|
فجأة، بين ليلة وضحاها، معظم المعارضة تغدو موالاة وبعض الموالاة تغدو معارضة. فبدلاً من أن يكون لقاء عين التينة في مواجهة لقاء قرنة شهوان، لعل المشهد سيكون «مواجهة بين عين شهوان وقرنة التينة».
هذا ما تعنيه عملياً تسمية الأستاذ نجيب ميقاتي رئيساً للوزراء من معظم أفراد المعارضة وشطر من الموالاة، وهو أساساً من المعروفين بصداقتهم والرئيس السوري بشار الأسد، وكان في عداد الموالين الذين كان لقاء عين التينة يتصدر جبهتهم في حرب الخندقين منذ نشوب الأزمة الوطنية الأخيرة. هكذا تبدلت خلطة الأوراق في معادلة الاصطفاف السياسي «المبدئي» أو ربما «العقائدي» في لبنان، بفعل الاستشارات الملزمة التي أجراها رئيس الجمهورية مع الكتل النيابية بعد اعتذار الرئيس عمر كرامي، وهو المستقيل والمعاد تكليفه والعائد عن اعتذار سابق معلن عن التأليف. وقد دخل قاموس السياسة في لبنان فارق فني وإنما دقيق بين اعتذار معلن واعتذار نهائي. فمن الممكن أن يعلن الرئيس المكلف اعتذاره على الملأ مقروناً بإعلان تصميمه على إبلاغه رئيس الجمهورية في اليوم التالي، ومن الممكن أن يعلن وهو خارج من لدن رئيس الجمهورية أنه سيقدّم الاعتذار رسمياً بعد مراجعة لقاء ينتمي إليه. ثم يعلن وهو خارج من ذاك اللقاء عودته عملياً عن الاعتذار، وأخيراً يعلن بعد حين، عند عجزه عن التأليف، تقديم الاعتذار رسمياً من دون إعلانه ليفسح في المجال أمام فرصة أخيرة لإمكانية التأليف.
معظم المعارضين سموا الرئيس المكلف الجديد وبعضهم قرن موقفه هذا بإعلان استعداده للمشاركة في الحكومة العتيدة. فإذا دخلت كتل من المعارضة في الحكومة، فهل تبقى في عداد المعارضة؟ جملة أسئلة محيّرة تتزاحم في رأس المواطن: كيف تبقى المعارضة معارضة وهي تدعم رئيس الحكومة المنتظرة؟ فهل هي تعارض الحكومة وتدعم رئيسها؟ وفي حال دخلت كتل من المعارضة الحكومة، كما ترغب، فهل تبقى في صف المعارضة؟ المعارضة في تلك الحال لما ولمن؟ وماذا سيحل بما كان يسمى موالاة؟ رئيس لقاء عين التينة (وعين التينة أساساً هي الاسم الحركي لمقر رئاسة مجلس النواب) آثر أن يكون طرفاً في حرب الخنادق السياسية. وكتلة رئيس المجلس لم تتخذ موقفاً في مشاورات تسمية الرئيس المكلف. فهل تبقى كما كانت في موقع رأس الحربة لما يسمى «الموالاة»؟ فهي تلك الحال، لحساب من وما ستكون الموالاة؟ وبعض أفراد الموالاة كانوا منسجمين مع أنفسهم إذ سموا زميلهم لرئاسة الحكومة العتيدة. فهل قرروا التحالف عبره مع من كانوا في الخندق المقابل لهم في حكومة جديدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل تعتبر حرب الخنادق نسياً منسياً، فتُحسب في التاريخ من قبيل الزلل أو الهفوة أو ربما صدام أمزجة عابر فتُنهى بالاعتذار والتماس عدم المؤاخذة؟
هذه كلها أسئلة تراود المواطن. الأهم هي الأجوبة. فهي التي تبقى وتقرّر مسار التاريخ لفترة من الزمن. الواقع أن كلا المصطلحين، مصطلح الموالاة كما مصطلح المعارضة، سقط في سلة مهملات التاريخ. المعركة لم تكن معركتهما، وإنما كانت معركة جبابرة على الساحة الإقليمية الدولية. كانت عملية منازلة بين القوة العظمى أميركا ومعها الدولة الكبرى فرنسا والى جانبهما الشرعية الدولية متمثلة بالأمم المتحدة، في جانب، وسوريا في الجانب الآخر. والموضوع لم يكن في حقيقة الأمر لبنان في حريته وسيادته، بل كان المقصود على ما يبدو حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في دمشق، وكذلك أزمة أميركا في العراق. انتهت المنازلة بانتصار الفريق الأول دولياً، أقله حتى إشعار آخر. أما الحصيلة على لبنان فمعركة يسعى فيها فريق إلى ترجمتها انتصاراً له في استحقاق انتخابي وشيك، في حين يسعى الفريق الآخر إلى توظيفها في إبعاد كأس الهزيمة عن فمه. وقد نجح في ذلك إلى حد ما، من حيث يقصد أو لا يقصد، إذ أسفرت عملية المشاورات عن تسمية واحد من صفوف هذا الفريق لرئاسة الحكومة العتيدة.
كيف كان ذلك. الجواب ببساطة: هكذا هو لبنان. ما كان فيه يوماً غالب ومغلوب. ولن يكون، ولو اجتمعت عليه قوى العالم أجمع. نقول للمراقبين والمحللين الدوليين: لا تتعبوا أنفسكم.
فالجواب ببساطة: هكذا هو لبنان. فلنسمه منطق «كليلة ودمنة».
يُروى أن عقرباً طلب إلى ضفدعة أن تنقله على ظهرها من ضفة للنهر إلى ضفة أخرى. فقالت الضفدعة للعقرب: «وهل أنا مجنونة لأضعك على ظهري فتلدغني بسمك؟» فأجاب العقرب: «هل أنا مجنون فألدغك بسمي وسط النهر وأنا لا أحسن السباحة؟ فما سيحل بي عند ذاك»؟ اقتنعت الضفدعة بالمنطق المفحم فأركبته على ظهرها وسرت به وسط النهر. وفي منتصف الطريق لدغ العقرب مطيته. فبادرته الضفدعة مذهولة بالسؤال: «كيف تقدم على قتلي وأنت وسط النهر ولا تحسن السباحة؟». لا جواب منطقياً: هكذا هو لبنان، لا بل هكذا هو الشرق الأوسط.
هذا عن المعارضة والموالاة. أما عن القوة الثالثة ففتش عنها بين نار غاب يشتعل ونهر فياض يجتازه. وعلى شاطئ النهر عقرب وضفدعة. قصتهما غير ذات موضوع.
هكذا هو لبنان. يا حبذا لو كان الجواب بهذه البساطة.
أمام الرئيس المكلف لعبة القفز فوق الحواجز، وهي ليست باللعبة الهينة. الحاجز الأول هو تأليف الحكومة، والثاني هو قانون الانتخاب، والثالث هو التحقيق في الجريمة المنكرة التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري، والرابع هو إجراء انتخابات عادلة ونزيهة تحت أنظار العالم الشاخصة إليه.
عملية تأليف الحكومة يجب أن تعبر مطبات المطالب والمطالب المقابلة. في أحسن الاحتمالات يمكن أن تتجاوز العملية هذا القطوع فيما إذا وُفق الرئيس المكلف بتأليف حكومة من غير المرشحين، لا بل من غير السياسيين، مستبعداً كل الأطراف. وهذا ما نتمناه له. ولكن كيف يكون الرد على جبهات سياسية نافذة أعربت عن رغبتها في دخول جنة الحكم؟
أما قانون الانتخاب فقدر الحكومة في شأنه أن تبدأ عهدها بين فكين: فك المطالبين بالقضاء دائرة انتخابية وفك المطالبين بالمحافظة. وينتظر الحكومة فك ثالث، إن صح التعبير، بمقولة أن لا حل وسطاً بين الاثنين. فإما ذكر أو أنثى، وبين الاثنين مخنث، وهو ما لا يريده أحد من ذوي النهى لنفسه.
وأما التحقيق في الجريمة النكراء فالكل يتمنى أن تتمكن اللجنة الدولية من الفصل فيه سريعاً بتحديد المسؤولين عنها تنفيذاً وتخطيطاً وتحريضاً وتواطؤاً وليكن هؤلاء من يكونون. ولكن ماذا لو ثبت أن المسؤول جهاز تابع لدولة كبرى أو لإسرائيل مع اختراق ما لأجهزة استخبارات محلية أو عربية؟ أخشى ما نخشاه أن تعلن عند ذاك الاختراقات ولا تعلن المسؤوليات الحقيقية. فهل سيرضى اللبنانيون بهذه النتيجة؟ بالطبع كلا.
وأما الانتخابات النيابية، فيقال إنها ستُجرى تحت إشراف دولي. لا نتصور أن ترضى الحكومة بأن يكون هذا الإشراف بقرار من الأمم المتحدة أو أي مرجع دولي رسمي. كان لي لقاء مع الموفد الأميركي الخاص السيد دايفيد ساترفيلد خلال زيارته الأخيرة للبنان، فسألته عما يقصد بالحديث عن رقابة دولية. فقال إن المقصود مراقبة منظمات دولية غير حكومية تُعنى بقضايا الحرية وحقوق الإنسان. فقلت له إن هذا ما يجب أن يرحب به لبنان لا بل يحرض عليه. فلبنان أساساً بلد الحريات، وليس من عين إعلامية محجوبة عنه، فهو يفتح ذراعيه لكل المنظمات الدولية كما يفتحهما لكل وسائل الإعلام. هذا ما نسميه مواكبة ولا نسميه مراقبة، وهو مرحب به. بهذا المعنى حتى الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وسائر دول العالم التي تحترم الحريات العامة خاضعة للإشراف الدولي. فلم لا يكون لبنان في عدادها؟ ولكن الامتحان يبقى في السؤال: هل سنفوز بشهادة حسن سلوك دولية في بلد يلعب فيه المال السياسي دوراً حاسماً في الانتخابات النيابية حيث كثيراً ما يكون للصوت ثمن، وحيث الهيمنة الإعلامية معقودة لمن يمتلك الإمكانات المالية، وحيث سائر متطلبات المعركة الانتخابية من تنظيم وتعبئة ووسائل نقل تستوجب من الإمكانات المادية ما لا يدع متسعاً لتكافؤ الفرص بين المرشحين على الوجه الأمثل.
إننا نتمنى للحكومة العتيدة النجاح في القفز فوق كل هذه الحواجز بسلام. |