|
منذ اللحظة التي أعلنت فيها وفاة القائد الراحل ياسر عرفات، والتي سبقتها وهو مسجى في ثلاجة مستشفى في ضاحية من ضواحي فرنسا بعيداً عن عيون المتابعين حكاية تقاسم ميراث الرجل المنصبي والمادي، ومساومة الست سها، والسكوت على جريمة اغتياله مسموماً، والاتفاق على طيّ صفحة التحقيق في أسباب جريمة اغتياله، والكل من القريبين والبعيدين، والمعنيين والمنتفعين، والطامعين بكرسي ومنصب، والمحافظين على راحة كراسيهم، يحاولون بضراوة أن يصوّروا للعالم بأن السلام بات على مقربة من الأصابع، وأن الرفاهية آتية على أجنحة طيور العم السام وشارون، وبأن الرخاء يا قوم صار على عتبات بيوتنا، وأن الانتخابات القادمة ستأتي لنا بالمن والسلوى، وبأن الراحل ياسر عرفات كان يقف في وجه الانتصارات كلّها وفي وجه السلام، وأن الآتين المحمولين على أمنيات ساداتهم سيصححون المسيرة، ويخلصوا الشعب البائس من براثن ديكتاتورية الزعيم.
حتى أنني سمعت بأن عوائل كثيرة فقدت بيوتها وأراضيها ومعيليها بدأت تحزم أمتعتها على أهبة العودة إلى ظلال الوطن تحت رايات النصر "والتخلي عن عسكرة الانتفاضة" التي كان المرحوم يمنعها عنا.
وسمعت بأن الكثيرين من السادة والأولياء أطلقوا الوعود والعهود بأن الثراء سيكون بالقنطار، والسلام على قفا من يشيل..
ووسط ذلك كله كنت لا أملك غير الصمت والانتظار.
وهذا لم يمنع السيد بوش من أن يلقي فخاخه الكلامية بالتلويح بأن دولة فلسطين ستولد، وهي في مخاضها الأخير، وطبعاً لم يقل لنا أحد على أي نقطة ستكون هذه الدولة.. وأين.. وكيف.!
المهم يا سادة ونحن كما العادة طيبون.. نصدق الوعود والعهود، أو نتذاكى في أننا نصدق، ونسرح في الحلم حتى أقصاه، ونطبّل له ونزمّر ترديداً على قاعدة الولاء والطاعة لأولياء الأمور منا.
وهذا كله بطبيعة الحال إشارة برّاقة وساحرة، وحقنة مخدّرة لذيذة تغرقنا في سراب الحلم إلى أبعد الحدود. وهي على فكرة ليست المرة الأولى، فقد اكتوينا واكتوى منها الشريف حسين والأمير فيصل طيب الله ذكرهما عندما عاونوا الفرنجة على الدولة العثمانية ثم لم يحصّلوا من أكوام العهود والوعود غير الخوازيق..!
وبعدهما ... يا أخي القائمة طويلة.. كمشروع السيدان سايكس وبيكو، ومشروع كولونيل وأيزنهاور ودالاس.. وتحرير العراق من العراقيين.. ووو..... اعذروني فلو بدأت لن أنتهي..
المهم أعود إلى موضوع التصديق، بل وأكثر فنحن نحترف وضع مقولات جميلة على ألسنة من لا يقولون كي نغرق بالأحلام أكثر. ونصدّق بأننا نصدّق.
والمصيبة أننا نصحو "متفاجئيين" في كل مرة على مرارة الواقع، ولا نلبث أن نجد المبررات..
ولكن في هذه المرة جاءتنا الصحوة على لسان شارون في خطابه العلني أمس.
فقد أعلن البلدوزر بإصرار وبوضوح، وكأنه يبعث برسالة جليّة واضحة صريحة وحاسمة إلى من يتقوّلون عليه ليعلن لاءاته الشهيرة.
لا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
لا لتقسيم القدس وستبقى عاصمة دولة (إسرائيل) الأبدية.
لا للعودة إلى حدود حزيران 1967.
لا للمفاوضات غير المشروطة.
لا لإزالة الجدار العازل..
وأخيراً وعد برّاق صدقوني أننا سنتمسك به "ونترك اللاءات كلها" في أن العام القابل سيشهد انفراجاً..! ونعم للانسحاب من غزّة.. وهذا الانسحاب يا سادتي ليس منحة أو منّة، بل هو قسرياً وإعادة انتشار بفعل الضربات الموجعة التي تسددها انتفاضة شعب فلسطين للكيان الغازي..
وماذا بقي للقضية بعد هذا كلّه...؟ دلوني من أسأل..؟ ومن سيحقننا من جديد بجرعة مخدّرة أكبر.؟
وأنا أراوح بين هذا وذاك، وبين عهود ولاتنا وتصريحات عدونا، بين عنجهية الغازي ووهن المقيم، بين من يملك الحق إرثاً ومن يتسلّط عليه بالقوة، تذكرّت حكاية كانت ترويها لنا جدتي رحمها الله.
قالت: يحكى أن دبّاً ضخماً كان يعيش في غابة بعيدة وكان سيداً عليها بقوته ووحشيته، ولا يجرؤ أحد من حيوانات الغابة الاقتراب من مغارته التي يختزن فيها كميات كبيرة من العسل الشهي، وكان أن اكتشف ثعلب صغير كنز الدب، وراودته نفسه الاستيلاء عليه، وهو بطبيعة الحال لا يملك القوة لمجرد الاقتراب من موطن الدب، لكنه أمام شهوته العارمة تفتق ذهنه عن حيلة سرعان ما بدأ في تنفيذها، فقد أتى للدب متظاهراً بالذلّة والمسكنة، وقال له وهو ينحني بين يديه: يا سيدي العظيم بينما كنت أتجول حول البحيرة في الجانب الغربي من الغابة وجدت أسراباً من النمل تسعى إلى شجرة عظيمة زرافات ووحدانا، وقد أدهشني سعيها إلى تلك الشجرة، ودفعني حب الاستطلاع لأتبيّن الأمر.. وجدت يا سيدي مخزناً هائلاً مليئاً بالعسل في جوف شجرة معمّرة، فآثرت أن أخبرك كي أنال رضاك.
سرّ الدب سروراً بالغاً وانطلق إلى ركن الغابة الغربي يبحث ويبحث عن شجرة العسل إلى أن أعياه البحث ولم يجد شيئاً، عاد غاضباً إلى الثعلب ليعاقبه على كذبه، لكن الثعلب قال له: يا سيدي دعني أستطلع لك الأمر، وسرعان ما عاد إلى الدب وقال له: يا سيدي لقد رأيت شيئاً عجباً، فقد حملت أسراب النمل العسل كلّه إلى وسط البحيرة وخبؤوه هناك.!
ولو ذهبت إلى هناك ستحصل على مبتغاك، فانطلق الدب والثعلب إلى شاطئ البحيرة، وعندما نزل الدب إلى الماء قال له الثعلب: اربط وسطك بحبل وأنا أمسك بالحبل عن الشاطئ وأنت تدخل البحيرة وتصل إلى مكان العسل تستولي عليه وتعود وأنا سأمسك بالحبل حتى لا تغرق.
فرح الدب فرحاً شديداً وباشرا في تنفيذ الخطة، وما أن دخل الدب البحيرة وهو لا يحسن السباحة ووصل إلى عمق مناسب وكادت قدمه تزلّ، شد الحبل مصدقاً بأن الثعلب سينقذه، ولكن هيهات.. وقبل أن يلفظ الدب أنفاسه الأخيرة جاءه صوت الثعلب يعده بأن سيعود إليه صباح اليوم التالي لينقذه.
المفارقة هي في أن الثعلب صار سيد الغابة، واحتل مغارة الدب واستولى على مخزون العسل، بينما الدب الغبيّ ما زال يصدق حتى آخر خفقات روحه بأن الثعلب سيأتيه وينقذه.
رحم الله جدتي، فقد كانت في كل مرة تحكي لنا هذه الحكاية تختمها بجملة حفظتها عن ظهر قلب وهي تردد ضاحكة..
(جدي لعب بعقل تيس.)
مرحى لك يا شارون فقد أوصلتنا إلى أعماق المهانة ونحن ما زلنا نصدق.. ونصدّق ونصدّق.. |