|
وما تيسر من سير المنافقين نموذجاً !!
راسلني سفير إحدى الدول العربية المعتمد لدى مملكة البحرين عقب نشر احد مقالاتي من خلال صحيفة القدس العربي والذي يتحدث عن الإصلاح في العالم العربي .. يستفسر فيها عن رؤيتي الشخصية لعقلية المواطن العربي وبخاصة الشباب في التفكير والأسباب التي أدت إلى وصول العالم العربي بهذه العقلية إلى ما نحن عليه الآن .. يستفسر عما إذا كانت لدي رؤية واضحة تساهم بالفعل في حل مشكلة الشباب والبطالة في الوطن العربي ويستفسر عن مضمون كتابي الذي أنا في مراحله الأخيرة وسبق وان تطرقت إليه عندما قامت إحدى الصحف الألمانية بإجراء مقابلة صحفية معي وعرض علي طبعه وعلى حسابه الخاص لأنه وكما قال متشوق جدا لقراءته .
وسأتحدث في مقالتي هذه عن عقلية التفكير والديكتاتورية المترسخة في ذهنية المواطن العربي وآثارها السلبية , أما مشكلة البطالة والآثار السلبية الناتجة عنها وطرق معالجتها فقريبا سأنشر دراسة كاملة وهي الآن في مراحلها الأخيرة .
وسأبدأ قراءتي لعقلية التفكير عند المواطن العربي بجزء مما نشره احد الشباب العرب عبر إحدى المواقع عبر شبكة الانترنت لينقل من خلالها صورة المعاناة الحقيقية التي تعيشها المجتمعات العربية وبخاصة فئة الشباب :
( ابتسم ...أنت في دولة عربية.... عندما تكتظ (المقاهي) بالشباب ... وتشكوا المساجد والمكتبات من الغياب.. أنت في دولة عربية. عندما يستضيفون (راقصة) لتتحدث عن (تحرير) فلسطين ... يجب أن تبكي فأنت في دولة عربية. عندما تدرس الابتدائي 5 سنوات .. والإعدادي 3 سنوات ومثلها المرحلة الثانوية .. وأربع سنين في الجامعة أو خمسة .. لتعمل بعدها في سوق الخضار .. لا تيأس أنت في دولة عربية . عندما يكون هناك ستة ملايين (عامل) أجنبي .. وثلاثة ملايين (عاطل) . أنت في دولة عربية. عندما تقوم من النوم لتجد في هاتفك المحمول رسائل ليس لها أي معنى ...أنت في دولة عربية عندما تكون هناك (خمسة عشرة) مجلة تهتم بـ (الشعر الشعبي) ولاتكون هناك مجلة واحدة أو (نشرة) تهتم بالأمور العلمية ... . عندما (تضحك) عليك شركة الاتصالات في بلدك و(تشفط) كل اللي في جيوبك ..أنت في دولة عربية عندما تقود(سيارتك الأمريكية) وتأكل (الهمبورجر) وتشرب (البيبسى) ثم تطالب بمقاطعة المنتجات الأمريكية ...أنت مجنون تعيش في دولة عربية. أن لم تحصل على الترقية في عملك إلا (بواسطة) ولا تجيب تقدير في الجامعة إلا (بواسطة) ولا تجد الوظيفة إلا (بواسطة) ولا تنتقل إلا (بواسطة) ولا تحصل على (حقوقك) إلا بواسطة . أنت مواطن مسكين مقهور مظلوم تعيش في دولة عربية. عندما تستنكر تلك القناة الإخبارية في ذلك البلد الهجوم على (دولة عربية) وفي نفس الوقت ينطلق الهجوم من ذلك البلد ..أنت تعيش في ( قُطر ) عربي شقيق.. عندما تكون (رجل) و تستعمل الإنترنت باسم (بنت) ... أنت عربي ) .
إن الخطاب السائد في التعامل في الحياة اليومية للعربي من المهد إلى اللحد. هي لغة القوة في حل القضايا المجتمعية مهما صغرت. وهذا بالطبع يعني في المقابل ضعف بل اختفاء لغة الحوار والمنطق والعقل في معالجة الظواهر الإنسانية اليومية. فالطفل منذ مراحل حياته الأولى والمبكرة يتعرض لعملية تدجين مستمرة في الأسرة. فإذا أظهر الطفل نوعاً من المشاكسة (الشقاوة)، أو بدا لديه حب التساؤل_ وهي حسب علماء النفس ظاهرة صحية تعبر عن ذكاء الطفل_ يتعرض الطفل إلى التخويف والضرب من قبل الأب أو الأم مطالبينه بالتزام الصمت والهدوء وعدم التساؤل. فالمجتمع العربي يتميز بالسلطة البطريركية للأب الذي يجب أن يهاب وأن يسمع ويطاع، وهو فوق النقد والمناقشة. وذلك حسب المثل المصطلح المصري "سي السيد".
هذه الظاهرة التدجينية تنتقل مع الطفل إلى فترة الدراسة حيث تبدأ عملية تلقين الطفل المعارف وليس أمامه سوى الحفظ والترديد كالببغاء. وعملية التلقين التي ترافق الطفل من مرحلة رياض الأطفال مروراً بالمدارس بمراحلها المختلفة، وانتهاءً بالمرحلة الجامعية هي بحد ذاته مظهراً من مظاهر التربية التسلطية. وإذا أبدى الطالب خلال ذلك قدرة على التساؤل أو النقد أو الحوار أو أبرز شخصية قويه يتم قمعه من قبل المدرس الذي يرغب باستمرار دوره كملقن بعيد عن التساؤل والمسائلة. وهنا تدخل أيضاً الظاهرة الصوتية (أي رفع الصوت بالصراخ والشتم ... الخ) كعنصر هام من عناصر لغة القوة.
ولو تأملنا حتى نمط السلوك في الحياة الزوجية في المجتمع العربي لوجدنا أن كلاً من الشاب والفتاة يدخل الحياة الزوجية وهو يحمل في رأسه فكرة مركزية حول من الذي سيحكُم ومن الذي سيحكَم. فالشاب والفتاة يدخلا ما يشبه المعركة مسلحين بتراث شعبي يقوم على فرض السلطة والنفوذ. وهناك على سبيل المثال لا الحصر المثل الشعبي القائل" أذبح لها أو أذبحي له القطة ليلة الدخلة". ومزودين بنصائح كثيرة حول ضرورة تدجين الطرف الأخر، بالرغم من أن الحياة الزوجية وحسب القرآن الكريم هي سكينة ومودة ورحمة طبقاً للآية الكريمة "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّةً ورحمةً".(سورة الروم: 21)
أما على صعيد ممارسة الفرد العربي في المدرسة والجامعة والعمل والشارع ... الخ فلو نظر المرء إلى أي نقاش أو مجادلة حول قضية ما، فإن كل طرف لا يسعى في الغالب إلى معرفة الحقيقة بل السعي إلى التغلب على الطرف الأخر حتى لو كان موقفه خاطىء. والمهم هنا ليس معرفة الحقيقة بل "إفحام الطرف الآخر". وعلى رأي المثل القائل "خذوهم بالصوت"، أو "أم أقوال غلبت أم أفعال". فكل طرف يمتاز بأحادية التفكير، حيث نشأ العربي على فكرة أنه دائماً على حق، وأن الصح واحد لا بديل ولا نظير له، وأن الحقيقة ملكه وكل ما عند غيره زائف. وبالتالي يدور سلوك أفراد المجتمع في دائرة من التسلط والتحكم في كل ممارسة من الممارسات. ويدخل هنا بالطبع الافتقاد إلى حسن الاستماع والإصغاء. فنحن العرب لسنا أكثر من ظاهرة صوتية منها إلى ظاهرة سمعية متأملة ومفكرة. ويبدو أن في ذلك تمرد على حكمة الخالق سبحانه وتعالى الذي خلق لنا لسان واحد، وأذنان، أي المراد هنا أن نستمع أكثر مما نتحدث، وذلك احتكاماً إلى الآية الكريمة: "لقد خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويم". (سورة التين:4)
وليس المقصود مما نكتب هو جلد الذات، بل محاولة نقدية نحاول من خلالها طرق الأبواب لمعالجة واقعنا الاجتماعي والسياسي بروح وطريقة علمية وموضوعية. وهي عملية نقدية تسعى إلى تعرية الواقع وقراءته بدون مواربة من أجل استحداث وقفة مع الذات العربية للنهوض والتغيير، وبناء خطاب عربي حواري ينطلق من لغة العقل وليس لغة الجسد. وذلك من أجل مجتمع تسوده في حياته اليومية والسياسية تقبل الآخر، ومد جسور التفاهم بعيداً عن استعراض العضلات والإيقاعات العالية المتشنجة للحبال الصوتية. فنحن بحاجة إلى التدريب على فن الحوار العقلي، فن الاختلاف، فن قبول الآخر. فالحوار وتقبل الآخر هو سمة الرقي والتقدم، ورفض الآخر هو سمة التخلف والتأخر. ونحن بأمس الحاجة إلى صياغة وممارسة أسس تربوية سليمة وجديدة في حياتنا الاجتماعية والسياسية. وعند ذلك يمكن الوصول إلى أسس نظام سياسي ديمقراطي سليم.
وحقيقية ما يعانيه جيل الشباب من ويلات الكآبة وتحطيم آماله وطموحاته بحيث أصبحت واضحة للعيان على ملامح وجهه هي نتاج مباشر لترسخ هذه العقلية عند بعض المنافقين ...
إنهم منافقين لأنهم يقولون بالسنتهم خلاف ما في قلوبهم وبخاصة المسئولين من الوزراء في الحكومات العربية وعصابتهم واقصد بعصابتهم هم المرتزقة الذين يترأسون الأقسام في تلك الوزارات أو أي مصلحة حكومية ....
فيستحي المرء أن يسرد قصة أناس وضعت عليها الأمانة والمسؤولية من اجل خدمة الشعب ومصالحه فتجدها وللأسف الشديد أول الناس من تلهث وراء المال .
يركبون السيارات الفارهة هم وأبنائهم ويجوبون العالم شرقا وغربا للسياحة والتمتع واغلب الشباب هائم في غياهب الجب والنسيان والفقر وكابوس البطالة .. يصرفون على شهواتهم وشهوات أبنائهم من الأموال والدولارات ما يسد رمق عشرين ألف مواطن عربي لكل ميزانية وزير...
يتبجحون دائما بأنهم خدمة للوطن وأنهم درعه القوي الصامد وهم بنية هشة منافقة همها الوحيد تحويل الأموال للخارج والركض خلفه ويتسابقون عمن يجمع أكثر نسوا الله فأنساهم الله أنفسهم...
يعتقدون أنهم الكفاءة والاحترام والثقافة بكل ما تعنيه كلماتها وهم مضمون فارغ وبدون محتوى سمحت لهم ظروف معينة للوصول إلى تلك الأماكن وفي ظروف زمنية تطلبت ذلك ... ولكن التاريخ لا يسمح إلا بتسجيل المواقف إما بشهادة شرفية أو بشهادة مخزية ....
جيل فاشل يعتقد أصحابه أنهم ممن كان لهم الفضل وبأنهم كُتّاب وخبراء ومثقفين وأصحاب ثقة وعهد وأمانة وللأسف الشديد هم ليسوا كذلك ...
وختاما .. افتتحت ندوة خاصة في العاصمة البريطانية لندن تحت عنوان «كيف تستقطب القراء الشباب وتحتفظ بهم؟»، وذلك بإشراف هيئة الصحف العالمية (وان)، ومجموعة «كريتيف ميديا كونسبتس انترناشونال»، ومركز الـ «نيوزروم» التعليمي التابع لصحيفة الـ «غارديان». فهل تعلمون العبارة التي افتتحت بها الندوة كيف كانت ؟؟ كانت كالتالي (إذا لم تبدأ باستقطاب القراء وهم في عمر 13 عاماً فإن الدراسات ترجح أنك لن تنجح في استقطابهم بعد ذلك أبداً» والله يعلم ما وراء القصد ... |