|
حادثة الحادي عشر من سبتمبر المدويّة أصبحت جزءاً من التاريخ طويت وانتهت. ولكنها شكَّلت خطاً فاصلاً بين ما قبلها وما بعدها، حيث لم تعد الدنيا بعدها كما كانت.
كانت كفيلة بتغيير كثير من المفاهيم بتداعياتها وتبعاتها ذات الأثر العميق في العالم، حيث ما تزال ذكراها المؤلمة ماثلة في الأذهان.
لقد استيقظ العالم على ذاك الحدث الضخم وانقسم بين مؤيد ومعارض، ليكتشف الأمريكيون مدى حجم موجة العداء غير الطبيعية ضدهم، بدءاً بالمخططين والمنفذين مروراً بالداعمين.. حتى حشود المتظاهرين والمحتفلين من المسلمين وغير المسلمين. ففي يوم الحادثة نفسه تسابق بعض الإخوة الفلسطينيين إلى الاحتفال بهذه المناسبة بتوزيع الحلوى فرحين، كان موقفاً شعبياً خاطئاً قوّمه موقف الرئيس الراحل ياسر عرفات بتبرعه بدمه لجرحى البرجين في موقف إيحائي برفض الإرهاب وموقف مواطنيه المتسرع.
وعلى المستوى العالمي تغيّرت أشياء كثيرة بوتيرة متصاعدة وإيقاع سريع بدءاً بسقوط حكومة (طالبان-القاعدة) في أفغانستان مروراً بسقوط النظام العراقي السابق... حتى ارتفاع أسعار النفط العالمية اليوم.
إن ما يهمنا-كسعوديين- من القضية أمران مهمان: البحث عن الأسباب والدوافع لدى المنفذين الذين كان معظمهم من السعوديين، ثم ماذا تغيّر في بلدنا المملكة العربية السعودية بعد ذلك؟
إن الحادي عشر من سبتمبر قد كشف لنا خللاً كبيراً في (الرؤوس) يجب علينا طرحه كقضية هامة ومصارحة أنفسنا حولها. لا بد أن نعترف حقيقةً بأن أمر الفتية المغررين لم يكن فكراً دخيلاً هطل من السماء أو نبت مع فطر الأرض، إنما نبع من اعتناق فكر ديني شديد التطرف والكراهية للآخر.
الدوافع إذن، التي جعلت أولئك الفتية يزهقون أرواحهم وأرواح الآلاف، كانت دينية بحتة ولم يكن لديهم أي دوافع أو مصالح أخرى. لقد كانت لديهم استعدادات (سيكولوجية) وفكرية للغلو في الدين أشد الغلو، فاستعجلوا الجنة وامتطوا صهوة (الجهاد) محققين غايات سياسية لمعلميهم الذين غذّوهم بهذا الفكر المتطرف. إنها مسيرة طويلة من رفض الآخر وعدم قبوله بأي حال، أَشبعت لديهم رغبات الكراهية التي رسخت في عقولهم وقلوبهم. ويمكن القول إن مثل أولئك الشبان استغلت عواطفهم الدينية أسوأ استغلال في ظل عدم وجود من ينبههم إلى الخطأ ويرشدهم إلى الطريق القويم.
بعد أن تفحَّمت الأجساد اليانعة لأولئك الفتية، بدأت الفتاوى الشرعية تنطلق كالموج، لتخلق انقساماً حول ما إذا كانت "عملية منهاتن" من الجهاد في سبيل الله أم من الانتحار وإهلاك النفس الذي حرّمه الله؟
على الرغم من وضوح وجلاء الموقف الرسمي السعودي (الديني والسياسي) حيال هذه القضية منذ البداية، إلا أن كثيرين من أفراد المجتمع السعودي كانوا يغردون خارج السرب متكئين على فتاوٍ شرعية (بعضها معروفة المصدر وبعضها لم يعرف مصدرها) تُصوِّر ما حدث بأنه عمل جهادي وهو ذروة سنام الإسلام!
رغم كل الجهود والمساعي الكبيرة التي بذلتها الحكومة السعودية، على كافة الأصعدة لاحتواء تلك الأزمة المؤثرة علينا سلباً كعرب ومسلمين في جميع النواحي، إلا أن ما حدث كان كافياً لتشويه صورتنا وإحراجنا أمام العالم. ورغم تراجع بعض من أفتوا عن فتاويهم السابقة أخيراً، ولكن بعد ماذا.. بعد خراب مالطا! بعد أن تم تجنيد العديد من الشباب-عبر هذه الفتاوى المتشددة- للعمل ضد الدين والوطن باسم الدين نفسه! السبب يكمن بالفشل في توضيح الأخطاء السابقة وإبرازها والتحذير منها؛ لأن من أخطأ لابد أن يتحمل توضيح أخطائه تلك للحؤول بين الشباب واعتناق فكر التطرف والإرهاب.
على أي حال: لا نستطيع تبرئة أنفسنا كمجتمع من التقصير في هذه القضية التي جعلت من أبنائنا قنابل بشرية أو (كاميكازاي) جددا مسخَّرين ضد وطنهم وأهليهم في ظل الفراغ الذي شكَّله غياب دور بعض فئات المجتمع من المثقفين والمفكرين وعلماء الدين في إقامة حوارات مباشرة وشفافة منذ البداية مع كل الشباب المحتقنين والمتشنجين لامتصاص غضب أفئدتهم وإعادتهم إلى عقولهم.
لقد كان الصمت والقلق يطبِقان على بعض المؤسسات المعنية التي تقع المسؤولية الكبرى على عاتقها، إذ لم تتبنَ أي مشروع لاحتواء الموقف فكرياً وتوضيح الأمر أسوة بالموقف الحكومي الرسمي على الأقل.
لقد كان الحديث عن (الجهاد والمجاهدين) فاكهة المجالس دون وعي لما وراء الحدث، ودون أدنى مسؤولية وطنية، بل إن موقف الرافضين للفكر المتشدد والاعتداءات الإرهابية تلك يعتبر موقفاً سلبياً في رأي الكثيرين، حتى وصل الأمر إلى وصف كل من رفض الإرهاب بالعلمانية والعمالة والتغريب والعداء للإسلام.. وسط صمت عميق.
كل تلك المواقف حرّضت قادة الفكر الضال على الزج بقنابل بشرية جديدة لاستئناف مواقفهم الإقصائية والإلغائية السابقة بطرق أخرى أشد قسوة على وطنهم ومواطنيهم، تتمثل بالاعتداءات الإرهابية-التفجيرية التي تمت في الرياض والخبر وجدة ضد الآمنين ومصالح الوطن. ولكن رجال الأمن الأوفياء المخلصين كانوا بالمرصاد لمعظم تلك العمليات جاعلين أرواحهم فداء لاستتباب أمن الوطن.
وعلى الرغم من السعي لتحجيم دور الإرهابيين منذ العمليات الأولى في التسعينيات، إلا أن حادثة سبتمبر أفرزت شحناً عاطفياً وانقساماً كبيراً؛ مما جعلنا نعيش مرحلة صعبة أثرت في الموازين. وقد كشفت الأحداث أخيراً استمرار (تفريخ) الإرهاب من خلال تجنيد الشباب الجدد والتغرير بهم للقيام بعمليات إرهابية في الداخل والخارج.. وكانت مرحلة حرب إسقاط نظام صدام في العراق مرحلة خصبة لاصطياد الفتية المتحمسين لدينهم وعروبتهم (المشحونين عاطفياً) بإقناعهم بالنصوص والفتاوى بوجوب وضرورة (الجهاد) لنصرة الإخوة المستضعفين!
كتب لي صديق يقول:"لقد كنا جيل يحلم بالسفر لأمريكا وأوروبا للدراسة، وأصبح لدينا جيلاً يحلم بالسفر إليهما بدعوى الجهاد!". بالفعل، إن هناك خللاً ما تجب معالجته بصدق وشفافية، إذ لا يجوز أن يقال للمريض بالسرطان إن لديه ألماً بسيطاً سيزول بأخذه المسكنات!
ويبقى السؤال مطروحاً هو: هل تخاذل المجتمع عن أداء واجباته نحو وطنه؟ أم إن المؤسسات الثقافية والدينية والتربوية قد آثرت الصمت على العمل في نشر ثقافة "التسامح" والحوار الحقيقي الجاد في ظل تنامي ظاهرة "كراهية الآخر" سواء أكان هذا الآخر (قريباً) أم (بعيداً)؟
أما آن لنا تكوين حسابات دقيقة في تغليب منطق العقل على العاطفة والابتعاد عن أسلوب النعامة (دسّ الرأس في الرمال) أثناء مواجهة الأخطار؟ ألا يجب اتخاذ خطوات جريئة وفعّالة بطرح القضية صراحةً على طاولة الحوار، بحيث لا ننتظر وقوع المصائب ثم نبحث عن حلول آنية لها؟ |