|
في سابقة قد يراها البعض غريبة بعض الشيء خصوصا في ظل واقع دولي من أهم سماته ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين ، و في ظل ما تعانية المنطقة العربية و الشرق الأوسط ككل من محاولات لمزيد من فرض الهيمنة و بسط النفوذ بوسائل وطرق متعددة ، أعلن الرئيس السوداني عمر البشير بتاريخ 2 / 4 / 2005 م و باءسلوب غير معتاد و غير مألوف عن رفضه التعاطي مع قرار مجلس الأمن رقم 1593 القاضي بمحاكمة سودانيين متهمين بارتكاب جرائم قتل في إقليم دار فور – الواقع غرب السودان – خارج السودان و جاء رد البشير على القرار : " اقسم بالله العظيم ... اقسم بالله العظيم ... اقسم بالله العظيم لن يحاكم أي مواطن سوداني خارج السودان . " .
من المتعارف عليه و المألوف عند تعبير الدول علنيا عن موقفها تجاه القرارات التي تصدر عن المنظمة الدولية هو أن يخرج المتحدث باء سم الحكومة أو رئاسة الدولة للصحفيين و لوسائل الإعلام المختلفة معلنا رفضه أو قبوله للقرار المتخذ بحق بلاده ، إلا أن الرئيس السوداني عمر البشير وخلال اجتماعه بأعضاء الحزب الحاكم أعلن عن موقف بلاده الرافض مشفوعا بالقسم ثلاث مرات ، و الرئيس السوداني في موقفه هذا لم يعلن رفضه لمبدأ محاكمة متهمين بارتكاب جرائم في دار فور ، و إنما رفض أن يتم ذلك خارج السودان لاعتباره شانا داخليا سودانيا ، إضافة لرفضه مبدأ اتخاذ قرار من هذا النوع بحق السودانيين بينما آخرون يرفضون التوقيع بالموافقة علي خضوع مواطنيهم أمام المحكمة الجنائية الدولية و المقصود هنا الولايات المتحدة الأمريكية التي تدرك بان سياستها الخارجية الظالمة أراقت دماء كثيرة و خير شاهد على ذلك إعدام ذلك الجريح العراقي في أحد مساجد مدينة الفلوجة العراقية على يد أحد الجنود الأمريكيين و هو ما لا يستطيع نفيه احد حتى أولئك الذين يتحدثون عن العدالة و الحرية و المساواة .
يدرك البشير وهو يقسم أمام وسائل الإعلام المختلفة ما لهذا القسم من قدسية، فهو يقسم و يسمعه و يشهد عليه شعبه و الشعوب العربية و الإسلامية وغيرها من شعوب العالم، و هو يدرك من خلال قسمه بأنه لا عودة عن موقف اتخذه بهذه الصرامة تجاه قرار دولي ربما يؤدي لمزيد من الإجراءات ضد السودان من قبيل العقوبات الاقتصادية ... على بلد أنهكته الحرب في جنوبه.
إن الطريقة التي عبر بها البشير عن رفضه لقرار مجلس الأمن إنما تجسد حالة الظلم التي تهيمن على المنظمة الدولية ، و تعبر بدون أدنى شك على أن الأمم المتحدة هي الأداة التي يستخدمها الأقوياء لشر عنة هيمنتهم و مواقفهم غير العادلة تجاه الدول الضعيفة ، وتعبر عن منظمة دولية ضعيفة إلى أقصى درجات الضعف أمام ما يتعلق بدول كالولايات المتحدة الأمريكية ، قوية بل و متجبرة و صارمة إلى أقصى حد في اتخاذ و تنفيذ قرارات تتعلق بدول كالسودان و المنطقة العربية برمتها ، فالمنظمة الدولية عجزت و لم تجرؤ على مجرد تشكيل لجنة تقصى حقائق دولية للتحقيق في المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين في مخيم جنين على يد جنود الاحتلال الإسرائيلي .
قد ينظر البعض للموقف الرافض و المتحدى من قبل السودان تجاه قرار مجلس الأمن بشيء من عدم الاكتراث و التهاون وربما الاستخفاف على اعتبار انه موقف متخذ من فبل دولة لا تمتلك قدرات اقتصادية أو عسكرية متطورة ، و ربما يرى البعض بان السودان لن يصمد على موقفه الرافض بعد أن تزداد الضغوطات الدولية عليه لتنفيذ القرار ، إلا أنني اعتقد بان هذا الموقف الجريء الذي اتخذه السودان ممثلا برئيسه عمر البشير ربما يشكل نقطة تحول على المدى البعيد إذا ما استمرت المنظمة الدولية في سياستها المنحازة للدول القوية و إذا ما قامت الدول المستهدفة كسوريا و دولا عربية أخرى آتها الدور لا محالة من تشكيل جبهة رفض قوية و صلبة تجاه ما يخطط لها من مكائد عبر القرارات التي تصدر عن المنظمة الدولية .
إن اتخاذ مجلس الأمن لقرار محاكمة سودانيين خارج السودان يعكس عقم و فشل التجربة العربية في الاعتماد على دول يعتقد بأنها ستتخذ موقفا معارضا لقرارات تصدر ضد العرب لاعتبارات المصالح، فالصين التي تربطها علاقات اقتصادية مع السودان لن تغامر بعلاقاتها و مصالحها مع أوروبا ، و هي تسعى لتوثيق العلاقة أكثر مع الاتحاد الأوروبي و هذا يقتضي عدم استخدامها لحق النقض في سبيل إرضاء فرنسا التي سعت و عملت من اجل تمرير القرار .
لا يمكن لعاقل أن يغض الطرف عن جريمة قتل ترتكب بحق مدنيين أبرياء، و يفهم من تصريح البشير بأنه لا يعارض مبدأ معاقبة و محاسبة من قتل مدنيا لكن داخل السودان، و أمام ذلك القرار... ، و أمام موقف السودان منه فاءن الأيام تحمل الكثير من المصاعب للسودان و أهله، و هنا و من اجل مصلحة البلاد العليا فعلى القوى السياسية السودانية أن تعمل من اجل تعزيز الجبهة الداخلية و تقويتها على قاعدة مواجهة المخططات التي تستهدف أمن و استقرار و سيادة السودان. |