|
ليس غريباً أن نسمع بين وقت ووقت عن عملية سطو جديدة علي قيمنا وتراثنا الوطني الفلسطيني العربي من قبل الصهاينة، كان أول ما سطوا علي الأرض مستخدمين دعم القوي العالمية والحجج الواهية الكاذبة بأنهم يملكون هذه المنطقة ولهم فيها التاريخ والجذور الامر الذي نفته إطلاقاً كل الوقائع علي الأرض من بحوث وتنقيب وذاكرة، فكان أن تمـــــدد السطو ليسرقوا تاريخنا وحضارتنا وتراثنا حتي ملابسنا التقليدية وعاداتنا وأغانينا ومواويلنا بعد إجراء بعض التزييف ليتماشي مع أهدافهم في ابتلاع فلسطين.
اليوم تأتينا معلومات وإن لم تكن علي هذه الدرجة من الجدّة إلا أنها تشير بوضوح أكثر الي مفهوم السرقة بتفسيراتها المتعددة لتطال في هذه المرة أدبياتنا وإبداعات مبدعينا ورموزنا.
فجأة تكتشف دار النشر اليهودية عام عوفيد علاقة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط الأدبية الإسرائيلية بين الرواية الأخيرة حمائم في ترافلغار للكاتب الاسرائيلي الشهير سامي ميخائيل، وبين رواية الأديب الفلسطيني الشهيرة أيضاً عائد إلي حيفا التي كتبها غسّان كنفاني وصدرت في العام 1969.. أي قبل رواية ميخائيل بعشرات السنين، وقد حذف عنوان رواية كنفاني من الإعلام الصهيوني بناء علي طلب من سامي ميخائيل كما ورد علي لسان مجرية الحوار مع الكاتب.
من الواضح أن رواية سامي ميخائيل حمائم في ترافلغار تقوم في أساسها علي رواية غسان كنفاني عائد إلي حيفا . حتي في بعض التفاصيل الصغيرة كما أوردتها دار النشر التي أعلنت عن عملية الاقتناص بالصورة والتوثيق، ولكن رواية حمائم وتماشياً مع التوجّه العنصري الإسرائيلي أهملت المعني والهدف الأساسي الذي رمز إليه غسان، ونحتت صوراً أخري غريبة كما يقول سامي ميخائيل في حوار أجرته معه الصحافية داليا كاربل ونشر في صحيفة هآرتس بعد فضيحة سطوه علي أفكار غسّان فيقول:
أحياناً تبدأ في كتابة رواية لمجرد سماعك لحناً بالصدفة أو جملة يقولها شخص لا تعرفه، فتكون هذه هي الطلقة الأولي، واختياري لكنفاني لم أكن أدركه! .
وفي متابعة لمقتطفات من ذلك الحوار أورد بعض ما يفيد موضوعنا:
سؤال ـ وما الذي غيّرته في رواية غسان كنفاني الأصلية؟
جواب ـ روايتي تبدأ من نظرة الأم الفلسطينية، الصراع عند كنفاني صراع رجولي لا يعرف الجانب الأمومي، فهناك رجلان يدخلان في مواجهة في حين أن الأمهات يتصرفن بنوع من البلاهة، ولا توجد في روايته ولو بقية من الحب من جانب الأم تجاه الابن، في حين أنني كتبت روايتي عن الأمومة، والأم في الرواية هي التي تبادر بالاتصال بالابن وترعاه وأمومتها تتفجر لحظة المواجهة بين زوجها والابن الإسرائيلي، هو أراد أن يمحيه من حياته في حين أنها لم تتنازل عنه. لقد انحزت إلي الأم في الرواية لأكثر من أي شخصية أخري .. انتهي.
وقد تفتق ذهن الكاتب سامي ميخائيل في تعريف التضحية التي قامت بها الأم اليهودية التي تبنّت الطفل الفلسطيني في رواية غسّان من خلال هذا الشرح الإشكالي الذي ربما يعطينا الصورة الأوضح لتوجّه الأدب الاسرائيلي برمته فيقول بعد أن تسأله الصحافية لماذا أقحم موضوع الكارثة النازية في روايته:
جواب ـ كنفاني أملي عليّ ذلك، لقد جئت إلي إسرائيل عام 1949 وشاهدت كيف استقبلت الدولة الناجين من الكارثة النازيّة بتعال، فلقد رأوا فيهم مثالاً لما يلزم الصهيونية، وأنا لن أسمح أبداً أن تسيطر الصهيونية علي الكارثة النازيّة التي كانت حدثاً مروّعاً للشعب اليهودي، إن الاتجار الرخيص بالكارثة وهو ما يغذي الكثيرين من الأدباء هو شيء بغيض في نظري، وكما سبق أن قلت أخذت هذا المعطي كحقيقة مسلم بها من كنفاني، والأم التي تقوم بالتبني في روايتي كانت جميلة للغاية وتناوب الجميع علي مضاجعتها رغما عنها في معسكر الاعتقال، ولمحت شقيقتها إلي أنهم جعلوا منها عاقرا حتي لا تحمل، والطفل المُتبني أعطي حياتها مذاقا بعدما لم تستطع العيش بصورة طبيعية..
سؤال ـ أي نوع من الحوار أجريته مع كنفاني في روايتك؟
جواب ـ لم أقم حوارا معه، وأنا لم أدخل في الكتاب إلي المشكلة الكبري والمؤلمة لكلا الشعبين، لم أتبن مواقف كنفاني الذي يري في نفسه المتضرر الوحيد في النزاع .
سؤال ـ كيف أثّرت الانتفاضة علي قرارك الخاص بكتابة حمائم في ترافلغار...؟
جواب ـ الانتفاضة كان لها بالطبع أثرها علي قراري، إن الإسرائيليين والفلسطينيين أصبحوا متشابهين للغاية، لدرجة أن موجــــة العداء للساميّة تطولهم معاً.. والفلسطينيـــــون مثل اليهود فلديهم الحيوية والوعي والتطلّع إلي الأمام، في حين أن العرب في معظمهم نائمون وغير منفتحين للمستجدات، أعتقد في النهاية إذا ما رجحت كفّة العقل من الجانبين فسوف ينشأ هنا اتحاد فيدرالي بين الشعبين وهو نفس المشروع القبرصي اليوتيبي الذي يتبناه زئيف بطل روايتي..
سؤال ـ وهل هذه رؤيتك أيضاً؟
جواب ـ إنني أحلم باتحاد فيدرالي بين الشعبين، المستشفيات تكون مشتركة والفلسطينيون مؤهلون لذلك، فالمسيحيون منهم فاقوا اليهود الشرقيين في إنجازاتهم، ومن الممكن تركيز العمل المصرفي هنا بدلاً من نقله إلي أوروبا، وفيما يتعلق بالعلم لا يهمني في شيء، أي خرقة قماش يعلقونها فليكن هناك علمان وعملة واحدة .. انتهي.
ومن الغريب أن يتجاهل كاتب وأديب مشهور كسامي ميخائيل الذي يوحي بأنه ينادي بالفدرالية المعتدلة والإنسانية والأحقية لتكريس واقع مستجد وغريب وهو يضع السم في الدسم ويطلق لنفسه العنان بتعميق الفجوة بسرد أحداث الكارثة النازية الهولوكست (ليس لنا فيها ناقة ولا بعير لندفع نحن الثمن بفعل المُحدث علي الأرض من خلال العنف والسطو والكراهية).! أن يتجاهل ذلك الأديب الألمعي مجرد الإشارة إلي تلك العلاقة بين الروايتين لتخرج علينا دار عام عوفيد للنشر بهذه المعلومة لتؤكد نظرية السطو التي تطال كل ما في حيواتنا من أشياء جميلة.
وسامي ميخائيل أديب اسرائيلي من اصل عراقي، من مواليد 1926 ولد بإحدي ضواحي العاصمة العراقية بغداد، شيوعي هاجر إلي إسرائيل عام 1949 وأقام في ضاحية وادي النسناس في مدينة حيفا وتخرّج من جامعتها قسم علم النفس والأدب العربي، أصدر العديد من الروايات نشرت أولاها في عام 1974وحصد الكثير من الجوائز العالمية، وهو المرشح حالياً إلي جائزة نوبل.
وكل ما جاء تبريراً وحفظاً لماء الوجه هو ذلك الإعلان في صحيفة هآرتس عندما قال سامي ميخائيل إنه خلال المقابلة التي أجرتها معه الصحافية داليا كاربل بادر بالإشارة إلي العلاقة بين روايته الجديدة حمائم في ترافلغار وبين رواية غسان كنفاني عائد إلي حيفا لكن الصحافية الإسرائيلية جعلت من المعلومة التي أبلغها بها بخصوص العلاقة بين الروايتين علي ما يبدو اكتشافاً لها، وأضاف ميخائيل أنه في كل المنابر الأدبية التي ظهر بها كان يشير إلي هذه العلاقة، وعندما أبلغت الصحافية دار النشر بهذه العلاقة عثر ويا للمصادفة الغريبة علي نص حديث كان قد أجراه مع الملحق الأدبي لصحيفة يدعوت أحرونوت في شهر نيسان (إبريل) قبل عامين جاء فيه علي لسانه أنا الآن في المراحل النهائية من كتابة رواية جديدة ستكون بمثابة تكملة لرواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، وأنا أقفز في هذه الرواية عشرين عاماً إلي الأمام لذلك فإن أي ادعاء من جانب السيدة كاربل بخصوص إخفاء العلاقة يضرّ باسمي ولا يوجد له أي أساس من الصحة .
ولو عدنا إلي ذلك الحوار الذي أجرته معه الصحافية داليا كاربل عندما سألته لماذا لا يرجع الفضل لأصحابه أجاب:
إن كنفاني لم يكتب روايته بصورة جيدة! وأنا لا أحكي قصة كنفاني، ولم يطرأ في ذهني أنه من الواجب الإشارة إليه في كتابي واكتفيت بذكر ذلك في مقابلاتي الصحفية .
أليس من الغريب أن رجلاً معجوناًُ بالسياسة مثل ميخائيل لم يشر في كتابه لا من قريب ولا من بعيد إلي رواية الشهيد الأديب الفلسطيني غسّان كنفاني التي استند إليها وكانت مصدر إلهامه ولا يحمل مخطوط روايته أي إشارة إلي ذلك؟
ولا بد لي من باب الأمانة أن أتوجه بالشكر والتقدير إلي الأستاذ حسين سراج نائب رئيس تحرير مجلة أكتوبر المصرية والباحث في الشؤون الإسرائيلية الذي أفرد صفحات لهذا الموضوع في مجلة أكتوبر العدد 1493 تاريخ 4/6/2005 تحت عنوان عندما يقع الأديب الإسرائيلي تحت تأثير كاتب فلسطيني وليعذرني صديقي الأستاذ حسين فقد كنت أتمني منه أن يتوخي الدقة عندما عرج بالقليل بالتعريف عن سيرة الشهيد غسان كنفاني وأجد من واجبي أن أصحح بعض ما ورد في مقالته من معلومات فقد جاء بأن غسان دفع حياته ثمناً لعضويته في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، دون التنويه بأن غسان دفع حياته ثمناً لأنه لامس العمق الإنساني الذي شرد وتسبب في معاناة الشعب الفلسطيني والذي فرض بالتالي الفعل المقاوم المشروع للهجمة الصهيونية العنصرية الماحقة! وكان فلسطينياً وإنساناً وممثلاً عالمياً لضمير ووجع الفلسطينيين وقلماً عرّي فأوجع..
وقال بأن غسان ظهر في الصور التي نشرتها الصحافة اللبنانية مع المشاركين في العملية الفدائية التي نفذها الجيش الأحمر بمطار اللد في شهر ايار (مايو) 1972 وهذا أيضاً ليس حقيقياً وإنما مستقي مما ادعته في حينه ماكينة الإعلام الصهيونية وليس الإعلام اللبناني لتبرير عملية الاغتيال لأن غسّان كان أديباً وكاتباً وصحافياً ولم يكن مقاتلاً بالبندقية ولا مشاركاً في أي عملية فدائية اللهم إذا كان العمل الصحفي الصادق والأدبي الإبداعي المقاوم عملاً قتالياً موجعاً جاء بسببه قرار تصفيته جسدياً.
كما أن الصبية التي استشهدت معه كانت لميس نجم ذات الـ 17 ربيعاً وهي ابنة أخت الشهيد غسان وليست ابنة أخت د. جورج حبش.
ولم يحدث أبداً أن اقترحت السيدة آني أرملة الشهيد غسان كنفاني بأن يقوم أديب إسرائيلي وأديب فلسطيني بكتابة سيناريو يستكملان به رواية عائد إلي حيفا ، بل هو ادّعاء باطل ليس له أي أساس من الصحّة.
إن هذه الأخبار التي تصلنا تباعاً، وغالباً عن طريق الصدفة أو من أصل خلافات تجري هناك بين الصهاينة أنفسهم عن ســـرقة أدبية كانت أو تاريخية أو تراثية أو فنيّة تخصّنا لتصب في مصلحة العدو بكل الأبعاد والمفاهيم تفرض علي مؤسساتنا الثقافية والإعلامية الرسمية والخاصّة، وعلي الأدباء والباحثين والمترجمين الحذر الدائم والعمل علي ترجمة أي نتاج أدبي لنكون علي مستوي الحدث والقدرة علي التصدي وتبيان الحقائق.
|