|
النظام الليبرالي هو وسيلتنا لبناء الذات و مواجهة الأطماع الخارجية
إن ما قامت و تقوم به اسرائيل من اعمال لا انسانية بحق الشعب الفلسطيني , من قتل و تدمير و تهجير . و ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من أعمال مشابهة بحق الشعب العراقي , و آخرها الأعمال الإجرامية في الفلوجة و تعذيب و انتهاك حرمة و كرامة السجناء العراقيين في سجن أبو غريب , تدفع المرء للتساؤل عن حقيقة البنية السياسية في كل من هذين البلدين خصوصا و البلدان الغربية عموما , و هل يعبر الأسلوب الغربي في اسلوب تنظيم الحياة الداخلية على الصعيد السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي , عن أبعاد و قيم انسانية و أخلاقية تتجاوز حدود هذه البلدان , أم أن هذا الأمر لا يتعدى حدودها, حيث يتم التمسك بهذه القيم داخليا و اللجوء الى ممارسات تتناقض معها خارجا عندما يتعلق الأمر بمصالح هذه البلدان .
و ليس مستغربا أن تتطور النظم الليبرالية في توازن مع الحملات الإستعمارية الغربية بدءا من القرن الثامن عشر, و التي ساهمت في اغناء الدول الغربية و من ثم في ازدياد تطورها الإقتصادي و انعكس ذلك في تأمين وفرة مادية كانت كافية لدخول هذه البلدان في عصر الرفاهية . و بالمقابل في ازدياد الفقر و التخلف في البلدان المستعمرة و التي استلمتها قوى محلية بعد خروج الإستعمار من بلدانها , مستمدة سلطاتها من دعم خارجي غربي في المقام الأول , والتي عمدت الى الإلتفات الى مصالحها الشخصية الضيقة .
و اذا كانت حجة الدول الغربية في دعم نظم استبدادية هي وريثتها من التركة الإستعمارية , تكمن في ظهور القطب الشيوعي المهدد لسيطرة القطب الغربي على العالم , و بالتالي اتباع سياسة الإستقطاب المبني على التحالف مع من يقف مع الدول الغربية في مواجهة القطب الشيوعي , بغض النظر على طبيعة هذا الحليف , فإن سقوط النظم الشيوعية في العقد التاسع من القرن الماضي لم يصاحبه تغيير في طبيعة العلاقة بين الدول الغربية و الأنظمة الإستبدادية , بل على العكس من ذلك سرعان ما بحثت الدول الغربية و على رأسها الولايات المتحدة على عدو جديد , لتبرر سياسة الهيمنة و الإستيلاب و التبعية التي تتبعها مع دول العالم الثالث , و تمثل هذا العدو لاحقا فيما يعرف بالإرهاب الإسلامي الأصولي . و عاد شعار الإستقطاب للظهور من جديد و لكن بطريقة أكثر وقاحة هذه المرة عندما أعلن الرئيس الأمريكي شعاره بعد احداث الحادي عشر من أيلول : من ليس معنا فهو ضدنا . و بالتالي وجدت الأنظمة الإستبدادية فرصة جديدة للدخولها في الحلف الأمريكي الجديد لمحاربة التطرف الأصولي الإسلامي , و لكن هذه المرة مع وجود عدد كبير من الأنظمة الراكضة لتقديم الخدمات , حفاظا على الذات , و خوفا من تصنيفها في معسكر الضد . و على الحليف الأمريكي أن يحدد من هو مع و من هو ضد .
إن النظام الليبرالي الغربي يعتمد في الأساس على النجاح الإقتصادي الكفيل بانتاج وفرة مادية يستفيد منها المجتمع عموما في سد احتياجاته الأساسية , اما دور المواطن هنا فيقوم على تحديد الجهة السياسية ( و بالتالي الإقتصادية ) التي تستطيع أن تؤمن له استمرار هذا الرخاء المادي و بالتالي المعنوي , و ذلك عبر آلية الإنتخابات الديمقراطية . و من هنا لا يستغرب المرء عندما يعلم أن غالبية مواطني هذه البلدان يهمهم الشأن الداخلي , و لا شأن لهم بالسياسة الخارجية , و التي لا تستحوذ في العادة على اهتمام الناخب الغربي , الا إذا كان لهذه السياسة الخارجية انعكاسات سلبية على الداخل . و ربما كان هذا هو سبب التناقض بين مواقف السياسيين تجاه مواطنيهم من جهة و تجاه العالم الخارجي من جهة ثانية , اذ المطلوب هو تأمين المصالح الذاتية لهذه البلدان و لو على حساب أفقر بلدان العالم , و حتى لو تم اللجوء لأساليب وحشية و عنصرية و حتى اجرامية .
و اذا كان الإستعمار القديم قد انهار في اعقاب الحرب العالمية الثانية , و التفات الدول الإستعمارية الى اعادة بناء بلدانها بعد الدمار الذي أصابها في هذه الحرب , فإن أحد نتائج هذه الحرب كان ظهور قوتين أحدهما اقليمية و هي اسرائيل و الثانية دولية و هي الولايات المتحدة الأمريكية, تجمعهما علاقة استراتيجية . و الأهم من ذلك كله هو هذا التناقض الكبير بين سياستهما الداخلية القائمة على النظام الليبرالي , و سياستهما الخارجية القائمة على العنجهية و محاولة السيطرة على العالم على أساس القوة , متجاهلتين القوانين و المؤسسات و المعاهدات الدولية , و التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كضمانة لمنع استفراد قوة واحدة على العالم . و تتبع هاتان القوتان الاسلوب العسكري للهيمنة على القوى الرافضة للخضوع لها و لمشاريعها في المنطقة . أما الأمر الأكثر خطورة فهو استغلال المجتمع الدولي لتمرير سياستهما على العالم كله , في ظل غياب أي طرف محتمل يمكنه أن يقف في وجه هذه الهيمنة أحادية القطب على العالم عموما و منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص , حيث بدأت هاتان الدولتان باتباع اسلوب التدمير الذي يصل حد الإفناء للأطراف المعارضة لمصالحها في المنطقة , و اتضحت هذه السياسة العدوانية بأبشع صورها بعد أحداث الحادي عشر من أيلول , و بعد تسلم القوى اليمينية المتطرفة السلطة في كل من اسرائيل و أمريكا , حيث بدا قصف المدنيين بالطائرات الحربية و الدبابات أمر عادي في كل من فلسطين و العراق , لا يثير حتى حفيظة المجتمع الدولي .
إن هذا يعني أمرين , أولهما أن لا مصلحة حقيقية للغرب عموما و امريكا على وجه التحديد في تعميم تجربتها الداخلية المتمثلة في النظام الليبرالي الحر على الدول العربية إلا إذا كان ذلك يعبر عن مصلحة لها. فعندما لم يكن هنالك مصلحة للغرب في نشر الديمقراطية في المنطقة خلال القرنين الماضيين , فلا أعتقد أنه توجد حاليا مصلحة كهذه في هذه الفترة بالذات , حيث تعميم النظم الليبرالية في المنطقة يعني تسليم السلطة للقوى الإسلامية الراديكالية ذات الشعبية العارمة في الشارعين العربي و الإسلامي , و لا أعتقد أن الغرب يفكر في جلب عدوه ليتبوء سدة الحكم في بلداننا العربية . و ثانيهما أن المصلحة الحقيقية للشعوب العربية تكمن في اللجوء الى نظام الحكم الليبرالي , و بالتالي لا يجب أن نستعدي أو نستبعد هذا الأسلوب عن ادارة شؤون دولنا العربية كما هو حاصل هذه الأيام , عبر تبريرات مختلفة من قبيل مراعات الخصوصيات الثقافية و الدينية لمجتمعاتنا العربية . بل إن تحقيق الآمال العريضة للشعوب العربية , و مواجهة الأطماع الخارجية لأمريكا و اسرائيل في منطقتنا العربية , يكون عبر بناء مجتمعات عصرية ناهضة اقتصادية و سياسيا و اجتماعيا و علميا , و السبيل الوحيد المتوفر في هذه المرحلة هو اتباع نهج المجتمعات الغربية نفسه , أي بناء نظم ليبرالية , تعتمد على التعددية السياسية و التداول السلمي للسلطة , و هذا سيفتح المجال لبناء قاعدة اقتصادية صلبة , تعزز من مناعة النظم الديمقراطية الناشئة بدورها . فقد أثبت هذا النظام الليبرالي نجاعته كأسلوب ادارة داخلي للدولة بأبعادها السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية الثقافية و العلمية , ليس في العالم الغربي فقط بل في كثير من دول العالم الثالث أيضا , بينما أثبتت النظم السياسية المبنية على العقيدة الشمولية قومية كانت أم شيوعية أم اسلامية , عجزها عن بناء مجتمعات ذات بنية اقتصادية راسخة , تحقق من خلالها العدالة لكافة مواطنيها و قادرة على حماية حدودها من الأطماع الخارجية , بل على العكس تماما كانت مرتعا لنمو فئات صغيرة تسيطر على البلد و تسخر كافة طاقاته و ثرواته لمصالحها الأنانية الضيقة . فليسا عيبا أن نستعمل سلاح عدونا لنبني بلداننا و نحمي حدودنا من أطماعه , بل العيب أن نبقى شعوبا مشتتة و مقهورة , فاقدة لحاضرها و مستقبلها , راكضة وراء شعارات و أوهام أكل عليها الزمان و شرب . |