|
يشهد مجتمع اللاجئين في الداخل والشتات ومنذ فترة ديناميكية من نوع جديد لم يشهدها قبلا، تستوجب الوقوف والتفكير الجدي حول أهميتها ودوافعها ومنطلقاتها في هذه المرحلة التاريخية الصعبة التي تشهد بروز رؤى ومبادرات لا تخلو من مغامرة وابتعاد عما درج على تسميته بالثوابت الوطنية الفلسطينية، تتكاثف الجهود لدى اللاجئين لخلق جسم يحوي بداخله كافة القوى والمؤسسات الفاعلة في مجال العودة ، وفي هذا الإطار تأتي سلسلة اللقاءات والندوات والمؤتمرات الشعبية التي عقدت في رام الله ونابلس والفارعة وغزة وعين الحلوة وغيرها، والتي سعت من أجل خلق حالة من الوعي حول خطاب العودة داخل الأوساط الفلسطينية والعربية والدولية، وبالتالي ساهمت هذه اللقاءات في إثارة الجدل العام الموجود حاليا حول قضية اللاجئين الفلسطينيين.
ولكن الملفت للانتباه أن مؤتمرا عقد من 5 ولغاية 10 حزيران 2003 بالعاصمة البريطانية لندن تحت عنوان " المؤتمر الرابع للائتلاف الفلسطيني لحق العودة " والذي ينبئ عن بوادر تشكيل إطار موحد لكافة مؤسسات اللاجئين، حيث شارك فيه الغالبية العظمى من مؤسسات اللاجئين غير الرسمية في الأراضي الفلسطينية كاتحاد مركز الشباب واللجان الشعبية للخدمات ولجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين واتحاد المراكز النسوية ومركز بديل -الذي يقوم بدور التنسيق للائتلاف- وأبناء القرى المهجرة داخل الخط الأخضر ومجموعة "عائدون" في سوريا ولبنان وتجمع المؤسسات الأهلية الفلسطينية في لبنان ولجان العودة في فرنسا والدنمرك والسويد وهولندا وتحالف حق العودة في لندن والولايات المتحدة.
وعلى عكس المؤتمرات السابقة التي شددت على ضرورة وجود الائتلاف وتفعيل خطاب العودة، سعى لقاء لندن من أجل وضع اللمسات الأخيرة على اللائحة الداخلية للائتلاف، ليصبح بذلك إطارا أهليا فلسطينيا يعمل باعتباره مجموعة ضغط شعبية يضم بداخله جمعيات واتحادات ولجان ومؤسسات تعمل من أجل هدف واحد وهو الدفاع عن حق العودة وبقية حقوق اللاجئين.
وينطلق الائتلاف الفلسطيني لحق العودة من مسلمات أساسية على مستوى الأهداف، فهو يركز الجهد باتجاه الدفع نحو تطبيق حق العودة عمليا للاجئين وفقا للقرار 194 ، على أساس الخيار الحر بالعودة الى ديارهم الأصلية واستعادة الممتلكات والتعويض المادي والمعنوي طوال فترة اللجوء، وأيضا يركز العمل لتجنب أي اتفاقية أو أي حلول لا تتوافق مع المعايير التي تضمن حقوق اللاجئين وطموحاتهم، وأيضا يولي الائتلاف أهمية لتعزيز الجهد نحو مواجهة التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يتعرض له اللاجئين ، وتعزيز وحدة قضية اللاجئين في الوطن والشتات باعتبار اللجوء حالة جامعة، والضغط على صناع القرار من أجل وضع حقوق اللاجئين بعين الاعتبار في أية تسويات سياسية قادمة، والعمل من أجل توفير الحماية الدولية المؤقتة للاجئين الفلسطينيين في مختلف مواقع الشتات وذات الحماية لأملاكهم وعقاراتهم الواقعة تحت هيمنة المحتل الإسرائيلي لحين العودة الى ديارهم.
بصياغة الائتلاف ووضع نظامه الداخلي يكون قد بدأت مرحلة جديدة في أوساط اللاجئين تستحق الاهتمام والملاحظة فلا يمكن لأحد أن يتنبأ الى ما ستفضي إليه حركة اللاجئين هذه ، رغم كون الائتلاف يحاول الابتعاد عن كونه يحمل أي صيغة من صيغ التمثيل للاجئين، فهو ائتلاف يجري بين مؤسسات يقودها نشطاء ومفكرون وسياسيون من مختلف المشارب السياسية والفكرية والائتلاف جاء على قاعدة الهدف المحدد بخطاب العودة وليس على قاعدة الخلفية الحزبية أو الائتلاف السياسي الذي يحمل صفة التمثيل السياسي ، بل يشدد النظام الداخلي للائتلاف على كون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني كائتلاف وطني عام قاد ويقود الحركة الوطنية الفلسطينية.
وأخير لا يمكن النظر للائتلاف الفلسطيني لحق العودة بعيدا عن كونه في مستوى من مستوياته كرسالة واضحة يجب أن تحمل على محمل الجد، فاللاجئين قادرين على إيجاد الصيغ والأطر الداعمة لحقوقهم بشكل خلاق، ومن ناحية ثانية قضية اللاجئين لديها أطرها وحماتها الذين لن يترددوا في الدفاع عن حقوقهم بالعودة والتعويض واستعادة الممتلكات. وهي رسالة عميقة تحتاج للكثير من التفكير والتساؤل وإيجاد إجابات حقيقية للسؤال الأساسي الذي "يطرح بإلحاح حول الدافعية التي تحرك الفلسطيني اللاجئ المقيم في المخيم أوالحامل للجنسية الدينمركية أو الفرنسية أو الأمريكية أو السويدية لتشكيل لجان للدفاع عن حقه بالعودة، ولماذا بدأت هذه اللجان تتعزز وتتقوى على شكل ملفت للانتباه، وهل صحيح أن تحسين الوضع السكني والمعيشي والاقتصادي قادر على حل مشكلة اللاجئين أم أن هناك مستويات تحتاج الى مزيد من الفهم باعتبار اللجوء بالنسبة للاجئ تمثل حالة وجودية حياتية يومية، وهي تتعدى تحسين الوضع المعيشي بارتباطات شديدة التعقيد لها علاقة بالهوية والشخصية والوجود بحد ذاته. باحث في سوسيولوجيا اللاجئين .
|