|

لا يمكن فهم الانتفاضة الفلسطينية، إلا باعتبارها أحد أبرز أشكال الفعل النضالي الجماهيري الشعبي، وذلك على الرغم من استخدامها أكثر الوسائل بدائية (الحجر) في ذات الوقت الذي تطمح فيه للتعبير عن أكثر القضايا تعقيداً في حياة الشعب والأمة (مفهوم الصراع العربي الصهيوني) والشروع في تولي مهمات الحسم فيه، حتى وإن كان ذلك الحسم جزئياً أو مرحلياً..
والانتفاضة هي ذاك الفعل الذي يعتمد على تولي المبادرة والمبادأة الفلسطينية، الجماهيرية الشعبية العامة، في ذات الوقت الذي يتسم بالتردد والقلق العربي.. لتكون (أي الانتفاضة) نشاز الحاضر في وقت الكلام والتصريحات واستراتيجيات السلام.. وبمقدار ما تكون الانتفاضة كفعل وسياق، بدائية، وسهلة، وواضحة.. بمقدار ما تتسم مجمل المواقف المرافقة لها بالارتباك والغموض والقلق، إن لم نقل بالتعقيد والأسئلة القلقة..
في هذه الدراسة نطمح لقراءة جوانب من تجربة السينما الفلسطينية في مواكبتها لفعل نضالي شعبي متميز، وتجربة كفاحية استثنائية، تلك التي تنضوي تحت عنوان كبير هو الانتفاضة.. واستكشاف ما أرادت السينما (أو تمكنت من) قوله بصددها..
البدايات:
منذ مطالع السبعينات، كان لا بد للسينما الفلسطينية أن تهتم بالانتفاضات الجماهيرية الشعبية الفلسطينية، كموضوع كفاحي نضالي، خاصة وأن هذه السينما (أي السينما الفلسطينية) منذ نشوئها المرافق للثورة الفلسطينية، والذي دشنه إنجاز فيلم "لا للحل السلمي" لمصطفى أبو علي عام 1968، اعتنت برصد الأحداث التي تتالت بتنوعها وتأثيرها وعنفها.. وكان للسينما أن حاولت قراءة هذه الأحداث ودراستها في شروطها التاريخية، في مسعى لتحليلها وتفسيرها ووضعها في سياق الثورة والنضال الفلسطيني الذي بدا صاعداً نحو تحقيق الأهداف التي أعلنتها الثورة بمختلف فصائلها..
ومن الضروري الانتباه، عندها، إلى أن الانتفاضات الفلسطينية التي تتالت منذ مطلع السبعينات، كانت منطلقة بشكل أساس من عوامل موضوعية وذاتية على صلة بواقع الفلسطينيين في أراضيهم المحتلة، وليس بتحريض أو دفع أو تخطيط من منظمة التحرير الفلسطينية، والثورة وفصائلها.. دون أن ننكر بالطبع الدور الهام الذي لعبته هذه المؤسسات في خلق المناخ الثوري بين الفلسطينيين، خاصة في الشتات، وتحويلهم من لاجئين إلى مناضلين وفدائيين.. وهو أمر وإن بدا فاعلاً في الانتفاضات، إلا أن الملفت حقاً والجدير بالانتباه هو أن أقوى الانتفاضات تأثيراً، وأكثرها اتساعاً شعبياً، وأطولها مدة، جاءت في لحظات خيبة الثورة، وتراجعها، وتدني مستوى أدائها، وانحسار شعبيتها..
واتكاء على هذا، سنجد أن السينما الفلسطينية، في البداية، تفاعلت مع الانتفاضات من موقع الثورة، لا من موقع الانتفاضة، ذاتها، بحيث ظهر في هذه الأفلام العناية الفائقة بالتأكيد على أن الثورة الفلسطينية هي مرجعية الانتفاضات، أكثر من الاهتمام بإحالة الانتفاضات إلى مفاعيلها على الأرض.. وبهذا فقد قامت معظم تلك الأفلام بالمزج، إلى حد كبير، بين أهداف الانتفاضات (وبالطبع كان لكل انتفاضة أهدافها الخاصة المرحلية الراهنة) وأهداف الثورة الفلسطينية (التي هي كما يفترض الأهداف الاستراتيجية)..
وربما لم يكن من الممكن للسينمائي العامل في السينما الفلسطينية حينذاك (وهي في الحقيقة سينما الثورة الفلسطينية) أن ينظر لأي مفردة متعلقة بالشأن الفلسطيني، إلا من خلال عين الثورة الفلسطينية، بل بدقة، وصراحة أكثر، من خلال عين الفصيل أو التنظيم الذي يمول الفيلم، فكان يتم منح كل فيلم اللون الأيديولوجي المناسب للممول..
وفضلاً عن الرؤية الذاتية التي انطلقت منها الثورة (عبر سينماها) للحديث عن الانتفاضات وتناولها، فإن الكثير من المعيقات والصعوبات كانت في الطريق إليها، لعل من أبرزها عدم تمكن أي من السينمائيين الذين اشتغلوا في السينما الفلسطينية، من الوصول إلى داخل الأرض المحتلة، حيث تبني الانتفاضات أحداثها (باستثناء انتفاضات التسعينات) وهذا ما جعل الأعمال السينمائية الفلسطينية المصاغة عن الانتفاضات تعتمد على المواد التي قام بتصويرها سينمائيون أجانب، سواء أكانوا من الأصدقاء، الذين شجعت بعضهم الثورة لأداء هذا الفعل، أو من غيرهم، أولئك الذين وجدوا أن مقتضيات عملهم المهني، أو الأيديولوجي، تدفعهم لتصوير تلك الأحداث..
ورغم أن فيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة" لمصطفى أبو علي عام 1973، يعد من أوائل الأفلام التي اعتمدت على المشاهد التي صورها سينمائيون أجانب في الأرض المحتلة، إلا أن موضوعه لم يتصل بالحديث عن انتفاضة شعبية فلسطينية، بل بحديث الكفاح المسلح، والمقاومة الشعبية، والعمليات الفدائية ضد المحتل، وإن أخذ هذا الكفاح صيغة العمل الفدائي ذي البعد والعمق الشعبي، إلا أن الفيلم لم يطرح الانتفاضة كمفهوم وأسلوب نضالي..
وعلى هذا فقد كان فيلم المخرج رفيق حجار "الانتفاضة" المنجز عام 1974، من بدايات حديث السينما الفلسطينية عن الانتفاضات، إذ يتوقف هذا الفيلم عند انتفاضة الفلسطينيين عام 1974 والتي امتدت لمدة عشرة أيام، في الضفة والقطاع، وهي واحدة من الإرهاصات التي شكلت مقدمة حقيقة للانتفاضة التي اندلعت بعد أقل من عامين، وأخذت من يوم الأرض الفلسطيني في 30/3/1976 عنواناً لها..
جاءت انتفاضة الأرض بمثابة ذروة نضالية شعبية فلسطينية، في قلب الأرض المحتلة عام 1948.. وأسست بوضوح لبدايات تجربة الانتفاضة الفلسطينية، ولمفهوم الانتفاضة أصلاً.. وكان أن شاهدنا فصولاً من الانتفاضة في السينما الفلسطينية، في العام 1978 عبر فيلمين: أولهما فيلم "حصار مضاد" للمخرج قيس الزبيدي، الذي يتناول بالوثيقة البصرية، ممارسات المحتل، ويبين المقدمات التي أدت إلى انتفاضة الشعب الفلسطيني، في السبعينات، وأسست للانتفاضات اللاحقة، فيفضح ممارسات المحتل وصلفه، وثبات الفلسطينيين رغم المأساة المحيقة به..
"حصار مضاد" فيلم تسجيلي وثائقي قصير (مدته 20 دقيقة) استطاع الحصول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان أوبرهاوزن 1979، وتبدو أهمية الفيلم في قدرته على توظيف ما توفر بين يديه من لقطات، ومشاهد، وصور فوتوغرافية، ومن تسجيلات لتصريحات عدد من قادة وزعماء الاحتلال.. كما تتبدى جرأة الفيلم في محاولة تقديم خطاب جديد في السينما الفلسطينية، من خلال التركيز على الداخل الفلسطيني، بفعالياته ومقاومته، كما بمعاناته ومكابدته.. رغم أنه لم يفلت من الإحالة المرجعية إلى الخارج.. خاصة وأن من مول الفيلم هما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية..
ويتوقف الفيلم الثاني، الذي حمل عنوان "يوم الأرض" للمخرج غالب شعث عام 1978، وهو من إنتاج مؤسسة صامد، أمام أحداث انتفاضة الأرض الفلسطينية الشعبية، التي هبت في وجه المحتل، ضد سياسة مصادرة الأراضي التي كانت تتم بحجج وذرائع مختلفة، عام 1976، ويقدم الفيلم العديد من الشهادات والحوارات مع فلسطينيين، من مختلف المواقع الفلسطينية ذات الصلة بالأحداث، ليقدم الفيلم نفسه إثر ذلك كوثيقة سينمائية عن واحدة من أبرز نهوضات الفلسطينيين، حتى ذلك الوقت، في وجه المحتل..
وينبغي ذكر أن الفيلم صيغ بمونتاج ومعالجة لكمية كبيرة مما حققه مصورون أجانب، حضروا إلى الأرض المحتلة، وقاموا بتنفيذ التصوير والتسجيل والحوار.. دون وجود سيناريو محدد يعملون على أساسه.. وبعد وصول هذه المواد الخام إلى بيروت، حيث كانت منظمة التحرير الفلسطينية، نشأ تعاون بين كل من غالب شعث وقيس الزبيدي، كان نتيجته هذا الفيلم.. دون أن يستطيع إخفاء التعقيدات التي كانت تواجه السينما الفلسطينية.. هكذا.. يمكننا القول إن الانتفاضات الفلسطينية في عقد السبعينات من القرن العشرين، وجدت أشكالاً من التناول السينمائي الفلسطيني، وإن لم يكن مناسباً أو موازياً لأهمية الحدث، وجدواه، وفاعليته، ولكنه رغم كل ذلك بدا كأنه الممكن المتاح الوحيد، الذي لم تكن تستطيع تلك السينما غيره، بغض النظر عما إذ كان هذا المتاح، مفتوحاً على خيارات أخرى، لم يرها أحد، أو لم يرد أحد رؤيتها.. ولكنها تبدو، في كل حال، بمثابة البدايات في هذا السياق..
التأسيس: شكلت الانتفاضة الكبرى، الثورة الشعبية الفلسطينية، التي انفجرت في أرجاء الوطن الفلسطيني المحتل عند نهاية العام 1987 حافزاً قوياً، دفع وسائل الإعلام، والعاملين فيها، خصوصاً المصورين والصحفيين الأجانب، للحضور إلى الأراضي المحتلة، من أجل تسجيل فعاليات الانتفاضة اليومية، سواء بهدف نقلها عبر وسائل الإعلام، ونشرات الأخبار، كمادة إخبارية إعلامية، أو من أجل صياغة أفلام تلفزيونية، أو سينمائية، تتناول هذا الحدث الكبير، الذي يدرك العالم الآن أنه أعاد للقضية الفلسطينية، وللثورة، والنضال، الألق والتوهّج، والاعتبار العالمي..
ورغم أن انتفاضة 1987، سبقها خلال عقد الثمانينات من القرن العشرين، عدد من الانتفاضات الشعبية، خاصة خلال وإثر اجتياح لبنان، وحصار بيروت، ومجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، وطيلة فترة الثمانينات.. ولكن هذه الانتفاضات لم يكن لها أن تحظى بالاهتمام المناسب، بالموازاة مع الأحداث الكبرى التي شهدتها الثورة، حينذاك، من اصطراعات داخلية، ومن تحولات وتغيرات، أصابت الثورة، إثر ضرب البنية التحتية لها، وطرد قواتها من بيروت، إلى أكثر من منفى جديد، وانشغال السينما الفلسطينية حينها (على تراجعها الكبير) بالاجتياح والحصار ومجزرة صبرا وشاتيلا، والمنعكسات التي تركتها هذه الأحداث..
هذه العوامل جميعها جعلت تناول انتفاضات الثمانينات، في السينما الفلسطينية، يأتي على نحو يشابه إلى حد كبير تناولها لانتفاضات السبعينات، فقد كانت الثورة الفلسطينية، رغم كل ما ألمَّ بها، تنظر إلى نفسها كجوهر ومحور للنضالات الفلسطينية، وعنوان التعبيرات السياسية والكفاحية للفلسطينيين، في الشتات، أو في الوطن المحتل..
بل من الملفت أنه منذ العام 1982، وهو العام الذي شهد الاجتياح والحصار، وحتى العام 1987 وهو العام الذي شهد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الكبرى، كانت السينما الفلسطينية، التي أصبحت تتكئ على سكتين: أولها السينما (القديمة) التي تعتبر بشكل أو بآخر امتداداً لسينما الثورة الفلسطينية التي بدأت عام 1968، وثانيهما السينما (الجديدة) ونقصد بها السينما الفلسطينية الناشئة في الوطن المحتل، والتي بدأت (رسمياً) منذ العام 1980 بفيلم "الذاكرة الخصبة" لميشيل خليفي.. نقول إن السينما الفلسطينية بدت منشغلة بمواضيع وأحداث لم يكن لانتفاضات الثمانينات أن تتصدرها، إذ شاغلت سينما الثورة، مواضيع الحصار، ثم الخروج من بيروت، وعلاقة ذلك بالواقعين العربي والفلسطيني، بدءاً من كامب ديفيد، نهاية السبعينات، وصولاً إلى مفردات العدوان الصهيوني، المتعدد الأشكال والصياغات..
بينما شاغلت السينما الفلسطينية الجديدة موضوعات عدة، ذات طابع حياتي وجودي بالنسبة للفلسطينيين الذي بقوا في وطنهم تحت الاحتلال، فبرز اهتمام السينمائيين الفلسطينيين، داخل الوطن المحتل، بإثبات الوجود الفلسطيني الأصيل، في مكانه، والحديث عن ذاكرة هذا المكان الفلسطيني، وعن تاريخية وأصالة الهوية الثقافية الحضارية للشعب الفلسطيني.. كما بدا ذلك في أفلام من طراز "بلاد البحر والرمل" لجورج خليفي 1982 و"معلول تحتفل بدمارها" لميشيل خليفي 1985 و"نداء الجذور" لناظم شريدي 1985 و"حكاية مدينة على الشاطئ" لعلي نصار 1985.. وغيرها من أفلام كان همها تأصيل الوجود الفلسطيني، والدفاع عنه..
إذاً.. جاءت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، ولم تكن السينما الفلسطينية الجديدة (الناشئة) في الوطن المحتل قد بلورت حضورها وأنضجته، بعد.. وعلى هذا فقد انفرد في المراحل الأولى من الانتفاضة، اهتمام فرق التصوير الأجنبية، فقط، ثم بدأ بعض السينمائيين الفلسطينيين ممن كانوا يعيشون في أوروبا أو أمريكا، وممن حصلوا على جنسيات هذه البلدان، بالحضور ضمن مجموعات سينمائية أوروبية أو أمريكية..
كما شرع الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، وفق الظروف والإمكانات والإمكانيات المتاحة، بعملية تدريب كوادر فلسطينية، من الشباب هواة السينما، ليتمكنوا من استخدام الكاميرا، والتعامل معها، لأجل تغطية أحداث الانتفاضة، وتسجيلها وتوثيقها.. وسنجد أن عدداً من هؤلاء الشباب قد استطاع فعلاً تسجيل العديد من المواد المصورة التي وُظّفت، فيما بعد، في صياغة ونسج عدد من الأفلام سواء التسجيلية الوثائقية، أو الروائية، الطويلة والقصيرة، التي تتحدث عن الانتفاضة..
ويذكر أن الجهود السينمائية الفلسطينية داخل الوطن المحتل استطاعت، عند مطلع التسعينات، أن تتوج عملها بتأسيس العديد من الوحدات والمؤسسات والشركات العاملة في مختلف مجالات العمل والإنتاج السينمائي، التي تخصصت بداية بتقديم خدمات التصوير، ومن ثم تولت عمليات التصوير بشكل مباشر.. ويمكننا أن نذكر منها مؤسسة القدس للإنتاج السينمائي، ومركز الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ووحدات من طراز: طيف للإنتاج، وفيزيون أكاديمي، وبيت الصحافة، ومشهد للإنتاج، ودار للإنتاج، وذات للإنتاج.. إضافة إلى صورة فيلم، ومارسيا فيلم، وسندباد فيلم.. وكثير غيرها..
ويعتبر فيلم "أطفال الحجارة" الذي أخرجه جورج خليفي وزياد فاهوم عام 1988 بمثابة الاستجابة الأولى من السينما الفلسطينية (الجديدة) لتناول موضوع الانتفاضة عبر رصد مجموعة من الأطفال وحياتهم وحركتهم في خضم الانتفاضة، خاصة وأنها عرفت لدى الجميع بانتفاضة (أو ثورة) أطفال الحجارة، وفي ذات العام 1988 سيقدم ناظم شريدي "مسلسل صيف فلسطيني حار" فيكون عنوان أحد أجزائه "غيتو الدهيشة" مبيناً الدور الكبير الذي لعبه مخيم الدهيشة، القائم جوار بيت لحم، في الانتفاضة، وكاشفاً الممارسات العنيفة التي ووجه بها من قوات الاحتلال، كما يقدم محمود السوالمة فيلماً بعنوان "الانتفاضة" يتجول في أنحاء الوطن المحتل، راصداً صور من وقائع الانتفاضة، وحياة الناس على إيقاعها..
ويعد فيلم "نشيد الحجر" لميشيل خليفي عام 1990 من أشهر الأفلام الفلسطينية في هذا الصدد، فهذا الفيلم التسجيلي الروائي الطويل (مدته 105 دقائق) يسير على خطين متوازين أحدهما هو الخط الروائي الذي يتناول قصة حب بين ناضجين فلسطينيين تتجدد قصة حبهما بعد مضي 18 سنة، بعد أن عصفت بهما الأحداث عند مطلع السبعينات، وثانيهما هو الخط التسجيلي الذي يرصد وقائع من يوميات الانتفاضة، والأجيال الشابة التي تنخرط في فعالياتها..
كما اشتهر فيلم "أطفال جبل النار" لمي المصري عام 1990 حيث عادت المخرجة إلى مدينتها (نابلس) بعد غياب قسري دام 14 سنة، وكانت عودتها في غاية تحقيق فيلم عن الانتفاضة التي شقت الآفاق بأحداثها، فكان من النباهة أن تقوم مي المصري بهذه المغامرة على ما فيها من خطورة.. ويعد فيلمها هذا، وهو فيلم تسجيلي وثائقي طويل (مدته 49 دقيقة)، رؤية ذاتية منها لمدينة نابلس التي اشتهرت في الانتفاضة بدورها ومساهماتها، فهي عاصمة جبل النار..
ويتحدث طوني قدح في فيلمه "الحرية المسلوبة.. فلسطين المحتلة" عام 1990 عن مخيم الدهيشة قرب بيت لحم، والدور الكبير الذي لعبه هذا المخيم، بحيث غدا أحد معاقل الانتفاضة الكبرى.. كما تنجز ورشة عمل سينمائية مكونة من السينمائيين الشباب سهير إسماعيل ونزيه دروزة وعبد السلام شحادة فيلم "يوميات فلسطينية" عام 1991 وفيه تصوير حي للانتفاضة في مواقع فلسطينية متعددة، في المدينة (نابلس) والقرية (الخضر) والمخيم (الشابورة في رفح) وذلك لرصد الواقع اليومي للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، خلال فعاليات الانتفاضة.
وفي العام 1991 يقدم زياد درويش فيلمه "انتفاضة شعب"، ثم فيلمه "بيت ساحور مدينة الصمود" عام 1992 الذي يرصده للحديث عما تعرضت له مدينة بيت ساحور من حصار وإغلاق واعتداءات.. بسبب دورها الشهير والمعروف في خضم الانتفاضة..
واهتم المخرج رشيد مشهراوي بالحديث عن الانتفاضة من خلال أبعادها الاجتماعية وآثارها ومنعكساتها، وربطها بالظروف والأحداث المحيطة، ففي فيلمه "دار ودور" 1990 يتناول واقع أسرة من قطاع غزة، ويبين من خلالها الانتفاضة بتفاعل آثارها مع منعكسات حرب الخليج الثانية. نحن أمام عائلة (أبو أحمد) وهو أب لسبعة أولاد يعيش في غزة ويعمل في تل أبيب. تأتي الانتفاضة ثم حرب الخليج، فيفقد الأب عمله ويعود إلى غزة ليقضي أيامه كعاطل عن العمل. وفي فيلمه "أيام طويلة في غزة" عام 1992 ينقل الفيلم تأثيرات حرب الخليج بالتواكب مع الانتفاضة على المجتمع الفلسطيني، خاصة العمال منهم. أما هاني أبو أسعد فإنه يختار من الطفولة الفلسطينية بوابة للدخول إلى ميدان الحديث عن الانتفاضة في فيلمه "بيت من ورق" 1992 فعندما يهدم المحتل بيت أهل الفتى، يقوم ببناء بيت من ورق، وسيتساعد هو وأصدقاؤه لتوفير المواد اللازمة لبناء هذا البيت..
وفي العام 1993 يقدم حنا مصلح فيلمه "جند الله" ليتابع نشاطات وفعاليات حركة المقاومة الإسلامية (حركة حماس) التي ولدت مع الانتفاضة، ومارست دوراً كبيراً وفاعلاً فيها. ولا يتوقف رصد الفيلم عند الجوانب الكفاحية الانتفاضية لحركة حماس، بل يرصد دورها الاجتماعي والخيري في مجالات الصحة والتربية والتعليم.. كما يقوم جمال ياسين في فيلمه "على حدود الوطن" 1993 بمتابعة الحدث الذي تمثل في إبعاد قرابة 400 مجاهداً من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلى مرج الزهور، في جنوب لبنان، لمدة عام، بسبب أنشطتهم الجهادية المقاومة..
الاستمرار:
لم تكد السينما الفلسطينية داخل الوطن تحدد خياراتها، وتنجز عدداً من أفلامها، مع مطلع التسعينات من القرن العشرين، حتى وجدت نفسها إزاء متغيرات وأحداث كان لها أن تمثل تحولات جوهرية، من طراز انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991، ومن ثم انكشاف الستار عن اتفاقيات أوسلو 1993، وحدوث المصافحة (التاريخية) بين ياسر عرفات واسحق رابين.. والاستعداد لعودة أفراد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى غزة في إهاب السلطة الفلسطينية.. ولم يكن للسينمائيين الفلسطينيين أن يتجاهلوا كل هذه المتغيرات، بل كان عليهم أن يتعاملوا معها، ويرصدوا آثارها ومنعكساتها.. حتى وإن لم يكن من الضروري تحديد الموقف منها..
فرشيد مشهراوي ينجز فيلمه الروائي الطويل الأول "حتى إشعار آخر" عام 1993 للحديث عن المجتمع الفلسطيني في فترات منع التجول، وحظره، خلال فترات الانتفاضة، مؤكداً على القدرة العالية للصمود والثبات، بينما يكرس فيلمه الروائي الطويل الثاني "حيفا" 1996 لإثارة الأسئلة في مجتمع فلسطيني يعيش الفترة بين نهايات الانتفاضة، وبداية دخول السلطة الفلسطينية، مع عرض لأبرز الاتجاهات والمواقف إزاء كل ذلك.. في هذا الفيلم ثمة من سيذهب في مسيرة الاحتفالات بدخول السلطة، وثمة من يذهب في موكب جنازة العمة (المعادل الفني لفلسطين)..
ومنذ ذاك الوقت، أي منذ أن حدثت تلك التحولات، أصبحت الانتفاضة موضوعاً صالحاً للتأمل فيه، والبحث في آثاره ومنعكساته، فعبد السلام شحادة ينجز فيلمه "الأيدي الصغيرة" عام 1995 وهو فيلم تسجيلي قصير (مدته 26 دقيقة) من أجل رصد انعكاسات الانتفاضة على المجتمع الفلسطيني، من خلال ترك الأطفال للمدرسة، وانخراطهم في عالم العمل، وجورج خليفي في فيلمه "عازف الناي الصغير" 1995 يتناول قصة ذاك الصبي المقدسي الذي يجد نفسه يبيع النايات للسياح، مثقلاً بآثار الانتفاضة عليه، وعلى أسرته، بينما ينخرط الفتى محمد في مهنة بيع الشاي في فيلم رائد الحلو "بائع الشاي في غزة" 2000..
وبينما تعتبر أفلام من طراز "غباش" لرشيد مشهراوي 2000، وفيلم "جمال قصة شجاعة" لسائد أنضوني 2000 عودة إلى الانتفاضة ليست في سيرتها الأولى كحالة كفاحية مقاومية، بل كتفصيل له أبعاده وآثاره الاجتماعية والنفسية، إذ أن في "غباش" ثمة صبية تكتب رسالة إلى أبيها الأسير، على إيقاع أغاني جدتها، وفي "جمال قصة شجاعة" ثمة فتى يستطيع ببراعة، ورغم كارثته الجسدية تحقيق بعض من أحلامه، فحتى لو ذهبت متفجرة بكفيه إلا أنه يرسم بما تبقى من ساعديه ويتدرب على التصوير.. نقول إنه رغم كل ذلك فإن أفلام السينما الفلسطينية شاءت أن تذهب إلى العديد من المواضيع، لم تكن الانتفاضة في واجهتها، بل انشغلت بقضايا بدت أكثر إلحاحية في الواقع الفلسطيني، والمستجدات الحاصلة فيه..
فقد تابعت الأفلام الفلسطينية الحديث عن الهم الوجودي للشعب الفلسطيني، كما اهتمت بذاكرة المكان الفلسطيني، خاصة وإن الذكرى الخمسين للنكبة حضرت عام 1998، فأنجز العديد من الأفلام ذات العلاقة بتلك المناسبة، ففي ذاك العام ينجز محمد البكري فيلمه "1948" وينجز محمود السوالمة ينجز فيلمه "خمسون عاماً على التهجير"..
والملفت في الأمر أن بعض الأفلام باتت تتحدث وكأن الانتفاضة قد تحولت من طابعها الشعبي العام، إلى بعدها الإسلامي الديني، فظهر عدد من الأفلام التي أنتجتها القوى الإسلامية مثل فيلم "دماء في محراب إبراهيم" لمحمد إبراهيم وأسامة عبد الرزاق، و"القدس.. وعد السماء" و"مآذن في وجه الدمار" لإياد الداوود.. وفيها حديث عن انتفاضة إسلامية دينية، روادها من أبناء المساجد والمصلين وأترابهم..
وربما يصح لنا القول إننا في عموم الأفلام الفلسطينية سنجد الكثير من ملامح الانتفاضة الفلسطينية، سواء بأثرها على الأشخاص أو على الأحداث، فرغم أن فيلم "زيتونات" لليانة بدر 2000، يتحدث عن شجرة الزيتون والمرأة الفلسطينية، إلا أنه لا يبتعد عن أجواء وأحداث الانتفاضة، كذلك بالنسبة لفيلم "موسم حب" لرشيد مشهراوي 2000، وقس على ذلك الكثير من الأفلام الفلسطينية المنجزة، في ذات الفترة..
المواكبة:
لم تكن الانتفاضة الكبرى التي أشعلها الشعب الفلسطيني في العام 1987، وامتدت عبر ست سنوات مريرة، نهاية المطاف في الصراع العربي الصهيوني، رغم ما بدا للبعض أن الصراع يزمع على وضع النقطة الأخيرة في مسيرته، وأنه ذاهب إلى الحل.. ورغم كل ما تجلت عنه تلك الأحداث، التي تتالت منذ أن دخلت السلطة الفلسطينية، وتسلمت وظيفتها ومهمتها على الأرض الفلسطينية (في تموز العام 1994) وفق اتفاق أوسلو، حيث بدأت بتكوين مؤسساتها، وتشكيل هياكلها.. ورغم كل النبوءات التي بدت كحلم بعيد المنال، فقد صيغ العديد من الأفلام السينمائية التي تنغمس في واقع فلسطيني، بدا كأنه مغلق الآفاق مسدود الاتجاهات..
من هنا.. فإن الحديث عن انتفاضة الأقصى التي انطلقت في 28/9/2000 ظهر كأنما هو حديث خارق للعادة، بعد أن أشبع الواقع الفلسطيني بكل الحقن التي تمنحه الهدوء والسكينة والاستسلام للأمر الواقع.. ولكن حقيقة انفجار انتفاضة الأقصى دفع بعض السينمائيين الفلسطينيين إلى إنجاز عدد من الأفلام ذات العلاقة بها..
انتفاضة الأقصى في السينما الفلسطينية
طوت انتفاضة الأقصى ثلاثة أعوام من عمرها، مثقلة بالتضحيات الجسيمة التي قدمت على مذبح حرية الوطن، في سبيل التخلص من رزء الاحتلال، ومضرجة بالتحولات والمتغيرات القاسية، التي كان عليها أن تعبرها، دون أن تمكنها من الفتك بها.. فالانتفاضة التي ووجهت من قبل أيهود باراك، ثم أرئيل شارون، بكل أدوات وأساليب الفتك، من قتل وجرح وعسف بالناس، ومن حصار وإغلاق وتجويع، ومن تدمير وهدم بيوت، وتجريف أراض ومزروعات، وتخريب طرق ومنشآت، واقتلاع أشجار.. ومن تقطيع لأوصال الضفة الغربية وقطاع غزة، استطاعت رغم كل ذلك أن تتقدم بقوة وجسارة.
والانتفاضة هذه، رغم كل الجراحات المنهكة التي أصابتها، استطاعت أن تكون تعبيراً عن إرادة الشعب الفلسطيني، وإصراره على خيار المضي في درب الصمود والبقاء، واستمراره في فعله الجهادي الكفاحي، في مواجهة جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية المدججة بكل أصناف وأنواع الأسلحة.. وتعبيراً عن وجدان وطموحات وأحلام الشعب العربي، الذي طالما تاق للتخلص من حال الذل والانكسار والقهر القومي.. وعن نهوض الأمة الإسلامية، دفاعاً عن أقدس مقدساتها، أولى القبلتين وثالث الحرمين..
وفضلاً عن التفاصيل الدموية الأكثر فجائعية، التي تجلت بالقتل والسحل، والهدم والتدمير بكل العنف، باستخدام الدبابات والمدافع والبوارج البحرية والطائرات الحوامة »الهليوكبتر« الأباتشي، والمقاتلات الحربية من طراز F15 وF16.. والقيام بالاقتحامات العسكرية الهمجية.. فقد تميزت انتفاضة الأقصى (عما سبقها من انتفاضات فلسطينية) أنها جاءت في فترة شهدت تطوراً هائلاً (إن لم نقل ثورة) في مجالات الاتصالات، ونقل الخبر، والصورة، والمعلومة، والقدرة على تبادلها وسرعة انتقالها.. فبدت هذه الانتفاضة، في أحد جوانبها، وكأنها ميدان تنافس وتسابق بين وكالات الأنباء، والمحطات الفضائيات العربية والأجنبية، من أجل الحصول على الخبر والصورة، التي تمثل وفق رؤية الفضائيات ومفهومها، سلعة في زمن البث الفضائي، والنقل المباشر..
ولعل الجميع لاحظوا دور الفضائيات ومراسليها في جعل المتلقي، في شتى أنحاء العالم، يعيش أحداث الانتفاضة "على الهواء مباشرة".. كما لاحظوا بسالة وجرأة المراسلين والمصورين والصحفيين الفلسطينيين في اقتحام المخاطر، والتواجد في مكان المواجهات، إيماناً منهم بأن دورهم لا يقل أهمية، لناحية تحشيد الرأي العام لصالح الانتفاضة، وإعادة تكوينه بالشكل الذي يتفهم حقيقة الانتفاضة، ليس كحالة عنفية، كما يحاول البعض تصويرها، بل كفعل نضالي كفاحي جهادي.. إن الأمر بدا تعبيراً واضحاً، عن إدراك أهمية الصورة، ودورها في دعم الانتفاضة، فالصورة (الآن) أضحت وحدة تبادل ثقافي ومعرفي، أبلغ وأصدق.. على الأقل كما قال المثل بأن »الصورة الواحدة تعادل عشرة آلاف كلمة«.. ومثلاً يمكننا افتراض أن مشاهداً ما في مكان بعيد عن المنطقة يرى ما يحصل في إطار انتفاضة الأقصى.. إن هذا المشاهد ستصله صورة قتل الطفل محمد الدرة، فيراها ويتأثر بها، بل ربما تدب هذه الصور في نفسه شعوراً بالمأساة.. وهو بعد ذلك سيبدأ بالبحث والتساؤل عن هذا الفتى، والذنب الذي قتل بسببه، وعمن قتله، ولماذا؟.. وهذه الخطوات بتتاليها ستقوده غالباً لإدراك القضية الفلسطينية، مدفوعاً بداية بالأثر المأساوي الذي خلقته الصورة، ثم وصوله إلى درجة تفهمه لقضية شعب يقاوم احتلال بغيض رأى منه على الأقل أنه يقتل الأطفال بوحشية مرعبة وبدم بارد.. من المنطقي القول في هذه الحال إن الصورة استطاعت الوصول إلى هذا المشاهد بطريقة أسرع وأعمق من الكثير مما يمكن كتابته، والحديث عنه، ووصفه.. إن المشاهد في هذه الحال يرى بأم عينيه.. والصورة دون أدنى شك هي أبلغ من عشرات الآلاف من الكلمات)..
أي أن الصورة تشكل العالم ووعيه على كيفيتها.. ومن هنا تبرز أهمية منتج الصورة وفي أي سياق يقدمها، وسنذكر هنا المحاولات الصهيونية لتدمير مغزى الصور التي سجلت قتل الفتى محمد الدرة، بعمليات مونتاجية تريد إفهام المتلقي أن الرصاص الذي قتله، كان خلال اشتباكات يشارك فيها فلسطينيون.. الأمر الذي يدفعنا للانتباه الجاد والضروري لعملية انتاج الصورة وتوزيعها وتسويقها في حرب يمكننا أن نسميها "حرب الصورة"..
لنتخيل انتفاضة الأقصى بدون صور قتل محمد الدرة، وجرأة فارس عودة، وصور التفاصيل الدموية الناجمة عن الوحشية الصهيونية.. ولنتساءل بكل صراحة: هل كانت عندها ستستطيع تحريك الشارع العربي (كما حصل) من نواكشوط حتى مسقط، والدوحة والمنامة.. والشارع الإسلامي حتى أندونيسيا؟.. وهل كان كل الكلام (الذي يمكن أن يقال أو يكتب) سيستطيع ما فعلته صورة واحدة خلال ثوان معدودات؟..
من هنا فإننا في زمن »ثقافة الصورة« يمكن اعتبار الإنتاج السينمائي، والبث التلفزيوني، خاصة الفضائي، أحد أهم الميادين التي تبرز فيها ضرورة العمل المتصدي المواجه الفاعل والواعي والمدرك لقضيته، فالفيلم السينمائي، وشريط الصورة، دون شك، يمتلك إمكانية انتشار هائلة وسريعة على مستوى العالم، كما يمتلك إمكانية أن يتم إعداد أو طبع آلاف النسخ منه، وتوزيعها، وبثها عالمياً، عبر أكثر وسائل الاتصال الجماهيري انتشاراً وسهولة تداول، ومقدرة على التأثير، بدءاً من صالات السينما، وأجهزة التلفزة بمحطاتها الأرضية والفضائية، وساعات البث التي تغطي مدار الساعة، ومحيط الكرة الأرضية، وسهولة الالتقاط والاختيار فيما بينها، وصولاً إلى أجهزة الفيديو، بانتشارها الواسع بسبب رخصها، وشبكات الانترنيت، والأقراص اللايزرية المنتظر انتشارها أكثر فأكثر.
ومن هنا، فإن السينمائيين الفلسطينيين الشباب، وإن عمل بعضهم مراسلاً لهذه المحطة الفضائية، أو تلك، ومصوراً لوكالة الأنباء هذه أو تلك، إلا أن جلهم كان يدرك أن دوره وواجبه، في خضم الانتفاضة، إن لم يكن في ميادين المواجهة فهو أن يقوم بدوره كسينمائي أولاً.. أي أن يقوم بصناعة نص سينمائي يتجاوز التقرير الإخباري، وينسج صورة لهذا العالم.. أكثر دقة وأكثر عمقاً..
انتفاضة الأقصى.. والمجهر السينمائي
ولعل من المبادرات المبكرة، لقراءة الانتفاضة سينمائياً، وفهمها وتفهمها، وتحليل أسبابها ونتائجها، ونقلها إلى العالم.. نذكر ما قام به المخرج هاني أبو أسعد، الفلسطيني المقيم في هولندا، حيث حضر إلى مدينته الناصرة، لا ليتعقب تفاصيل ما حدث فيها من انتفاضة، أو هبة شعبية، كان نتيجتها أن سقط 13 شهيداً وإصابة المئات بجراح.. بل ليبحث في أصل الحكاية، وجذر الموضوع..
إنه في فيلمه "تحت المجهر" التسجيلي القصير (23 دقيقة) والذي أنتجه بتعاون فلسطيني مع "أيكون 2000" الهولندية، يسلط الضوء على جذر القضية وجوهرها، بعيداً عن الانشاء والخطابة والشعارات.. فهذا الفيلم جاء على هيئة حوار، متعدد المستويات، يتقصى موقف ثلاثة أجيال متتالية من الفلسطينيين، الذين يعيشون الآن في وطنهم، كمواطنين إسرائيليين، ليصل إلى نتيجة خلاصتها أن الوضع لن يستمر هكذا، بل هو قابل للتفجر، طالما أن حلاً للقضية الفلسطينية لم يتحقق.. فمن يعيش الآن في وطنه فلسطين (حتى كمواطن إسرائيلي) فهو يتعرض للتمييز العنصري، والقهر القومي، والانكار الثقافي الحضاري، والخفض الاجتماعي والسياسي.. ومن يعيش في الضفة والقطاع فهو لقمة للقتل..
وإذا كان جيل الكبار (ممن عاصروا النكبة) يبدون قدراً كبيراً من قلة الحيلة (إن لم نقل الاستسلام).. فإن جيل الشباب (في الناصرة) يبدو أكثر قدرة على طرح أسئلة وجوده وحقوقه ومستقبله.. إنه الجيل الذي نما بالتوازي مع انتفاضات الضفة والقطاع في الثمانينات والتسعينات، ووجد نفسه ينخرط في مساهمات رديفة، كان آخرها ما حصل في الناصرة 2000.. بينما يبقى للجيل الوسط أنه لم يقع في ازدواجية الشخصية أو انفصامها (فلسطيني بجواز سفر إسرائيلي) فما بين انتفاضة يوم الأرض 1976 وانتفاضة الأقصى 2000 جرت مياه كثيرة في النهر..
ويرصد المخرج الفلسطيني الشاب إياس ناطور فيلمه »لما زفوك« التسجيلي القصير (25 دقيقة) الذي أنتجه "مركز إعلام" في حيفا عام 2001، من أجل تقديم صورة أخرى عما حدث في الناصرة، من خلال أحاديث وحوارات مع أمهات وأسر الشهداء في الناصرة، بصورة تلامس الميلودراما، ليكون الفيلم صرخة ضد الموت والقتل الذي قام به الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية، بدم بارد..
عبر هذا الفيلم ندرك أن ما جرى لم يكن حكراً على أبناء مدينة الناصرة، بل إن مشاركة من أبناء القرى والبلدات المجاورة للناصرة حصلت في السياق، وذلك من خلال معرفتنا لحكايا عدد من الشهداء، فالفيلم يذهب إلى قراهم التي قدموا منها للمشاركة في انتفاضة الناصرة، وإلى بيوتهم، ويتوقف متأملاً في غرفهم، متلمساً أنفاسهم الحارة التي لا زالت تعبق في المكان.. ويقوم الفيلم بتصعيد ميلو درامي عالي المستوى عندما يقدم مقاطع من الأمسية التكريمية التي أقيمت في الناصرة لأسر الشهداء، خاصة المشهد المسرحي التي تؤديه صبية، بارعة الأداء، دامعة العينين صارخة بقهر وحرقة "إنتو يا عرب وين؟..".
وتحاول المخرجة عزة الحسن، الحديث عن واقع فلسطيني لا يريد للفلسطيني أن يكون صحناً على موائد نشرات الأخبار، وذلك في فيلمها "زمن الأخبار" التسجيلي الطويل (50 دقيقة) الذي أنتجه "بيت اليمامة للانتاج" في رام الله عام 2001، والذي نالت عنه جائزة التحكيم الخاصة في مهرجان الشاشة العربية المستقلة في قطر 2001.. إنها تنوي بداية إنجاز فيلم عن قصة جاريها (أبو خليل وزوجته)، ولكنها ستفشل، فتنخرط في حديث ما عن انتفاضة الأقصى، التي داهمت بحقيقتها كل مفردات الواقع الفلسطيني.. وتتورط المخرجة عبر متابعة أربعة فتيان من أبناء الجوار، في الاشتغال على تفاصيل من الانتفاضة، ليتحول مسار فيلمها بشكل كامل، إلى حديث الانتفاضة التي كانت في البداية تحاول الإفلات من إلحاحها الإخباري.. في هذا الفيلم نتبين أن الانتفاضة بأحداثها هي قدر حقيقي لكل فلسطيني، وفي كل مكان.. ومن خلال الفتيان الذين يعيشون الانتفاضة طقساً يومياً، دون أن يتخلو عن أحلامهم وأمانيهم، نجد القدر العالي من القلق والتوتر، وحال الفقد اليومي، للشهداء الذين يرحلون كل يوم برصاص غادر، أو قصف وحشي، أو عدوان آثم..
ويعد أنس العيلة فيلمه "حقائب مدرسية" التسجيلي القصير (15 دقيقة) وإنتاج "مركز الاعلام والتنسيق التربوي« و»تلفزيون القدس التربوي" عام 2001.. لرصد الآثار التي تتركها الأحداث العنيفة التي شهدتها انتفاضة الأقصى، على التلاميذ الفلسطينيين، وذلك عندما تتكاثر صور الشهداء على جدران الصف، ويفرغ هذا المقعد، أو ذاك، من فتى كان (بالأمس) تلميذاً زميلاً لهم في المدرسة، وأضحى الآن شهيداً..
بينما تدحض مريم شاهين في فيلمها "قرة عيني" التسجيلي القصير (10 دقائق) الذي أنتجته بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 2001.. تلك المقولة الفاجعة التي تدعي أن الأم الفلسطينية بلا قلب، لأنها تدفع أطفالها للموت، فتقدم حديثاً لإمرأة فلسطينية فجعت بفقدانها لفلذة كبدها.. وما بين النصوص الحقوقية العالمية، التي تتحدث عن الحق الانساني للمرأة، وحقيقة مأساة المرأة الفلسطينية، في الواقع المرير الذي يخضع له الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال، تكون للفيلم مساحته للقول..
وتخترق انتفاضة الأقصى بأحداثها فيلم "جوهر السلوان" التسجيلي الطويل (45 دقيقة) والذي أخرجته نجوى النجار، لصالح "أسطورة للإنتاج" عام 2001.. وكانت المخرجة قد اختارت "سينما الحمراء" في القدس، منطلقاً لحديثها عن الحياة والواقع الاجتماعي الفلسطيني، عامة، وفي القدس، خاصة.. فبعد أن تنفق المخرجة شوطاً من فيلمها في رصد البعض من تفاصيل الحياة الاجتماعية، والمناشط الثقافية، الفلسطينية، في مدينة القدس، تجد نفسها أمام اشتعال انتفاضة الأقصى، فلا تجد بداً إلا من الاتجاه نحوها، مضحية بالباقي مما أعدته لفيلمها.. ها هنا يجد السينمائي الفلسطيني رهن ما هو متفجر وحار وملح في واقعه، وإن كان خارج أجندته..
ودخلت انتفاضة الأقصى في الحيز الذي شاغل المخرجة مي المصري، وهي تعمل على فيلمها "أحلام المنفى" التسجيلي الطويل (56 دقيقة) والذي أنتجته وزوجها المخرج اللبناني جان شمعون بالتعاون مع جهات أخرى عام 2001.. فبعد أن هيأت مجموعتي أطفال من مخيمي "شاتيلا" في بيروت، و"الدهيشة" في بيت لحم، لتتناول معاناة وأحلام الأطفال الفلسطينيين، داخل الوطن المحتل وخارجه، جاءت انتفاضة الأقصى، خلال مراحل إنجاز الفيلم، لتفرض نفسها وحضورها في الفيلم، تماماً مثل تحرير الجنوب اللبناني، الذي أتاح لأطفال "شاتيلا" فرصة اللقاء مع أطفال "الدهيشة"، عبر الأسلاك الشائكة، التي تفصل بين لبنان والأرض المحتلة، في مشاهد شهيرة.. وكان من نتائج مغامرة المخرجة مي المصري، في رصدها لأحداث الانتفاضة، أن نالتها إصابة خلال التصوير.
ومن الأفلام الفلسطينية التي أنجزت عن انتفاضة الأقصى، أيضاً، نجد فيلم "أوقفوا قصف بيت لحم" لحيان يعقوب، وهو فيلم تسجيلي قصير (12 دقيقة) من إنتاج "صابرين للإنتاج" عام 2001.. وهو فيلم يأتي على هيئة نشيد يتوسل أن يترك الأطفال لعالمهم، وأن تبتعد يد القتل والموت والدمار عن عالمهم وأحلامهم، رغم أنهم يحيطون علماً بما يجري.. وما رسومهم التي يصورها الفيلم إلا التعبير المباشر والعفوي عن حقيقة كل ذلك..
وينجز المخرج نزار حسن فيلمه "التحدي" التسجيلي القصير (20 دقيقة) ومن إنتاج تعاوني بين "دار للإنتاج" في رام الله، و"مشهد للإنتاج" في الناصرة، خلال العام 2001، من أجل عرضه في افتتاح مهرجان الشاشة العربية المستقلة، المنعقد عند نهاية شهر آذار العام 2001 في الدوحة، كمساهمة في "بيان بصري" لعدد من المخرجين العرب، اتكاء على المشاهد الفاجعة التي صورت اغتيال الفتى محمد الدرة..
ورغم أن المخرج نزار حسن رفض (بصيغة ذكية) الاقتصار على تلك المشاهد، واستطاع إنجاز فيلم يتناول العديد من القضايا والمواضيع المتعلقة بالشأن الفلسطيني، الراهنة، بدءاً من قتل الدرة، إلى بسالة فارس عودة، إلى مأساة الفلسطيني، إذ تتنازعه هويات وجوازات سفر متعددة.. ليبلغ الفيلم ذروة تهكمه وسخريته المريرة، عندما تتحول كل بطاقات الفلسطيني (اللا فلسطينية) إلى ما يشبه أوراق اللعب (الشدة)..
وعن محمد الدرة، الفتى الفلسطيني القتيل، ينجز المخرج إياد الداوود فيلمه "أعراس الزهور" وهو فيلم تسجيلي من إنتاج "بيت الصحافة" في عمان/القدس، عام 2001.. حيث يتوقف الفيلم تارة عند حكاية هذا الفتى الفلسطيني، الذي هزت العالم مشاهد قتله، كما يرصد حال التلاميذ والفتيان الفلسطينيين، وهم يعيشون بين مطرقة الاحتلال وسندان قهر واقعهم المأساوي.. ثمة أشعار تمجد محمد الدرة، ومشاهد تمثيلية تعيد بناء لحظة إغتياله الفاجعة.. وشهادات من أمه وإخوته وعدة أطفال.. ويمضي الفيلم إلى "إيمان حجو" الشهيدة ذات الأربعة شهور.. ويفضح دور المستعربين الصهاينة الذين يخترقون صفوف المنتفضين ليوقعوا بناشط فلسطيني، وجرائم المستوطنين اليهود المدججين بالأسلحة، والذين يمارسون أفعال القتل ومداهمة البيوت والأحياء، والحوانيت والمتاجر..
استخلاصات
باستعراض متأمل للمواضيع التي تناولتها السينما الفلسطينية، من فيض أحداث وفعاليات انتفاضة الأقصى، سيلفت النظر القدرة التي أبداها السينمائيون الفلسطينيون الشباب، على التقاط الموضوعات والمضامين الأكثر عمقاً وجرأة وتأثيراً في المتلقي.. فجوهر الموضوع الذي أكدت عليه السينما الفلسطينية هو ضرورة كنس الاحتلال، لأن مجرد وجود الاحتلال كفيل بتفجير الأوضاع.. كما اهتمت السينما من ناحية موازية بالتأكيد على ارتباط وجود المحتل بالممارسات الوحشية الإجرامية، سواء نفذها الجيش أو المستوطنون.. وستتكرر مشاهد الجنازات، ومواكب الشهداء.. ونتبين حجم التضحيات التي يقدمها الفلسطينيون للتخلص من المحتل، دون أن تغفل عن دراسة الآثار والمنعكسات التي تنجم عن الانتفاضة على المستوى الفردي الشخصي، أو على مستوى البنية المجتمعية..
هكذا يبدو أن السينما الفلسطينية، حاولت القيام بدورها، وتقديم رؤيتها، وبسط حديثها عن انتفاضة الأقصى، خلال عام مضى من عمرها، وكان أن حملت قضيتها إلى أوسع قطاع من المتلقين، فشاركت في غير مهرجان سينمائي في العالم، بدءاً من القاهرة والإسماعيلية والدوحة إلى روتردام ولايبزيغ وباريس وسان فرانسيسكو.. تعرض بشكل متميز، ولا يدحض حقيقة ما يجري على أرض فلسطين، وترسم صورة مجتمع يصر على إعادة بناء حضوره بما يليق بشعب قدم الكثير من التضحيات، التي لو كانت الانتفاضة، فقط، عنوانها، لكان يكفي..
استخلاصات:
من خلال استعراض ومتابعة الإنتاج السينمائي الفلسطيني، عبر ثلاثة عقود من الزمن، هي السبعينات والثمانينات والتسعينات.. ومحاولة قراءة ما أنجزته بصدد الانتفاضة الفلسطينية، يمكننا القول: لقد حاولت السينما الفلسطينية القيام بدورها، من خلال إدراك السينمائيين الفلسطينيين، أنفسهم، أهمية فعلهم الذي يستطيع أن يتكامل مع الفعاليات الانتفاضية الميدانية.. ولقد تطور هذا الدور، وتعمق الإدراك، وهو في كل حال إدراك يتصل بوعي أهمية الصورة »التي تساوي عشرة آلاف كلمة« وما يمكن أن تمثله كسلاح لا يفل.. |