|
رأسه فارغ .. يتكلم طول الوقت بلا توقف، بمناسبة أو بغير مناسبة.. أحاديثه هزيلة ثقيلة .. يكرر المواضيع .. يحفظ عبارات بذيئة وجمل طويلة خالية من المضامين ..يحاور في كل شيء بتفاهة وعناد .. لا يفقه شيئا .. عقله محشو بتفاهة كبيرة ، مزهوٌ بقدرته على لفت أنظار الناس إليه وهو ينطق .. قدرته علي الحفظ واسعة دون استثمار مفيد .. عندما لا يجد من يرد عليه يرد على نفسه .. بصوت مسموع يسأل وبصوت أعلى يجيب .. يغني ويستمع .. يتكلم ويصفق لنفسه .. طردوه من السوق هو وصاحبه لأنه مثله ، قليل أدب وتربية ذاك الببغاء !
ميلاد الأرقام
في عصور ما قبل الإحصاء ، صعد رجل وامرأة إلى جبل ، ليحصوا عدد السكان ، بعد سنوات نزل عشرات الأطفال ، الذين لم يعرفوا شيئاً عن ذاك الرجل و تلك المرأة .
وعي
كل الذين دخلوا غرف العمليات ، خرجوا منها وهم يتكلمون عن أشياء في قيعانهم الغريقة ... يتكلمون بحماسة المسئولين الجدد والمعتقين في المسؤولية ... غالبا لا تنجح معهم محاولات التسكيت ، فهم مخدرون لدرجة الوعي .لو أنهم شاهدوا أنفسهم كيف يتكلمون بحماسة غير عادية، لضربوا من يحاولون إسكاتهم، ولكانت خطوتهم القادمة بعد الشفاء، ترشيح أنفسهم للانتخابات الرئاسية، لكي يمرضوا بالسلطة، ذلك المرض الذي تعالجه مصحات عقلية لا تتطلب الحضور الشخصي للمريض ، بل من ينوب عنه !
نائمون
بسرعة طائرة نفاثة ، هربت موجة هائجة من زلزال أصاب قارة أسيا ... لحقت بالمواطن الذي يصطاد العقارب البحرية على خليج عمان ...هرب المواطن منها إلى بيته ، لحقته الموجة ، اقفل عليها الأبواب ، أطاحت بالأقفال ، لحقت به إلي غرفته ، اختبأ منها تحت السرير ، أزاحت عنه الأغطية ، لم تجده تحتها ، انحنت على الأرض ، سحبته من قدميه ، قالت له وهو يفيق مفزوعاً :انهض ...أنها الخامسة ..استدار على جنبه الآخر ، زافراً أثار المياه التي يفترض أنها دخلت فمه ، مطلقاً عينيه في الغرفة ، وكأنه يراها لأول مرة !
عيد خاطيء
نظر إليهم بحزن ، قيدوا رجليه ويديه من خلاف ، زاد حزنه ، شل لسانه ، تهدلت آذنيه لحديثهم المليء بالرغبة في إنهائه من الوجود ، تحدثوا عن السكين ، زاد حزنه ، رآه يلتمع بين أيديهم ، تدفق دمه ، تدفق حزنه مع الدماء ، علقوا رأسه الحزين علامة احتفال ، كانت حدقاته جميلتان حتى وهو ميت من الحزن ، سلخوا جلده الحزين ، ودهنوه بالملح ..كان ما يزال ينظر إليهم بحزن ، قطعوا لحمه وطهوه بعد دقائق من فصل رأسه عنه ، العروق التي تنتهي إلى رأسه الحزين ، موجودة في أفواههم ، حرق رأسه عشية ذبحه ، وفي المساء كان كله مجموعا بصورة متفرقة في بطونهم ، مشكلا لهم تخمة يجلبها لهم الإفراط في الآكل ، عندما يستفرغونه من أحشائهم ، سيعود ذلك الكبش الكبير إلى الحياة في شكل آخر من الحزن !
غليان
كمموا أفواههم، وربطوا ألسنتهم بثقالات كي لا تتحرك...بحث الكلام عن مخرج..فوجد فرص الإفلات مستحيلة..كانت الفتحات الإضافية في الجسد الإنساني ثغور مرورا للصوت الإنساني المحبوس بالإكراه..احدهم خرج الصوت من معدته..احدهم خرج من أصابعه..احدهم خرج من عضلاته..احدهم من آذنيه..احدهم من منخاريه..احدهم من قدميه..احدهم من جلده..احدهم من عينيه، احدهم كانت جميع فتحاته صماء، لذا كان له صوت انفجار !
تأسيس !
عندما كنت طفلة، كنت أصدق كل ما يقال أمامي..ذهبت تفاصيل تلك الأزمنة، وظلت بذاكرتي وجوه الرواة...لم ترد أن تعترف لي مع مرور الوقت بأنها لم تكن صادقة فيما روته...عندما كبرت قطعت شوطا كبيرا لكي أنسى الخاطر الذي يقول لي تذهب وجوه الناس عكس اتجاه ألسنتهم، مر الوقت وتحول ذلك الخاطر الذي ينجذب للتكذيب و للتصديق بنفس الخفة ، إلى أنا !
اثنان
تعانقا عناقا مشتعلاً.. كان مطلوبا للخدمة العسكرية ..كان مسحوبا للذهاب...طوقته جيداً عند الباب، وعند القفل أكثر، وعند المفتاح أكثر قليلاً، وعند العتبة أكثر كثيراً، وعند أول ما يظهر من الرصيف فوق الكثرة، عناقا لا تبرد حرارته مدة الغياب...انتهت حدود الرصيف، وبدأت حدود الصحراء الجافة كأنها موت، خضع للتدريب على القتل وتجنب الموت.. أصابته شظية، غادر حدود الإغماء، في غرفة الإنعاش قال لمن حوله عند حدود الوعي بنجاته:ماذا حدث للمرأة التي كانت معي ؟!
نوارة و شهرزاد
قالت نوارة لشهرزاد:لماذا تضلين نائمة حتى الظهيرة ؟تدثرت شهرزاد بالبطانية وقالت بصوت نائم :لم أنم ، أكملت ليلي انتظر الأفندي ، ولم يحضر. تثأبت نواره ... ثم قالت :ولماذا تأخر ؟لم يأت إلا عند ذهاب الأولاد للمدرسة في السابعة صباحاً ، كان يترنح وهددني بالضرب بما في يده ، إن لم أتوقف عن الكلام .وماذا كان في يده ، ساطور أم بلطة ؟لا هذا ولاذاك ، كان يحمل راديو السيارة الذي نزعه خوفاً مناللصوص .أولايصف السيارة داخل الجراج ، فلماذا يخافهم ؟! أيتها الغبية ، يوجد اللصوص داخل الراديو أيضاً ، ولا يأتون دائماً من الخارج ! وهنا توقفت نواره عن استعمال ربع العقل الذي تمتلكه ، ودق جرس المدرسة وخرج الأولاد للاستراحة ، والمعلمات للثرثرة ، وحان موعد النشرة ، وإذاعة البلاغات المحلية ، تنحنح المذيع كالعادة وشرب جرعة ماء مقطر ليذهب الشرقة ثم أكمل ما كان يشهقه أو ينهقه!
الخوف
قال والدي رحمه الله :سأضربك يعني سأضربك ، حتى لو وضعت نفسك في علبة طماطم . بعدما نلت العقاب وارتاح ضمير أبي ، فكر ضميري في علبة الطماطم ، إما في إمكانية توسيعها كمجال للحماية ، وإما تدميرها وإفشال التهديد بها خلال الأيام القادمة من المستقبل . قررت بنفسي المرور بتجربة الاختباء في علبة الطماطم المعجون ، انتقيتها حسب مواصفات مصنع المعمورة لعصر وتعليب الطماطم ، كانت نسبة الحموضة عالية بالنسبة لي وقد تبين لي بعد دخولها أن القلب تركي أو آسيوي والكتابة فقط محلية ، ذلك أنه عندما أردت الدخول طلب مني بجميع اللغات أن أكون خائف من شيء ، خفت من نظام الحكم في منزلنا على سبيل التجربة ، فإذ بي سرعان ما أنزلق لقاع العلبة الحامض ، وأصبح بين لحظة وأخرى كائن طماطمي بالمواصفات المطلوبة للتعليب المحلي . وفكرت في أن أجيء بالخوف من الداخل حتى يمكنني الشعور به ، فكرت في قتل ابن الجيران أو حرق المدرسة أو ذبح كلبة جارتنا الفنلندية ، تلذذاً بالألم الذي سيصيبها ، أو تهشيم واجهات المحلات التجارية أو سرقة بنك الأمة ، واغتصاب جميع الفتيات في المدارس الإعدادية والثانوية .ولما لم تحدث هذه الأفكار الخوف المراد ، صعدت التفكير باتجاه أفعال أشنع ، كأن ألون سمعة أحد الأشخاص بلون قاتم وأذبح أطفال رياض الأطفال في العالم الثالث والرابع ، وأبدل النساء وهن نائمات بين المخادع ، وأقص ذيول الرجال السرية وأذر ذر مكونات القنبلة الذرية في أكواب العصير لزواري وأهل زوجتي وغير ذلك .لكنني وجدت جميع تلك الأفكار مجرد مشاريع فاشلة ، بائدة مجربة وتالفة ، لم تعد تخيف بالمعدل المطلوب .وبحثت عن السبب فأجلت النظر في أركان علبة الطماطم الضيقة ولما بدأ عقلي يقول لي أن علب الطماطم غيرت المواصفات الفنية للخوف ، صرت أتمايل داخل العلبة من فرط النعاس حتى ارتطم رأسي بحافة العلبة المدببة فجرحتني ، وبدأ الدم يسيل وينفذ من جسمي دون أن أخشي من شيء يهدد صحتي . لم أجد في علبة الطماطم ما يخيف سوى أنها حمراء من كل ركن ومختومة بطابع بلادنا !
أقراش متوسطية باعتني عفاريت بيتنا لأقرا ش المتوسط ، فذاقت لحمي حتى ضاقت به فدعت صغارها للأكل وحرق الباقي .كان لحمي غير طيب وغير سريع الهضم في بطون الأسماك الصغيرة ، سبب لها الإمساك ، وكانت عيناي مفتوحتان وصغار الأسماك تنتظر أن ينتهي كبارها مني.أدخلت النقود التي ساوت ثمني ، العسل والكمون واللحم والجاوي إلى بيتنا ، فطبخت النساء كل شيء ذلك اليوم ، وأطعمنا الصغار و البعول ، وعلقت مصابيح ملونة على مدخل البيت ، وفي المساء طلع سيد العفاريت من المطبخ ، وكانت به شدة في أمعائه ، نظر الشارع ، وكان يشتهي خروج الريح منه ليستشعر الراحة ، حين هدأت الحركة وتوقف الصغار عن الأكل والضجيج بالنوم ، دخلت بهدوء إلى فراشي عيناي اللتان أكلهما سمك صغير موضوع بالثلاجة ، دخلت بردانة لفراشي ونامتا عوضاً عني ، وحلمت بأنني صرت شيئاً لا يؤكل ولا يركل ولا يمضغ ، حينها سرت القشعريرة في جسم فراشي الذي بحث عني لأدفئه !
|