|
في كل يوم تتكشّف حقائق جديدة في مجرى التحقيق بحادثة اغتيال الشهيد رفيق الحريري.
وفي كل مرّة تتكشّف فيها حقيقة نعود إلى نقطة الصفر.
ومن المؤسف حقاً أن تنطلي على لجان التحقيق المتعاقبة تلك المسرحية المبتذلة التي رتبتها جهات مشبوهة للإساءة إلى سورية ووضعها في ساحة الاتهام، وذلك باعتماد أقوال شخص أشك في أن تلك اللجان لم تفكر حتى بالاستعلام عنه وعن مصداقيته وشخصيته أولاً وأقواله ثانياً.!
ومن المؤسف حقاً أن لا تنتبه تلك اللجان سواء عن حسن أو عن سوء نيّة إلى الترتيبات المدروسة التي رافقت بالتوقيت نفسه رواية الشاهد الشبح وتنفيذ جريمة الاغتيال.؟
وقد أعلنت سورية حكومة وشعباً منذ اللحظة الأولى الحزن والشجب لهذا المصاب الجلل، وأعربت عن صدمتها بفقدان رجل من وزن الشهيد الحريري، وما له من تأثير في الساحة اللبنانية والعربية والعالمية، وقلنا في معرض تحليل مبكّر جداً وعندما بدأت رائحة توجيه أصابع الاتهام إلى سورية وإلى بعض شخصيات لبنانية وسط موجات الضغوط التي تمارس على سورية لأسباب لم تعد خافية، بأن من بدهيات العقل والمنطق أن نبحث أول ما نبحث عن الدوافع، وعن المكاسب التي يمكن أن يستفيد منها من قام بهذا العمل الجبان، وتساءلنا تحت عنوان "لماذا سورية ولماذا الحريري" بما يفيد الإحاطة بالمسألة وتوجيه التحقيق الوجهة الصحيحة والمجدية.
فهل يمكن لعاقل أن يتصوّر بأن تفكر سورية بمثل هذا العمل وهي تعلم يقيناً نتائجه وسط ظروف الحصار والتضييق والضغوط غير المبررة التي تُمارس على سورية.؟
وكان أن استهدف رفيق الحريري ليكون الصدى أكبر من الصوت، بما يشبه ولو استغرقنا في التشبيه أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة ليبرر ردود الفعل وشدتها وما استتبع ذلك، وليتمكن المخططون لهذه الجريمة من تمرير ما مُرّر بعد حادثة الاغتيال بما يزيد من الضغوط على سورية.
وأقول بصراحة إن السيناريوهات التي رتبت ترتيباً دقيقاً جهدت منذ البداية على إبعاد أي إشارة أو أي تنويه أو تهمة في توجيه أصابع الاتهام إلى الجهة المستفيدة الحقيقة من هذه الحادثة، ولو وصلنا إلى مراجعة حجم الفائدة التي حصل عليها البعض في لبنان وفي خارج لبنان سياسياً لأدركنا بوضوح من هي الجهة التي يجب أن يتوجه التحقيق إليها.
إن مسلسل الاغتيالات التي عصفت بشخصيات مؤثرة في المشهد السياسي اللبناني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بلا استثناء منذ ما قبل الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية وحتى الآن يشير إلى حجم التخبّط السياسي الذي يعاني منه لبنان، وإلى حجم التدخلات الأجنبية في هذا البلد العربي لكسر طوق العزلة عن (إسرائيل) ولتجريد الشعب الفلسطيني المقيم في مخيمات بدائية على أرض لبنان من أبسط حقوقه الإنسانية، وتجريد لبنان بالكامل من قدرته على التصدي للمشروع الصهيوني والأمريكي في المنطقة، أو بتحديد أكثر لعبة شدّ الحبل لمصلحة هذه الجهة أو تلك والتي استدعت في كثير من الأحوال اللجوء إلى تصفيات جسدية لشخصيات، وإلى أفعال وردود أفعال كان (لإسرائيل) بالتحديد الدور الأكبر في التحريض عليها تارة، وفي تنفيذها مباشرة تارة أخرى، وليس هناك أي تبرير أو ادعاء بأن الفاعل في كل مرّة.. مجهول.! بل الفاعل معروف ومعروف جيداً.
وعلى مسيرة التخبّط تلك، والتصريحات المتضاربة التي نسمع بها في كل يوم من هذه الجهة أو تلك، بل وتبدّل لون الجلد بين لحظة وأخرى للشخصية الواحدة، يضع لبنان نفسه وبيد بعض رجالاته على أدنى قائمة امتلاك قراره السياسي بادعاء أنه غير قادر على التصرّف المحايد بالتحقيق في جرائم الاغتيالات. وتخرج علينا أصوات مشبوهة تنادي باللجوء إلى جهات خارجية للتحقيق.. فماذا كان.؟
جاءت اللجنة الأولى ورئيسها الضابط الأيرلندي فيتز جيرالد الذي أسس مسيرة التحقيق على وهم سخيف مصدره شخص ادعى بأنه ضابط في المخابرات السورية، وأنه يعلم ما لا يعلمه أحد عن خافيات الأمور.! ليضخّ معلومات "مفبركة" ليس لها أيّ أساس من الصحة ولا المصداقية.
فهل يمكن أن نصدق بأن لجان تحقيق دولية ولها من الخبرة ما لها، ومن العلم والمعرفة والوسائل والطرق العلمية الباع الطويل، ثم يغيب عنها أن المعلومات التي يأتي بها ذلك المدّعي هي حلقة في سيناريو "فبرك" بإحكام من قبل شخصيات لم تعد خافية.؟ وأنها غير صحيحة، تأسيساً على مبدأ بسيط هو من أول بدهيات التحقيق أن لا أحد استقصى عن حقيقة هذا المدّعي.؟ وهل هو حقاً ضابطا.؟ وهل هو حقاً يعلم خفايا الأمور.؟ وهل هو حقاً يعمل أصلاً في سلك المخابرات السورية.؟
وجاء الجهبذ المحقق الدولي ديتليف ميليس ليواصل ذلك العبث دون أدنى إحساس بمسؤولية ما يفعل وهو بذلك بواصل تأسيس تحقيقاته على المنوال نفسه.
لقد ثبت للعالم بأن المدّعي "محمد زهير صديق" ليس أكثر من جندي عادي وهارب من الخدمة، ولاجئ في قرية من قرى جبل لبنان، وقد أستغلّ استغلالاً مشبوهاً، وحرص الجميع على إبقائه خفيّاً وكأنه ملك اللعبة كلها.
لقد قلنا بأن جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري سيست تسييساً مقيتاً، وما يجري الآن هو مواصلة لتسييس القضية بعيدا عن مصداقية وشفافية التحقيق الجنائي.
ومن البساطة بمكان لو كانت النوايا سليمة، والهدف هو تبيان الحقيقة، أن نجري سبراً بسيطاً هادئاً لنصل إلى حقيقة من المستفيد من هذه الجريمة.
وأعتقد بأن الوقت قد أظهر بوضوح وكشف عن الجهة المستفيدة والتي لا يستطيع أحد أن يبرأها. وهي قريبة جداً لو فتشنا في أطراف الخباء لوجدناها ما تزال تعبث بأمن لبنان سعياً إلى مزيد من المكاسب.
ستبقى سورية صامدة، وستواصل سياسية الحكمة والصبر، وسيأتي اليوم الذي يكشف عن كل الحقائق.
ويبقى السؤال الأهم يطرح نفسه..
هل يدلني أحد ماذا يفعل السفير الأمريكي والسفير الفرنسي في لبنان.؟
وهل هو من الأمور الطبيعية أن يعمل هذان السفيران من خلال اجتماعاتهما المتواصلة مع عدد من الشخصيات اللبنانية على تسيير سياسة لبنان.؟
ثم أخيراً.. من هو المستفيد الأكبر من كسر العلاقة الأخوية التاريخية والاجتماعية بين لبنان وسورية.؟ ولصالح من.؟ |