمريكي وقتها بول بريمر ، و كذلك لم تستطع الجامعة من اتخاذ موقف صريح حول تسمية الجماعات العراقية المسلحة التي تشكلت بعد الاحتلال في كونها جماعات مقاومة أم مجموعات إرهابية في وقت يمنح فيه القانون الدولي الحق للشعب المحتل في مواجهة و مقاومة الدولة المحتلة ، كما و يتجلى غياب الموقف الواضح و الجريء لجامعة الدول العربية حين دخل الجيش الأمريكي المحتل مدينة الفلوجة و ارتكب فيها مجازر بحق المدنيين الأبرياء .
لا خلاف على أن الأحداث و التغيرات السياسية التي شهدها العراق في ظل الاحتلال الأمريكي كشفت عن تغييب و غياب واضح في الموقف الرسمي العربي ممثلاً بجامعة الدول العربية لاعتبارات و أسباب عدة منها: رفض الولايات المتحدة الأمريكية لأي دور لجامعة الدول العربية التي يغلب على معظم أعضائها حالة عدم الرضا- و إن لم يُعبر عنه على الملأ- لما قامت و تقوم به الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي عموماً و العراق تحديداً، كما و لعبت الخلافات العربية العربية ، و اختلاف الرؤى من الأزمة في العراق منذ بدأت دوراً في تحييد الجامعة العربية عن مجريات الأحداث و الأمور على الساحة العراقية ، و لعبت بعض الأطراف العراقية التي دخلت العراق مع القوات الأمريكية المحتلة دوراً من أجل تجاهل الجامعة العربية من خلال حملتهم الإعلامية المدعومة أمريكياً و التي شنوها ضدها باعتبار ما لها من دور في دعم نظام الرئيس صدام حسين و اتهامهم بأنها تجاهلت ما أسموه مذابح و مجازر ارتكبت في عهد الرئيس صدام حسين بحق العراقيين المعارضين لنظام حكمه .
إن المتتبع اليوم لمجريات الأمور و الأحداث في" العراق الجديد" كما يحلو للبعض تسميته يجد فيها كثيراً من التغير و التبدل و لو ظاهرياً فيما يتعلق بجامعة الدول العربية و العراق ، و أقصد هنا ظهور جامعة الدول العربية ممثلة في شخص أمينها العام السيد عمرو موسى على المسرح العراقي من خلال المساعي الدبلوماسية التي يبذلها لعقد مؤتمر وفاق وطني عراقي ، و لقائه في الثاني و العشرون من شهر أكتوبر الحالي بعدد من الشخصيات و القوى العراقية الفاعلة و اللاعبة ضمن لاعبين كُثر لا يمكن النظر إليه إلا في سياق تقاطع المصالح لأطراف و قوى عده داخل العراق سواء كانت الولايات المتحدة الأمريكية أو جامعة الدول العربية نفسها ، أو الأطراف و القوى العراقية المختلفة :
أولاً : لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية قبل و بعد بدء عملياتها العسكرية على العراق لتقبل بتدخل أي جهة خارجية لا تتفق و لا تلتقي مع ما تريد فعله و تخطط له في العراق ، و هذا الأمر أنسحب على جامعة الدول العربية التي غلب على معظم أعضائها فتور و عدم حماسة و ربما معارضة غير معلنة لما تنوي الولايات المتحدة الأمريكية فعله في العراق ، وعليه فقد بقيت جامعة الدول العربية مغيبة و غائبة و بعيدة كل البُعد عن واقع الحال في العراق ما يقارب من عامين و نصف جرت فيها أحداث كثيرة أثرت على الخارطة السياسية للعراق و على علاقاته بمحيطه العربي ، إلا أن هذا الطوق الأمريكي الذي كان مفروضاً على الجامعة العربية بدأ في التراجع إلى الوراء ، فمساعي السيد عمرو موسى في العراق لا يمكن أن تكون بمنأى عن رضا و موافقة أمريكية ، فالولايات المتحدة الأمريكية احتلت العراق و أحكمت السيطرة عليه ، بل و عينت حكومة عراقية فيه من قبلها، و أجرت فيه انتخابات لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية العراقية ، و عندها ساد اعتقاد بأن العراق يسير باتجاه الديمقراطية و الاستقرار ، إلا أن مجريات الأحداث في العراق من تدهور للوضع الأمني فيه و من خسائر أمريكية متلاحقة و متزايدة ، و من قدرة للعرب السنة –بوسائلهم العسكرية و السياسية – على إثبات أنهم لاعبين أساسيين في الحالة العراقية غَيرت كثيراً في المعادلة الداخلية العراقية ما حذا بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إبداء عدم معارضتها من تلك المساعي العربية علهَا تتمكن من تحقيق ما فشلت الآلة العسكرية من توفيره و هو الأمن و الهدوء ، و في هذا الموقف الأمريكي الجديد من الجامعة العربية يجب الانتباه إلى مسألتين غاية في الأهمية و هما : تَمكُن الولايات المتحدة من تحقيق أحد الأهداف الرئيسية التي سعت و خططت لها في العراق و هو تعزيز الطائفية و مبدأ التقسيم و هذا أمر سيصعب على الجامعة العربية ترميمه و إعادته الى ما كان عليه قبل الاحتلال ، إضافة إلى مسألة أخرى هامة و هي أن القبول الأمريكي بتلك المساعي العربية ممثلةً في شخص أمينها العام السيد عمرو موسى لا يمكن اعتباره تدخلاً لا محدودا ، فالولايات المتحدة قبلت بذلك التدخل بالقدر الذي يحقق لها مصلحة ما سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، و المقصود هنا نجاح الجامعة العربية في إقناع العرب السنة بضرورة المشاركة الفاعلة في العملية السياسية الجارية في العراق ، و بالتالي توفير الأمن و الأمان و توقف التفجيرات التي شملت نواحي مختلفة من العراق.
ثانياً : وجدت جامعة الدول العربية في عدم ممانعة الولايات المتحدة الأمريكية لمساعيها في العراق فرصةً لتغيير صورتها التي شُوهت بشكل مقصود داخل العراق ، و للتأكيد على عروبة العراق بالرغم من كل ما جرى من محاولات لإبعاده عن محيطه العربي خصوصاً في ظل ما يُقال و يُتردد عن تدخل إيراني في الحياة السياسية العراقية .
ثالثاً: لا يمكن النظر لمواقف الأطراف و القوى العراقية من المساعي السياسية التي يبذلها السيد عمرو موسى بنفس القدر من حالة الرضى و إن أبدت استعدادها للتفاعل مع مبادرته لعقد مؤتمر وفاق وطني عراقي، فالعرب السنة يرغبون و يدعمون بقوة تلك المساعي العربية لما يرون فيها دعماً و تبنياً لموقفهم في اعتبار العراق جزءاً أصيلاً من الأمة العربية و عضواً مؤسساً لجامعة الدول العربية ، و يرون في تلك المساعي نجاحاً لجهودهم السياسية و يرون فيها كذلك أحد ثمار تضحياتهم في مواجهة المحتل الأمريكي ، كما أنهم يشعرون بحاجة الى سند و لو معنوي في ظل الدعم و التبني الأمريكي لأطراف عراقية أخرى ، و هم و بحكم فهمهم للواقع الدولي و الهيمنة الأمريكية يدركون بأن تلك المساعي لن تتمكن من تحقيق كل ما يريدونه إلا أنها بالنسبة لهم و على الأقل تمثل دافعاً معنوياً من قبل محيطهم العربي ذو الأكثرية السنية ، أما العرب الشيعة (الجعفري والحكيم ) ، و إن أبدوا شيئاً من الترحيب و القبول فهم يدركون جيداً الواقع الدولي و موازين القوى فيه التي تسمح باستغلالهم
لصالحهم و عليه فهم في النهاية و إن أعلنوا عدم رفضهم لمبدأ فكرة عقد المؤتمر إلا أنهم لن يقبلوا بأن تكون على حساب آمالهم و طموحاتهم و أطماعهم التي تجسدت في مسودة الدستور العراقي ، و المقصود هنا المكتسبات السياسية و غير السياسية للشيعة في جنوب العراق ، فهم و إن أبدوا قبولاً مبدئياً بتلك المساعي فإن قبولهم حده هو أنه ربما يسهم في تحسين الوضع الأمني الذي فشلوا هم و معهم المحتل الأمريكي من تحسينه ، لذلك ربما يقبلوا بإجراء بعض التعديلات على مسودة الدستور العراقي ، و من هذه التعديلات القبول ربما ببعض مطالب السنة مثل اعتبار العراق جزء من الأمة العربية ، و كما يرى إبراهيم الجعفري و الحكيم في مساعي الأمين العام للجامعة العربية انتزاعاً من قبلهم لاعتراف عربي بالواقع السياسي للعراق الجديد.
و فيما يخص الأكراد في شمال العراق فقد كان موقفهم من تلك المساعي العربية أقرب لموقف العرب السنة، و هذا ما أتضح من خلال ما رددته بعض وسائل الأعلام عن فتح قنوات اتصال سبقت تلك المساعي أجراها الأكراد مع جامعة الدول العربية، و أسفرت تلك الاتصالات عن إبداء الرغبة و الموافقة من قبل الأكراد على تدخل رسمي عربي ممثلاً بجامعة الدول العربية في الأزمة العراقية، فالأكراد رأوا في تلك المساعي و في كل الأحوال بأنها لن تكون على حساب المكتسبات السياسية التي حققوها و هي مكتسبات تقترب من الاستقلال، كما أن الأكراد أمام محاولات التفرد و الاستحواذ بالقرار في إدارة الدولة من قبل إبراهيم الجعفري شعروا بمدى الحاجة لطرف داخلي عراقي يسهم في توفير شيء من التوازن يحجم ذلك التفرد و هذا لن يكون بحسب وجهة نظر الأكراد إلا من خلال المشاركة الفاعلة في العملية السياسية من قبل العرب السنة. |