|
لأننا لا نجرؤ على الفعل، وتعودنا أن ننتظر أفعالاً تأتينا جاهزة ومحبوكة ومدروسة من الآخرين، فإننا حقّاً أتقنّا الدوران في دوّامات ردود الفعل، وليتها تكون ردود أفعال موازية وعلى حجم الفعل.! لكنّها لا تتجاوز إغراقنا في كل وقت في متاهات التفسير والتحليل والدراسة، بما يفتح الباب على مصراعيه أمام "الغوّاصين، والقنّاصين" كلّ حسب توجهه وأيدلوجيته ليدير التحاليل بما يتوافق مع رغباته.
وقد لا أستطيع الخروج أنا أيضاً من دهاليز هذه المتاهة إلا بالقدر المحايد الذي آمل أن أسلكه من خلال العنوان الذي اخترته.
لماذا سورية.. وهو أمر بات مكشوفاً عن آخره، فسورية رغم الضغوط غير العادية التي تحاصرها من كل جانب ما زالت تمثّل الصخرة الباقية الحاملة لكرامة الأمّة العربية، وآخر الحصون المبقية على ماء الوجه، وما زالت في كل وقت تعلن حرصها وتمسكها بالحدّ الأدنى من ثوابت الأمّة، وهذا القليل بطبيعة الحال لن يُرضي طموحات القطب الأوحد الساعي إلى طمس هوية الشعوب وإلحاقها صاغرة في ركب خدمة المجتمع المثالي الديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا أجد مناسبة لدخول متاهة تفسير الممارسة الفعليّة للديموقراطية الأمريكية المفصّلة على قد مصالحها دون الالتفات إلى المفهوم الأمثل للديموقراطية المؤطِّرة لكل الشعوب من منطلق إنساني بحت.
ولأن سورية بسلوكها هذا تقف عثرة في وجه المدّ الأمريكي والصهيوني، ورغم أن سورية تفاوض، وتحاول وصل الجسور، وماضية في تنفيذ إصلاحات، وقمع فساد، وترتيب اقتصاد، بما يتوافق مع المصلحة العليا للوطن، ومن خلال خصوصية إقليمية وقومية وتراثية وتاريخية، فإن هذا لن ينقذها من المساءلة، والتلويح اليومي بتوقيع العقاب.
تنهال التهمات ـ وأعني بها الأفعال التي تدخلنا في دوائرها الآتية من الخارج ـ تباعاً، والاتهامات جاهزة ومفصّلة.. العداء للسامية مثلاً، احتضانها لقيادات ومكاتب الإرهابيين الفلسطينيين، الفساد، الديكتاتورية، تأييد وتسليح وتدريب وتصدير المقاومين إلى العراق، تسليح وحماية وتمويل حزب الله، احتلال لبنان، المسعى للتسلح وهذا يهدد أمن (إسرائيل).. وليس آخرها اغتيال رفيق الحريري..!
ويجب أن لا نلغي دور المجتمع الدولي، والرأي العام الذي ما زال يحمل شيئاً من إنسانية تفرض عليه أن يقتنع - ولو من باب الظهور الحضاري، والسلوك الإنساني - بسبب ما يدعو لممارسة عقوبات اقتصادية أو عسكرية، أو لغزو شامل لهذه الدولة أو تلك، الحاجة ملحّة لبيان سبب صارخ كالذي حدث في 11 أيلول 2000 يبرر كما برّر للولايات المتحدة أن تخرج على العالم برايات الغضب والثأر، وتحت أيّ حجّة للقضاء على "القاعدة" وأسامة بن لادن المتحصّن في أفغانستان، أو من الخطر المتوقّع من امتلاك العراق أسلحة دمار، وتغزو بضراوة وتدمّر وتحتلّ أفغانستان ثم العراق. فلا تقبض على أسامة، ولا تجد أسلحة دمار....!
أما على طريق تأديب سورية.! فالأسباب لا تعدو مصلحة صارخة تصبّ في جداول أمريكا و(إسرائيل) وهي في ساحات الحوار وإصدار قرارات لا تنفّذ، والتلويح بفرض عقوبات ليست كافية أمام المجتمع الدولي لفعل العقاب المنشود أمريكياً (وإسرائيلياً) على سورية بصورة مباشرة، أي بإعلان حرب واحتلال، ولهذا يجب أن يحدث فعل جلل يبرر ما سيأتي. والحلّ الممكن لفكّ عقدة هذا الطلسم هو خلق فرصة مشابهة إلى حدّ مقبول لما حدث بـ 11 أيلول.. وبعد البحث عن أسهل وأسخن الطرق.. برزت مسألة لبنان..! وبالتحديد من خلال ركوب موجة المعارضة في لبنان.
المعارضة بحدّ ذاتها فعل صحيّ، ومسألة وجودها في كل مجتمع ركن أساسي من أركان الديموقراطية، ولا أعتقد بأن أحداً يعترض على وجود معارضة تراقب وتصحح وتكشف الأخطاء وتساهم في بناء بلدها ومجتمعها.. وهي ما تسمى أو من المفترض أن تكون مساهمة بفاعلية بدور هام في سلوك الدولة الدرب الصحيح. وهكذا كان لبنان في كل الأوقات، وقد تقدّم عن كثير دول بحرصه على وجود معارضة فاعلة في كل وقت، كانت إلى جانب كل الحكومات المتعاقبة على لبنان.
ومن الطبيعي أيضاً أن ينحاز أي رئيس حاكم بعد نزوله عن كرسي السلطة إلى جانب المعارضة، ولكن ذلك الانحياز الباني وليس المدمّر.
والبحث ما يزال جارياً لخلق حدث جلل.
وقد التقت المصالح بشكل باهر بين الولايات المتحدة وتوجهاتها وبين الصهاينة وتوجهاتهم وطموحاتهم.
فوجود سورية في لبنان حماية للبنان من تكرار الغزو الصهيوني لها. أو تدويلها، أو تفتيتها إلى دويلات عنصرية ومذهبية قد ترضي غرور وأطماع المتخلّين عن انتمائهم للأمّة، الراكبين بصلف مركب معارضة مشبوهة. ووجود القوات السورية أيضاً حماية لسورية من كشف جناحها وضربها وكسر شوكة صمودها، وتقسيمها إلى دويلات طائفية كما هو مخطط لها منذ عشرات السنين.
ونحن في هذا المخاض لا بد أن نسترجع دور الشهيد رفيق الحريري وسط ذلك كله، فهو شخصية استثنائية في حياة لبنان، وهو اسم لا ينفصل بحال عن اسم لبنان، وهو الأكثر حرصاً على لحمة التيارات المتعددة في لبنان، السياسية والطائفية والعرقية، وهو عرّاب اتفاق الطائف الذي ساهم إلى جانب دخول القوات السورية بناء على طلب الحكومة اللبنانية وقتها في وقف نزيف الحرب الأهلية، وخروج القوات (الإسرائيلية) من بيروت إبان غزوها في العام 1982، وكان رحمه الله رئيساً لحكومة لبنان يوم انهزمت القوات الصهيونية وخرجت صاغرة من الجنوب اللبناني، وهو الذي دعم الاقتصاد اللبناني، وهو الذي أسس وبنى للبنان علاقات طيبة مع دول الجوار والعالم، وهو الذي قاد مسيرة إعادة بناء لبنان، وإرساء الأمن والاستقرار في بلده مما ساهم بفاعلية في تنشيط تجارة السياحة على حساب ميزان السياحة في (إسرائيل).! وهو الذي طالب ويطالب بانسحاب (إسرائيل) من أراضي شبعا المحتلّة، وهو الذي يعلن في كل مناسبة مشروعية المقاومة. وهو الذي كان يعمل بإخلاص لتقريب وجهات النظر بين الحكومة والمعارضة والحكومة السورية بما يُبقي على الوفاق الوطني اللبناني، وعلى اللحمة الوطنية. ولو واصلنا البحث والتنقيب لوجدنا أن الشهيد رفيق الحريري هو من أهم الشخصيات اللبنانية، ومن أقربهم إلى قلوب الناس، ولذلك كان الهدف.
لقد قرأنا في بحوث علم الجريمة أن نبحث دائماً عن المستفيد.؟ فلماذا لا ندخل في تفاصيل هذا العلم بعيداً عن التسطّح والعاطفة وسماع البكاء المزيّف، والشعارات الصاخبة.؟
التقت المصالح بين كل الفئات المعادية للمنطقة بالكامل لتنفيذ طموحاتها، فباغتيال الحريري، ولأنه محسوب على المعارضة المشروعة تتقوّى حجّة المعارضة، وتعلو أصوات المشبوهين في المعارضة بالسباب والشتائم، وتصبح الطريق ممهّدة أمام الرموز المشبوهين فيها لقطف ثمار وعود جاءتهم على أطباق من ذهب. وللصراخ علناً وبألفاظ سوقية في معرض تسويق التهم وأصابع الاتهام إلى جهة واحدة دون حجّة ودون ثبوت، ودون دليل. وهو أيضاً حدث جلل يبرر لأمريكا أن تفعل ما تشاء عقاباً كان أو حرباً أو احتلالا. ويبرر (لإسرائيل) أن تمضي في تنفيذ مخططاتها، وأخذ ثأرها الغالي من الحريري على ذنبين كبيرين اقترفهما بحقها، وهما إخراج (إسرائيل) من جنوب لبنان شريكا مع مقاومة حزب الله، واستقطاب السياحة إلى لبنان مما أثر على الميزان الاقتصادي الصهيوني، إلى جانب ما توقعه المقاومة في فلسطين ودواعي الأمن من أثر في اقتصاد (إسرائيل).
لهذه الأسباب مجتمعة كان الحريري هو الهدف المختار.
ولهذا جاء الفعل رهيباً وعلى درجة عالية من التنظيم، والحرص على التنفيذ الكامل للجريمة بحجم المتفجرات التي كسرت كل قواعد الحماية والحذر والأمن، ومن خلال التنفيذ السريع لما تبع ذلك من تصريحات وبيانات وتضليلات واتهامات، استنفرت لتسويقها كل الجهات التي سينالها نصيب.
من الغباء أن نتصوّر بأن السياسيين والعسكريين والمواطنين في سورية يجهلون كل هذه النتائج التي ستتأتّى من وراء هذا الفعل الفظيع.
ومن الغباء أيضاً أن نتصوّر بأن من يدرك الوصول إلى هذه النتائج يمكن أن يفكر للحظة سلوك هذا الطريق.
لقد قالوا في الأمثال قديماً بأن مجنوناً يلقي حجراً في بئر، يعجز عن إخراجه مائة عاقل.
ويبقى العقل ميزان العاقلين، والمنطق هو الأجدى أن يتبّع، والصبر حتى الوصل إلى نتائج التحقيقات المرجو أن تكون نظيفة وعادلة وحيادية.
يرحم الله الشهيد رفيق الحريري فقد عاش للبنان، وكان الابن البار لوطنه ومجتمعه.
وأفضل تكريم لذكراه أن نحافظ على لبنان. |