|

بدأ العدّ التنازلي لضربة إسرائيلية للمفاعل النووي الإيراني، وسيلاحظ المتابع ذلك التصاعد المتأرجح بين إعلانات أميركية وتهديدات إسرائيلية، كان أهمها ما أعلنته الصحف الإسرائيلية من أن التقدير الاستخباراتي السنوي لأجهزة الامن الإسرائيلية، قد اعتبر أن إسرائيل تجاوزت خطر التهديد التقليدي، وباتت تواجه الخطر غير التقليدي المتمثل في التسلح النووي الإيراني، والكيماوي السوري.
وهو تقرير تم عرضه في اجتماع حضره رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون، ووزراء: الدفاع شاؤول موفاز، والخارجية سيلفان شالوم والمالية بنيامين نتنياهو، وباقي اعضاء المجلس الوزاري المصغر، بالإضافة رئيس الموساد مئير دغان، ورئيس شعبة الاستخبارات امان اللواء اهارون زئيفي، ورئيس جهاز الامن العام الشاباك آفي ديختر، ورئيس الاركان الفريق موشيه يعلون.
ويرى التقرير ان التهديد المركزي، هو الآن التهديد غير التقليدي، وعلى رأسه الجهد النووي الإيراني، وصواريخ شهاب الإيرانية المتطورة، والرؤوس المتفجرة غير التقليدية (الكيميائية وربما البيولوجية ايضا) في سورية، وخطر وصول مثل هذا السلاح الى ايدي «حزب الله». ويقدر التقرير أن إيران ستمتلك قدرات نووية خلال ثلاث سنوات. وفي هذا السياق فإن زيارة البرادعي أخيرا لإسرائيل لم تكن، حسبما يسرب التيار (الاستراتيجي) العسكري الإسرائيلي، من أجل متابعة الشأن المتعلق بالأسلحة النووية الإسرائيلية أو وضع المفاعلات النووية الإسرائيلية تحت المراقبة الدولية، فهي ـ بالأصل ـ مسألة منتهية (بالسلب طبعاً)، ذلك أنها مشمولة برعاية أميركية، وبالتالي، بحاجز صدّ وسور (صينيّ!) كبير يمنع عن الدولة العبرية أية إجراءات تفسح في المجال أمام وضع مشروع النووي تحت الوصاية والمراقبة الدولية.
هذه الزيارة كانت استجابة لدرء النتائج المترتبة على التسريبات الأسبق، التي تحدثت عن انتهاء الدولة العبرية من إعداد خطتها العسكرية لضرب المفاعل النووي الإيراني، والتي ترافقت مع حملة تم نشر معلومات عنها في بعض الصحف الأميركية، متحدثة عن إعداد لخطة أميركية لضرب إيران عسكرياً، بعد الانتهاء من الانتخابات الأميركية المقبلة، وأن طاقم المحافظين الجدد يحاول، عبر هذه الخطة التي رسمتها عناصره في البنتاغون، أن ينفذ المرحلة الثانية من الخطة التي تم إعدادها عبر مشروع القرن الأميركي الجديد التي تبدأ بالعراق وتنتهي بإيران ثم سورية ولبنان والسعودية ومصر.!.
إلا أن هذه التسريبات لا تبدو نهائية، فهي من ناحية تشكل جزءاً من مناخ التهيئة والسبر وتداول ردود الفعل; باعتبار أن المفاعل الإيراني (روسي) وهذا ما يحتاج إلى سبر رد فعل روسيا، ومن ثم الصين إزاءه، مما يستدعي فعلياً (عدم ممانعة)، وهي أيضاً تبدو من الناحية الأخرى، بمثابة استغاثة من أمثال زئيف شيف من حدوث أمر كهذا قد يستدعي رداً إيرانياً يكون له وقع مؤلم، ويخلط الأوراق، ويجعل إسرائيل أمام مواجهة قد تكون من النوع المنفلت من الإيرانيين، وهو ما يشكل حسب زئيف شيف تلاعباً بمصير(شعب إسرائيل). فالمفاعل الذي بنته روسيا لتخصيب اليورانيوم بدرجة دنيا والماء الخفيف، في «بوشهر»، أقل فعالية في إنتاج البلوتونيوم، أما مفاعل الماء الثقيل فهو أفضل بكثير لهذه الغاية، حيث ساعدت روسيا الإيرانيين في بناء هذه المنشأة مقابل عقد مقداره 800 مليون دولار أميركي، ومن المتوقع أن تكون قيد التشغيل الكامل في نهاية عام 2004، وتدميره سيكون تناولاً للمصالح الاقتصادية الروسية.
عمل كهذا قد يكون مهيئاً لأن يكون بمثابة هدية إسرائيلية لجورج بوش عشية الانتخابات الأميركية، تساعدهُ على التلطيّ وراءه لإخفاء صورة الحرب العبثية على العراق، التي لم تكشف عن أسلحة دمار شامل، فتكون (العملية) الإسرائيلية بمثابة إكمال لخطة (تحريك المستنقع)، حسب التعبير الذي يألفه المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، أو إزالة الاستقرار حسب تعبير الدول القائمة في المنطقة، وبالتالي إكمال الخطة (وإن بوسائل أخرى). الخيار الأقوى بالنسبة للأميركيين هو أن تتمكن إسرائيل من ضرب وتدمير منشآت إيران النووية، إذ أن ذلك سوف يقضي على خط كبير يتهدد إسرائيل قبل أميركا، ولهذا فلها مصلحة استراتيجية كبرى في هذا المجال. وغالباً ما يشير الإسرائيليون باهتمام كبير إلى أن 70% من سكان إسرائيل يتمركزون في مجال المدى القاتل لسلاح نووي استراتيجي يمكن ان يأتي من إيران، كما يقول برادلي أ. تاير، وهو أستاذ زميل في قسم العلوم السياسية في جامعة «مينسوتا دولوث» وهو مستشار في «جمعية راند»، عضو زميل في مركز بلفور للشؤون العلمية والدولية في جامعة هارفرد. وأهم ما في الأمر لديه، أن هجوماً كهذا ممكن وفقاً لقدرات إسرائيل العسكرية. فهي تستطيع تنفيذه مع توفر مهارة الطيارين لديها، والأسلحة والقدرة على إعادة التزود بالوقود. إذ بإمكان الطيران الإسرائيلي أن يخترق المجال الجوي للعراق والأردن لتنفيذ هذا الهجوم. وتستطيع الولايات المتحدة أن تؤمن لها، سراً، فتح المجالات الجوية. ربما يمكن استخدام قوات العمليات الخاصة أو قوات الموساد السرية مع الضربات الجوية منفردين أو منفصلين، للتأكد تماماً من تدمير المنشآت كلياً، إما من خلال القنابل أو من خلال التخريب الكامل.
إن الهجوم الإسرائيلي على المنشآت الإيرانية، سوف يخلص الولايات المتحدة من تحمل نتائج القيام بهذا العمل، ويتيح لها الفرصة لتركيز اهتمامها على حالة عدم الاستقرار الحالية في العراق، والتركيز على مجابهة تلوح في الأفق مع كوريا الشمالية.
إن تقسيم المهام ـ بأن تقوم الولايات المتحدة بمجابهة كوريا الشمالية وتقوم إسرائيل بتدمير المنشآت النووية لإيران ـ سيكون ذا فائدة قصوى للولايات المتحدة، لأنه لا بد من مجابهة كل من طهران وكوريا الشمالية في زمن قصير نسبيا، ومسالة الزمن أمر في بالغ الأهمية، عندما يتعلق الموضوع بإيقاف برنامج نووي، فهو أي البرنامج الإيراني، سيكون موجها تحديدا ضد إسرائيل وليس ضد الولايات المتحدة بصورة مباشرة، والسيناريو الموازي سيكون ملخصاً، بأن الولايات المتحدة ستشجب علانية الفعل الإسرائيلي كما فعلت بعد عام 1981، عندما أقدمت ألأخيرة على ضرب مفاعل تموز في العراق، كما أن الولايات المتحدة تستطيع بشكل قابل للتصديق، إنكار تورطها في الفعل الذي أقدمت عليه إسرائيل، مع وجود التهديد الجدي الذي تشكله الأسلحة النووية والصواريخ على إسرائيل. ومن المؤكد أن العديد من الدول في العالم الإسلامي سوف ترى أن الولايات المتحدة لن تكون مجبرة على مواجهة قوة الغضب العارم للعالم الإسلامي فيما لو قامت بهذا الهجوم.
والفائدة الأخيرة لتقسيم العمل ربما تكون ذات أهمية قصوى، لأن الهجوم الإسرائيلي هذا سوف يقلل من خطر انتقام إيران ضد ناقلات النفط في الخليج.
مهما يكن الأمر، فالسيناريو سيسير ـ غالباً ـ على النحو التالي: لن يتم الفعل العسكري مباشرة، بل ستطبق الولايات المتحدة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على إيران أولاً، وهذا ما يحدث الآن. فأميركا تحاول عزل الإيرانيين بفرض الضغط على الروس، ولو أنه لم يكن حلاً ناجحاً حتى الآن، بسبب التعاون النووي بينهما في مفاعل «بوشهر». ومن ثم، لا بد من زيادة الدعم السري للحركات المنشقة داخل وخارج إيران للتوصل إلى سقوط مثالي وسريع لنظام الحكم الحالي. ولكن هذا مستبعد مبدئياً، مع أن دعم الجماعات المنشقة يبقى مفيداً، لأنها تصبح مصادر هامة للمعلومات السرية وللقادة بعد تغيير النظام. الأمر الذي يلزم الولايات المتحدة اللجوء إلى القوة فقط إذا لم تُبد الحركات المنشقة دلائل على قدرتها في قلب النظام بالسرعة التي تمت مع ثورة 1979، وحينما تفشل الجهود الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية الشديدة في تحقيق الأهداف المطلوبة. |