|
شرع الله الجهاد في الإسلام لتحقيق الإسلام والأمان والاطمئنان في الأرض لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" الأنفال 39
شرع الله الجهاد لأن الله أمر المسلمين به فارتضوه لهم طريقاً إلى العزة والكرامة والنصر والتمكين فهو قدر هذه الأمة لا فكاك عنه " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" البقرة 216
شرع الله الجهاد لأنه بيع بين المؤمن وربه فلا يجوز للمؤمن أن يتخلف عنه " إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" التوبة 111
ولا يجوز للمؤمن إلا أن يكون واحداً من ثلاثة كما أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بذلك فقال :" من لم يغز ، أو يجهز غازياً ، أو يخلف غازياً في أهله ، أصابه الله بقارعة قبل موته " رواه أبو دواود والنسائي .
شرع الله الجهاد لأن فيه حياة ، حياة حقيقية لمعاني العزة والكرامة حياة حقيقية لإنسانية وآدمية الإنسان ، حياة حقيقية لحرمات الإنسان من الانتهاك أو أن تكون عرضة لأطماع الطامعين وإفساد المفسدين ولذا فإن من لوازم تركه حصول العذاب والضنك وتحقيق الموت الحقيقي للبلاد والعباد موت حقيقي لمعاني الحرية والعدالة والعزة والكرامة فما قيمة الأجساد إذا كانت تدب على الأرض ؟ وجميع الحرمات تنتهك بلا وازع من دين أو ضمير قال صلى الله عليه وسلم :" إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " أخرجه أبو داوود وصححه الألباني .
شرع الله الجهاد لرفع الظلم عن المظلومين وحماية دور العبادة من أن تهدم " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" الحج 39 .
من أجل ذلك كله اختار الله سبحانه الجهاد والقتال للمسلمين في غزوة بدر مع أنهم لم يخرجوا للنفير بل خرجوا للعير " وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ " الانفال 7 ، اختار الله لهم المعركة مع قلة عددهم وعدتهم فكان النصر والتمكين للفئة المؤمنة " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" آل عمران 123
كان النصر والتمكين لهذه الفئة المؤمنة التي انطلقت من المدينة إلى ماء بدر والمسافة تزيد على 160 كم يتعاقبون السبعين بعيراً كل ثلاثة على بعير ، روى الإمام أحمد عن عبدالله بن مسعود قال :" كنا يوم بدر ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلى ابن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" وكان عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن نمشي عندك قال : ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما "
لقد كانت حالة المسلمين من الضعف والذلة ما لا يخفى على أحد حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم رق لحالهم فدعا لهم فقال :" اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم " ففتح الله له يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا " وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " الأنفال 26
ولما تيقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن المعركة حاصلة لا محالة استشار أصحابه الكرام فقال أبو بكر فقال وأحسن ، ثم قام عمر فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله امضي بما أمرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى ، اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك ثم قام سعد بن معاذ سيد الأنصار فقال : قد أمنا بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا فامضي لما أمرك الله والله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر بع عينيك فسر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : والله لكأني انظر إلى مصارع القوم .
ولما اقتربت ساعة الصفر دخل الرسول صلى الله عليه وسلم العريش الذي نصب له وبدأ يجأر بالدعاء إلى الله قائلاً : اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض حتى أن أبا بكر أشفق عليه قائلاً : أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن لك ما وعدك .
ثم خرج إلى الناس فحرضهم على القتال قائلا: والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم الرجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الجنة . والتحم الفريقان في قتال شديد وأنزل الله ملائكته لتثبيت المؤمنين وألقى الله الرعب في قلوب الكافرين " إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" الانفال12
ولم ينتصف النهار حتى حلّّت الهزيمة بالمشركين وولوا الأدبار ، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون بينما قتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً .
وإنه لأمر عجيب في موازين المادة في موازين البشر فجيش الكفار ثلاثة أضعاف جيش الإيمان ولكنه في ميزان العقيدة والإيمان في ميزان الله عز وجل أمر طبيعي أن تنتصر الفئة القليلة المؤمنة المعتصمة بالله المتوكلة عليه على الكثرة الكافرة التي اتخذت الشيطان ناصراً ومعينا إنها إرادة الله التي لا يقف أمامها شئ مهما اختلت الموازين .
فهذه غزوة بدر ستمضي في العالمين إلي يوم يبعثون وفعلاً فقد مضت ورأينا هذه السّنة في معارك المسلمين في اليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت إن القلة المؤمنة تغلب الكثرة الكافرة بإذن الله وها نحن هذه السنة قد تمثلت في انتفاضة الأقصى المباركة التي حاول اليهود مدة خمس سنين أن يقضوا عليها فلم يستطيعوا فكان الانتصار العظيم باندحار الصهاينة المجرمين من أرض غزة الحبيبة ولم يكد يصدق المرء عينيه وهو يرى قطعان المستوطنين في غزة يخربون بيوتهم بأيديهم ثم ينسحبون منها وهم يجرون أذيال الخزي والعار لم يكد يصدق المرء عينيه والمجاهدون يدخلون المغتصبات ويصلون صلاة الجمعة ويقيمون احتفالاتهم في قلب المغتصبات المحررة !! إنها لحظات الفرح والسرور أن يعانق الانتصار الانتصار ، انتصار المقاومة وانتصار بدر يتعانقان !! ويلتقيان في زمرة القلب الواحد ليكون ذلك في الملأ الأعلى بإذن الله لنشرب جميعاً من يد حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدا اللهم أمين . |