الأحــد 23 أكتـوبر 2005

 Sunday 23, October 2005

سوريا ترفض تقرير ميليس لكنها تؤكد انها "ستواصل تعاونها" - واشنطن تريد عقد جلسة خاصة لمجلس الامن حول سوريا - العاهل السعودي يعين رئيسا جديدا للاستخبارات العامة واميرا جديدا للمدينة المنورة - الحكومة تبحث التقرير الدولي عن اغتيال الحريري وسط تصاعد المطالبة بتنحية الرئيس - طالباني لن يعارض عقوبة الاعدام على صدام حسين - قوات المارينز تقدم مساعدات الى شرطة الفلوجة - المغرب والمفوضية العليا للاجئين يبحثان في حماية طالبي اللجوء - البابا شنوده ينفي وجود اي اساءة للاسلام ويرفض "مؤاخذة المسيحيين على شائعات" - اعتقال ثلاثة اشخاص على ارتباط بمكافحة الارهاب في بريطانيا - الزلزال خلف 53182 قتيلا و75146 جريحا في باكستان - مقتل تسعة عناصر من الشرطة الافغانية في كمين نسب الى حركة طالبان - محافظة من اصل 13 رفضت مسودة الدستور العراقي - دعم السيستاني المبادرة العربية يمنحها زخما شيعيا ضروريا - استشهاد فلسطينيين اثنين برصاص جنود اسرائيليين في الضفة الغربية - محمود عباس: قيام دولة فلسطينية خلال رئاسة بوش ممكن - الهجرة غير الشرعية: بلير يدعو الى الضغط على جيران الاتحاد الاوروبي - الجنود الاميركيون احرقوا جثتي مقاتلين في افغانستان بسبب الرائحة "النتنة" - الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية توافقان على تسريع محادثاتهما العسكرية - واشنطن تسعى الى الهيمنة على العالم - بوينغ تستعد لتسويق طائرة بي747 "ادفانسد" قبل نهاية السنة - تقرير ميليس: تورط مسؤولين سوريين ولبنانيين في اغتيال الحريري - بولتون: التورط السوري في اغتيال الحريري يتطلب تحركا من الامم المتحدة - "عصبة تشيني-رامسفلد" غيرت السياسة الخارجية الاميركية - قتلى زلزال باكستان تجاوزوا 51300 وحاجة عاجلة لارسال خيم - كرزاي "يشعر بحزن كبير وصدمة" للاتهامات بحرق جثث في افغانستان - شافيز يتهم الولايات المتحدة بالاعداد لاجتياح فنزويلا للاستحواذ على نفطها - توقيف وزير ثان واتهامه بالتآمر ضد الدولة في اذربيجان - مقتل ثلاثة جنود عراقيين في هجوم شمال بغداد - مقتل محامي دفاع عن احد معاوني صدام حسين بعد خطفه - بوش يرفض التعهد باقامة دولة فلسطينية قبل انتهاء ولايته - الجيش الاسرائيلي يعلن ان القيود على حركة المرور "موقتة" - البرلمان المغربي يصادق على قانون الاحزاب السياسية - دمشق ترفض تقرير ميليس لانه "بعيد من الحقيقة" و"ضد سوريا" - ابرز نقاط تقرير لجنة التحقيق الدولية حول اغتيال الحريري - مسؤولة اميركية بارزة تزور جنوب السودان لمناقشة اتفاق السلام - تفريق متظاهرين مسلمين بعد ان هاجموا كنيسة في مصر - موسى يؤكد وجود "مصاعب" رغم "اطمئنانه" الى التجاوب - الرئيس الصيني في كوريا الشمالية الاسبوع المقبل - الضغوط تزداد على لحود بعد نشر تقرير ميليس - محامية تسرد تفاصيل "المعاملة الوحشية" لمعتقلي غوانتانامو المضربين عن الطعام - فتح تحقيق في قضية جنود اميركيين متهمين بحرق جثث في افغانستان - محاكمة صدام حسين ترسخ شعور السنة بالامتعاض وارتياح الشيعة والاكراد - عباس يؤكد العمل على "ضمان الهدنة ومنع المظاهر المسلحة" - عودة ولي العهد الكويتي الى بلاده بعد فحوصات طبية في لندن - رامسفلد يعرب عن قلقه حيال القدرات النووية للجيش الصيني - ايران لديها ادلة على ضلوع بريطانيا في اعتداءي الاهواز - بشار الاسد يؤكد عدم تورط سوريا في اغتيال الحريري - فابيان نيراك تطالب ب"دليل" على وفاة زوجها في العراق - الجيش الاسرائيلي يوزع منشورات تحض الفلسطينيين على معارضة العمليات المسلحة - فندق فلسطين: الجنود تصرفوا "بطريقة مناسبة" - جرح احد المدافعين المعروفين عن حقوق الانسان بعد تعرضه للضرب في دمشق - تظاهرة في الرباط ضد مشروع قانون حول الاحزاب السياسية - الجعفري لا يمانع في عقد مؤتمر مصالحة شرط الا يشارك فيه "ارهابيون او بعثيون" - لبنان يتوقع تسلم تقرير ميليس الجمعة - الخارجية الفرنسية تنفي المعلومات عن مشروع قرار ضد سوريا في الامم المتحدة - مقتل اربعة عراقيين وجرح 14 آخرين في عملية انتحارية بسيارة مفخخة في بعقوبة - اعتقال ابن الاخ غير الشقيق لصدام حسين بتهمة التحريض على العنف - اطلاق سراح جميع المشتبه فيهم في اطار التحقيق في اعتداءات بالي -

الصفحة الرئيسية

 

 

 

د. أبو محمد

أحمد أبو القاسم

الســـــامــر

د. السيد عوض عثمان

دينا أديب الشهوان

م. رامي سعد

سلطانة السنجاري

سهيل عمورة

فدوى البرغوثي

مدني قصري

يوسف شحادة

إباء إسماعيل

د. إبراهيم أبراش

إبراهيم أبو الهيجاء

إبراهيم العسعس

د. إبراهيم حمامي

إبراهيم عبدالعزيز

د. إبراهيم علوش

إبراهيم محسن المدهون

أبو حسرة الأيوبي

أبو طالب شبوب

أحمد حسين أشقر

أحمد أبو حسين

أحمـد أبو صلاح

أحمد أبوزينة

أحمد أسد

أحمد أشقر

أحمد الآفغاني

أحمد الحلواني

د. أحمد الخميسي

أحمد الريماوي

أحمد الطائي

د. أحمد الطّيبي

أحمد العطاونة

أحمد العيلة

أحمد اليازجي

أحمد حازم

أحمد رمضان

أحمد سعدات

د. أحمد عارف الكفارنة

أحمد عبد الزهرة الكعبي

أحمد فهمي

أحمد محمد الجمالي

د. أحمد محمد بحر

د. أحمد محيسن

أحمد منصور الباسل

أحمد مهنا

أسامة سعد الدين

م. أسامة عليان

د. أسامه محمد أبو نحل

د. أسعد عبدالرحمن

إسلام شمس الدين

إسماعيل الثوابتة

إسماعيل محمد علي

إصدارات

إعتراف الريماوي

أكرم أبو سمرة

د. إلياس عاقلة

إلياس فضيل

إمتياز المغربي

آمنة حجاج

أمية جحا

أمير أوغلو

أمير مخول

أمين الإمام

أمين الغفاري

أنور حمام

م. أوزجان يشار

أيمن الجندي

أيـمن الـسمـيري

أيمن السميري

أيمن اللبدي

أيمن نزال

أيـــــوب

د. الأسمر البدري

الأمير/ تركي بن بندر

البتول الهاشمية

التجاني بولعوالي

الجوهرة القويضي

الحقائق

الحقائق الثقافية

الطيب لسلوس

المتوكل طه

المصطفى العسري

باسم الهيجاوي

د. بثينة شعبان

م. بدر الدين مدوخ

برهوم جرايسي

بريهان قمق

بسام الصالحي

بسام جودة

بشار إبراهيم

د. بكر أبو بكر

بلال الحسن

بلال غيث

بن يونس ماجن

بندر الشراري

بيان صالح

بيسان سيف

تركي عامر

توفيق أبو شومر

توفيق الحاج

د. تيسير مشارقة

تيسير نصر الله

تيسير نظمي

د. ثائر دوري

د. ثابت عكاوي

جاسر الجاسر

جاك خزمو

جبر شعث

جمال القريوتي

جميل حامد

د. جهاد الحبسي

جهاد العسكر

جهاد هديب

د. جوني منصور

د. حارث الضاري

حازم أبو شنب

حازم بعلوشة

حسام أبو حامد

حسام بارود

حسام جحجوح

حسام خضر

حسام شحادة

د. حسن أبو حشيش

حسن الحسن

حسن العاصي

حسن شعراوي

حسن عبد العظيم

د. حسناء القنيعير

د. حسين المناصرة

حسين سليمان

حسين قبلاوي

حفيظ الرحمن الأعظمي

حمد المسماري

حمدي البكاري

حمود المحمود

حميد مجاهد

حنا عميره

حنان الزريعي

حنان بديع

حياة الحويك عطية

د. حيدر عبد الشافي

خالد البلعاسي

د. خالد الخالدي

خالد السروجي

خالد المالك

خالد بركات

د. خالد بن عبدالعزيز الشريدة

خالد سليمان اليحيا

د. خالد عبدالله

د. خالد محمد صافي

خالد منصور

خديجة عليموسى

خلود الشمري

خليل العناني

خيريه رضوان يحيى

ديمة طارق طهبوب

دينا سليم

رائد الحامد

رائد عبد الرازق

د. رابعة حمو

راشد الغنوشي

رامي دعيبس

رانية إرشيد

رجا زعاترة

رحاب ضاهر

رزق شقير

رزكار عقراوي

رشاد أبو شاور

رشيد الجشي

رضا محافظي

رضا محمد العراقي

رضا محمد لاري

رمضان عرابي

رنا فتحي الشرافي

رياض أبو بكر

رياض خميس

ريان الشققي

ريتا عودة

ريما محمد مطيع

زكريا المدهون

زكية خيرهم

زهير أندراوس

د. زياد الصالح

زياد خداش

زياد مشهور مبسلط

سامح العريقي

سري القدوة

سري سمور

سرى محمد خيري

سعاد جبر

سعاد قادر

د. سعادة عبدالرحيم خليل

سعود الأسدي

سعود البلوي

سعود الشيباني

م. سعيد المسحال

د. سعيد بن محمد المليص

سعيد شبير

سعيد مبشور

د. سعيد محمد أبو صافي

د. سلمان أبو سته

سلمان الشامي

سلمان ناطور

د. سليم الحص

سليم الزريعي

سليم الشريف

سليم نقولا محسن

سليمان الربعي

سليمان العقيلي

سليمان عباسي

سليمان نزال

د. سمير أبو حامد

سمير جبور

سمير حمتو

د. سمير قديح

سناء السعيد

سهيل أبو زهير

سوزان خواتمي

سوسن البرغوتي

سيد أحمد البخيت

د. سيد محمد الداعور

سيد يونس

د. سيف الدين الطاهر

سيف الدين محاسنة

شاكر الجوهري

د. شاكر شبير

شفيق حبيب

شكري شيخاني

صادق أمين

صادق حسين فتال

صالح السويسي

د. صالح عبد الرحمن المانع

د. صبري بيروتي

صبري حجير

صحف عبرية

صخر حبش

صقر أبو فخر

صلاح الدين غزال

صلاح حاتم

صلاح مومني

ضياء ثروت الجبالي

طارق أبو زيد

م. طارق حمدي

طاهر النونو

د. طلال الشريف

طلال الغوّار

د. ظافر مقدادي

عائشة الخواجا الرازم

عابد عبيد الزريعي

عادل أبوهاشم

عادل الجوهري

عادل جودة

عادل سالم

د. عادل سمارة

د. عاصم خليل

عامر راشد

عامر عبد المنعم

عبد الرحيم جاموس

عبد الرحيم عبد الخالق

عبد الرحيم نصار

عبد السلام بن ادريس

عبد الشافي صيام

عبد العزيز الصقيري

د. عبد الغني عماد

د. عبد القادر حسين ياسين

عبد القادر حميدة

عبد الكريم الخريجي

عبد الكريم عبد الرحيم

عبد اللطيف مهنا

م. عبد الله الحمد

عبد الله السناوي

د. عبد الله النفيسي

عبد الله بن خالد الشلهوب

د. عبد الله لعماري

عبد المنعم محمّد خير إسبير

عبد الناصر عبد الهادي

عبد الواحد استيتو

عبد الوهاب القطب

عبدالحكيم الفقيه

د. عبدالرحمن العشماوي

عبدالرحمن عبدالوهاب

د. عبدالستار قاسم

د. عبدالعزيزالرنتيسي

عبدالله السعد

عبدالله الصادق

عبدالله القاق

عبدالله المعراوي

عبدالمنعم محمد الشيراوي

عبدالهادي مرهون

عبلة درويش

عبير سلامة

عبير قبطي

عبير ياسين

عدنان أبو شبيكة

عدنان أبو عامر

عدنان الصباح

د. عدنان حافظ الرمالي

عدنان علي

عدنان كنفاني

عرفان نظام الدين

عز الدين اللواج

عزة دسوقي

د. عزمي بشارة

عزيزة نوفل

عصام البغدادي

عصام العول

د. عصام علي عدوان

عطرالندى سعادة (ياسمين)

د. علاء أبوعامر

د. علاء أمين

علاء بيومي

علي ابوهلال

علي البطة

علي الجفال

د. علي بن شويل القرني

علي حسين باكير

عماد الحديدي

د. عماد الفالوجي

د. عماد فوزي شعيبي

عمر إبراهيم الشلال

عمر أبو الهيجاء

عمر الخلفات

د. عمر الفاتحي

عيسى قراقع

غازي الأحمد

غازي السعدي

غازي العريضي

د. غازي القصيبي

غسان نمر

م. فاتن نور

فادي خليل الزبن

فادي سعد

فادي عاصلة

فارس بن حزام

د. فاروق مواسي

فاضل الربيعي

فاضل بشناق

فاطمة ناعوت

د. فايز صلاح أبو شمالة

فتح الرحمن محمد يوسف

فتحي درويش

فتحي عبدا لله النجار

فتيحة أعرور

فداء المدهون

فراس جابر

فريد أبو سعدة

فريدة العاطفي (أفروديت)

فواز اليحيى

د. فوزي الأسمر

فوزي الديماسي

فيصل الشبيبي

د. فيصل الفهد

د. فيصل القاسم

فينوس فائق

قضايا وآراء

كُليزار أنـور

لبكم الكنتاوي

ليث الصالح

ليلي أورفه لي

ليليان بشارة منصور

مؤمن بسيسو

مأمون هارون هاشم رشيد

مؤيد البرغوثي

ماجد أبو غوش

ماجد عاطف

ماجدولين الرفاعي

مازن الزيادي

مازن المنصور

د. مانع سعيد العتيبة

ماهر عباس

ماهر منصور

د. مجدي عاشور

محمد الخامري

د. محمد إبراهيم المدهون

د. محمد أيوب

د. محمد احمد النابلسي

محمد البغدادي

محمد الحمد

محمد الرشيدي

محمد الرطيان

محمد الزامـل

محمد السائحي

محمـد العبـد اللـه

د. محمد العبيدي

محمد العطيفي

د. محمد الغزي

محمد الفوز

محمد القيسي

محمد الكيالي

محمد بركة

محمد بن ناصر الأسمري

محمد تاج الدين

محمد تامالت

محمد حسن الخالصي

محمد حسنين هيكل

د. محمد حسين المومني

محمد حلمي الريشة

محمد خضر

محمد درويش

محمد رمضان

محمد سباعنة

د. محمد سعدي الأشقر

محمد سعيد الريحاني

محمد سماعنة

محمد شومان

محمد صلاح الحربي

د. محمد عابد الجابري

محمد عبدالرحمن عويس

محمد عبدالله محمد

محمد عثمان الحربي

محمد فؤاد المغازي

محمد كاديك

د. محمد ناصر الخوالده

د. محمد يوسف المقريف

محمود الخطيب

محمود العزامي

محمود بركات

محمود درويش

محمود كعوش

محمود منير

محيي الدين ابراهيم

مروان شحادة

مروان مخّول

مسعد حجازي

مشعل المحيسن

د. مصطفى البرغوثي

مصطفى شهاب

مصطفى عبد الوارث

مصطفى فتحي

معروف موسى

مفيد البلداوي

منذر أرشيد

د. منذر الشريف

منى كريم

منى وفيق

منير أبو راس

منير أبو رزق

منير شفيق

منير صالح

مها عبود باعشن

مهند صلاحات

موسى أبو كرش

موسى حوامدة

موفق السواد

موفق مطر

ميثم عبدالرحمن عبيد

ميرفت الشرقاوي

ميساء قرعان

ميسر الشمري

نائل نخلة

د. ناجي شراب

ناجي ظاهر

نادر القصير

ناصر البراق

ناصر السهلي

م. ناصر ثابت

ناصر دمج

ناصر عبد المجيد الحريري

ناصر عطاالله

ناصر عويص

ناظم الشواف

نايف الشمري

نايف حواتمة

نبيل السعدون

نبيل السهلي

نبيل شبيب

د. نبيل عثمان

نبيل فهد المعجل

نجاح محمد علي

د. نجم عبد الكريم

نجمة حبيب

نجوى بن شتوان

نجوى شمعون

د. نجوى مجدي مجاهد

ندى الحايك خزمو

ندى الدانا

د. نزار عبد القادر ريان

نزار قباني

نزيه حسون

نسرين طرابلسي

نسرين مغربي

نسيم زيتون

نصار الصادق الحاج

نضال التلولي

نضال حمد

نضال فتحي العرابــيد

نضال كدو

نضال نجار

نضير الخزرجي

نعيمة عماشة

نفين أبو العز

نهلة المعراوي

نواف الزرو

نواف عثامنة

نور الدين بازين

م. نور الدين عواد

د. هارون خالد

هاني شحادة الخوري

هداية درويش

د. هشام عوكل

همدرد أبو أحمد

هيا الشريف

هيثم أبو الغزلان

وجيه مطر

وحيد عبد السيد

ورود الموسوي

وضحة المسجّن

وليد العوض

وليد الفاهوم

وليد بن أحمد الرواف

وليد رباح

وليد ظاهر

وليد ياسين

ياسر أبو هين

ياسر الكنعان

ياسر سعد

ياسر نزال

يحي أبو زكريا

يحي السماوي

يحيى رباح

يحيى عايش

يعقوب القوره

يعقوب محمد

يوسف الشرقاوي

يوسف العمايرة

يوسف عبد الله

د. يوسف مكي

يونس العموري


أمية جحا

 

  المحرر الثقافي

حول الضوء ..8 / هل يطبّع الضوء؟


  ملفات الثقافية

فصليات وتراجم


  رشاد أبو شاور

كوكبنا الهش


  محمد الأصفر

مني الشيطان


  حنان الزريعي

طُرُقاتٌ مثقلةٌ ..خجِلة


  فاطمة ناعوت

شرفة


  د.حسين سلمان

قراءة نقدية في رواية دابادا


  د.جوني منصور

رواية "العشّاق" لرشاد أبو شاور:


  أحمد أشقر

بنو يِسْرائيل و الجنس ..!


  د.محمد ناصر الخوالدة

الصورة الفنية في شعرالخنســــاء


  أحمد الخميسي

علاء الأسواني وروايته التي أثارت ضجة


  فوزي الديماسي

الصوت المسجور


  حمد المسماري

رد قلمــي وفـرح الكتـابـة


  عبد الكريم عبد الرحيم

في مطلع القول غموض


  حسام أبو حامد

الفلسفة تمتطي حصان الأدب


  د.يوسف شحادة

زهرة من العالم الآخر


  مها باعشن

صوب الوجود


  وضحى المسجّن

أضوءُ من حُلم..


  رحاب ضاهر

راتب مغر


  ليليان منصور

زمن قليل


  نجوى شمعون

وردة الجرح المحاصر


  ريما محمد

الوصول...!!


  فاتن نور

توجعات.. بلا هوية


  فريدة العاطفي

قال لي...


  ماجدولين الرفاعي

أنا هدى يا أبي ...!


  رانيا ارشيد

صَدى مُسوّدَةِ ضَوئِهِ


  نجوى بن شتوان

نادر النادر!


  شفيق حبيب

حُلْمُ الشَّيطان..


  محمد حلمي الريشة

رَغْوَةٌ


  باسم الهيجاوي

صور ملونة


  محمد سعيد الريحاني

موسم الهجرة إلى أي مكان


  سعود الأسدي

طبعه جديدِه عن مخطوطة يبوس


  سلمان ناطور

النقد الأدبي داخل فلسطين 48


  أحمد الكعبي

محاولة للطيران


  صلاح الدين غزال

وَادِي المَوْت


  نور الدين بازين

يا ذات البين..!


  عبد المنعم اسبير

عَـدْلُ قضـاءِ الله ....!


  ناصر عطا الله

في القدس


  د.فاروق مواسي

قراءة في سيرة سهيل إدريس الذاتية


  سيف محاسنة

عراق


  أبجدية خاصة

رانية إرشيد


  بسمة لوزية

آمال عوّاد


  وتريات

فريدة العاطفي


كـتاب الحـقـائق  |   الأرشـيف  |    للإتصال بنـا

  إستطلاعات الرأي

 

 

   محمد حسنين هيكل

صحفي وكاتب مصري

  5/26/2003

إمبــــــراطــــور مـن تــكســــــاس !

 

خطر على بالي أن هناك حاجة إلى كلمة عن مهمة كاتب اختار لنفسه مجلة شهرية بعيدة عن أعمدة الصحف اليومية وزحامها وظروفها أيضاً!
وخطر على بالي أنني في هذا الصدد أستطيع أن أحدد عدة أغراض لا يصحّ لهذا الكاتب أن يطمح إلى غيرها:
1- في مهمته استثارة الذاكرة حتى تترابط الحوادث وتتأكد طبيعتها تياراً يتدفق وموجات تتلاحق، يتواصل بها الأمس واليوم، مع المنتظر والمحتمل.
2- وفي مهمته أن يبحث في الحاضر ويطيل النظر إليه بجهد يتجاوز العارض والعابر حتى يركّز على فهم سياقه ومعناه ودلالته.
3- وفي مهمته أن يقدم ما يمكن أن يكون حواراً هادئاً مع الناس والأفكار ومع العصر والتاريخ ويستدعي الاهتمام بالشأن العام.
4-  وفي مهمته أخيراً أن يقوم بدور يشبه ما يقوم به الراصد الجوي، بحيث يكون قارئه مستعداً لتقلبات الطقس، فلا تدهمه على غير تنبه وتحوّط، فإذا وقعت مفاجأة وجد أمامه بابا أو أبوابا لها مفاتيح قد تتوافق مع الأقفال.
في هذه الحدود عليه أن يمارس مهمته يصيب مرة أو يخطئ، وينجح مرة أو يفشل ويجرب دائماً، فإذا استطاع الوصول فقد أضاف، وإذا لم يصل فقد غطّى جزءاً من الساحة.
تلك هي الحدود... أو كذلك أتصوّر، ولعلي لم أخطئ كثيرا لم أقصر دون الحدود، ولم أتجاوز بعدها!

أولاً:

الإمساك بالبيت الأبيض
وبالقرن الحادي والعشرين!

** لم يتنبّه كثيرون في العالم على الأقل بالقدر الكافي لانتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة (نوفمبر 2000) لأن معظم المراقبين اكتفوا بالنظر إلى ما يجري على واجهة المسرح، ولم تلفتهم كما كان لازماً تلك الحركة الهادئة التي تمشي وراء الكواليس حيث يتواجد المشرفون والمديرون والمخرجون والفنيون من كل اختصاص، وكان الاهتمام بهؤلاء أوجب، لأن حركتهم كانت بمثابة التحضير للعرض بما فيه بلورة الفكرة، وكتابة النص، وترتيب المشاهد، واختيار الأبطال، والتأكد من تطابق شخصياتهم مع أدوارهم حين يرتفع الستار ويبدأ حوار المشاهد ويتواصل نحو مقاصده.
    
     وكما بدا فإن معظم المراقبين للمعركة الانتخابية الرئاسية (سنة 2000) ركزوا على مرشحين واجه كلاهما الآخر في المناظرات الانتخابية أمام عدسات التلفزيون، ثم أجمعوا على أنها منافسة بين السطحية و الملل ( جورج بوش عن الحزب الجمهوري و آل غور عن الحزب الديمقراطي) وهي على هذا النحو منافسة تستحق أن يخسر فيها الرجلان معاً لو كان ذلك ممكناً، وهو لسوء الحظ لم يكن، وبالتالي فإن الولايات المتحدة خطت إلى قرن جديد (الحادي والعشرين) وفي البيت الأبيض رجل يمثل عوامل الضعف الأميركي ولا يمثل عوامل القوة بمعنى أن ذلك التردي على مستوى القيادة الأميركية العليا، والذي زاد مع فضائح بيل كلينتون في البيت الأبيض سوف يستمر ويواصل نزوله على السفوح بأساليب أخرى تؤدي فيها التفاهة أو الملل في عهد جورج بوش الابن أو آل غور ما صنعه الشباب أو الجنس زمن رئاسة بيل كلينتون الذي قضى في البيت الأبيض فترتين رئاسيتين: الأولى: منهما استعراض لفتوة الشباب ووعدها المتحفّز، والثانية: عرض للضعف الأخلاقي والمعنوي أفقد مركز القرار مهابته.
     لكن تلك كانت نظرة تركز على الواجهة لا تتجاوزها إلى ما وراءها أو إلى ما سبقها، بظن أن الواجهة تكفي للحكم على أي عمل باعتبار أن المرئي يغني عن المخفي ولم تكن تلك كل الحقيقة!
-----------------
-----------------
     في ذلك الوقت لم يتنبّه كثيرون على الأقل بالقدر الكافي إلى أن هناك فكرة إمبراطورية تملكت الولايات المتحدة، وأن هذه الفكرة تمكنت بعد سقوط حائط برلين (1989) وما تلاه من تداعي الاتحاد السوفياتي، ثم إن هذه الفكرة طرحت نفسها بإلحاح في ظروف حرب الخليج الثانية التي هيأت للقوة الأميركية فرصة تمارس فيها تجريب ترسانتها الإلكترونية المتطورة في ميدان قتال، ورغم أن الهدف المُعلن في تلك الحرب كان تحرير الكويت (نفط الخليج) فإن الهدف الثاني بعده بان درساً تعطيه أميركا للعالم بالذخيرة الحية في فاعلية البطش لا ينساه أحد!

     وكان مغزى هذا الدرس أن يفهم العالم وليس فقط أن يعرف العراق أن الولايات المتحدة الأميركية لديها الإرادة ولديها الوسائل التي تضمن لها ما لا يصح لطرف أن يجاريها فيه، فضلا عن أن يتحداها عليه.
     وكما يتأكد الآن فإن تلك الحرب (حرب الخليج الثانية) كانت في جانب مهم منها رسالة موجهة إلى العالم بأنه زمن تاريخي مختلف وأنه أميركي في الإعلام والخرائط والبوصلات!

     وبالفعل فإنه بعد تحرير الكويت راحت إدارة بوش الأب تركز على فكرة رئيسية شاغلها: كيف يمكن تحويل السابقة التي عاشها الشرق الأوسط أوائل سنة 1991 إلى قانون عام يسود ويتحكم في القرن القادم (الحادي والعشرين).

     والقصد أنه إذا كان القرن العشرون هو قرن الصعود الإمبراطوري الأميركي فإن القرن الحادي والعشرين عليه أن يكون قرن التعزيز الإمبراطوري الأميركي، بما يرسي الدعائم في عمق الأرض ويعلي السقف إلى بعد الفضاء، وكان المفروض أن يكون ذلك هو شاغل إدارة جورج بوش (الأب) عندما يُعاد انتخابه كما كان متوقّعاً لمدة رئاسة ثانية، وقد بدا لمن يعنيهم أمرها أنها في اليد شبه مضمونة أو مضمونة بالكامل!
    
     كان اعتمادهم أن رئاسة بوش الأولى (1988 1992) قامت بخطوتها الواسعة على طريق التعزيز الإمبراطوري - بمقدرة وكفاءة:

    - ضربت ضربتها في المواقع الصحيحة من الناحية الاستراتيجية، عندما وجهتها نحو الشرق الأوسط وهو المساحة المكشوفة بين آسيا وكتلها البشرية الكبيرة (الصين والهند) وبين أوروبا (ودولها الصناعية القوية)، وبالتالي تحقق الاختراق نافذاً حتى النخاع.

   - ثم إن هذا النفاذ تمثل في انتشار عسكري واسع مد يده وقدمه! إلى أغنى منابع البترول (الذي أكد نفسه، رغم شكوك راودت البعض، باعتباره السلعة الأكثر ندرة والأكثر قدرة على الوفاء بمطالب التقدم والرخاء على الأقل حتى ثلث القرن الجديد).

   - ومع أن هذا النفاذ حقق مطلبه بواسطة تحالف دولي واسع فإن الولايات المتحدة كانت هي التي رصت أطرافه، وتقدمت صفوفه، ونظمت خُطاه، وضربت باسمه، وقد مشى هذا التحالف وراءها مسلّماً لها بالقيادة مبهوراً بما ظهر من أدوات قوتها سواء بومض النار أو بوهج الأفكار يشيّعها إعلام تفوق في استعمال إلكترونيات توجيه وتركيز السلاح، وبالدرجة نفسها في نقل ونشر الصور، وكان سابقاً في الحالتين!

    - زاد على ذلك أن النفاذ الأميركي استطاع أن يعثر على ذرائعه القانونية والأخلاقية، لأن تلك الحرب في الخليج سنة 1991 بدت لكثيرين حرب تحرير لبلد صغير أغار عليه جار أقوى منه، وذلك أثار فزعه ودفعه إلى طلب النجدة من مصادرها، وقد وصلت النجدة بالفعل إلى طالبها قبل أن يوجّه طلبه كتابة أو شفاهة - لأن خطاً أحمر وقع تجاوزه، وذلك أخطر من حق الجيرة ومن حق القانون معاً!

    - وعليه كان التقدير أن جورج بوش (الأب) على خلفية حرب تحرير الكويت، سوف يحصل يقيناً على رئاسة ثانية تتم فيها عملية التعزيز الإمبراطوري وتأكيد ثلاثة أهداف:

  * سيطرة أميركية مطلقة في العالم، غير قابلة للمناقشة أو التحدي (الآن وفي المستقبل أيضاً).
  * سيطرة مباشرة على منابع النفط تتحكّم في إنتاجه وتقنين استهلاكه (سواء بضبط الحصص أو توجيه جزء من الموارد للبحث عن بدائل، لأن النفط مورد مستنفَد وما هو معروف عن مخزونه يغطي نصف هذا القرن بالكاد).
  * ونفاذ غائر وراسخ في منطقة هي على الخريطة قلب العالم ومفترق طرقه البرية والجوية والبحرية ولا تزال (لأن التكنولوجيا مهما حققت لا تستطيع إلغاء الجغرافيا، باعتبارها الجسم الطبيعي لكوكب الأرض مهما قال وقيل).
----------------
----------------
     لكن غير المتوقع يحدث دائما (باستعارة عنوان قصة مشهورة لأندريه موروا) وذلك ما جرى حين خسر جورج بوش (الأب) معركته الانتخابية وسقط أمام مرشح آخر مجهول من ولاية أركانساس أطلق شعارا سحريا لمس فيه نبض الشعب الأميركي بقوله إنه الاقتصاد يا غبي - موجّها الخطاب بالطبع إلى الرجل الحالم بتعزيز الإمبراطورية الأميركية دون أن يتنبه إلى أن الاقتصاد الأميركي متعب مرهق، فقد خرج من الحرب الباردة مستنزفاً، بشاهد أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر بلد مدين في العالم، كما أن ظاهر رخائه يعود في صلبه إلى أن أموال الآخرين تدفقت عليه بحثا عن ملاذ بعيد يمكن أن يكون آمناً (وضمن هذه الأموال فوائض البترول).

    وقد نجح كلينتون لكن المشروع الإمبراطوري الكبير الذي تجلى لإدارة جورج بوش (الأب) ولأقطابها لم يسقط، فلم يكن ذلك المشروع هو المطروح على الناخبين لأن المشروعات التاريخية الكبرى أوسع من الضرورات اليومية المؤثرة مباشرة على صناديق الاقتراع!

    ومن المفارقات أن الخطوط الرئيسية للمشروع الإمبراطوري كتبت وثيقة على الورق في شهر مارس سنة 1992، أي بعد دخول كلينتون إلى البيت الأبيض بخمسة أسابيع، وتحت إشراف وزير الدفاع السابق ريتشارد تشيني ، وكان القائم على صياغتها معاوناً مقرباً منه هو زالماي خالد زاده (وهو الآن مبعوث الرئيس بوش (الابن) للإشراف على ترتيب الأوضاع في أفغانستان وقد انتقل أخيرا إلى مهمة أخرى هي العراق قبل حرب أميركا ضده وبعدها).

    وحتى هذه اللحظة وبعد إحدى عشرة سنة من كتابة تلك الوثيقة، فإن قراءتها (وهي مدرجة في ملفات مجلس الأمن القومي) يظل مفيدا وكاشفا لكثير جرى من وقتها وحتى الآن.
   وتقول الوثيقة في مقدمتها بالنص:
   إن الولايات المتحدة الأميركية عليها أن تعمل بكل جهدها حتى تتأكد من أن أي قوة منافسة (أو صديقة) في أي مكان في العالم لن تبلغ مكانة توازي مكانتها في القوة وعواملها.
إن هذه المهمة في مقدور الولايات المتحدة وهي تستطيع أداءها عندما تتصرف باسم القوى الصناعية الكبرى في العالم بعد إقناع تلك القوى بأن الولايات المتحدة سوف تراعي مصالحها المشروعة وتحميها بقوتها العسكرية الغالبة، وعلى هذا الأساس فإن الولايات المتحدة مطالبة بإيجاد الآليات التي تضمن ردع أية قوة منافسة لها ورد طمعها أو طموحها إلى القيام بدور إقليمي أو عالمي أكبر.

    وعلى مثل هذه القوى الطامعة - أو الطامحة- إلى أدوار كبيرة ومنها ألمانيا واليابان وروسيا والصين أن تفهم مبكرا أن أية محاولة من جانبها لدخول مجال الأسلحة النووية أو زيادة ترسانتها على ما هو موجود فيها سوف تلقى مقاومة شديدة تتولد من الشك في نواياها ودواعيها إلى زيادة قوتها العسكرية، وحينئذ فإن مثل هذه القوى لا بد أن تفهم أن ذلك سوف يضعها سواء قصدت أو لم تقصد على طريق "صدام" مع الولايات المتحدة، وعليه فإن الولايات المتحدة لا بد أن تظهر استعدادها مبكراً لمنع أية درجة من درجات الانتشار لأسلحة الدمار الشامل لكي يتأكد للجميع تصميمها على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة مثل هذه الاحتمالات، سواء كان ذلك بطريقة جماعية أو بطريقة منفردة .
----------------
----------------
    [ومؤدى الموضوع في هذه النقطة أن حدود السلاح لدى أي دولة في العالم اليوم، هي حدود ما هو موجود لديها الآن فعلاً، ولا يحق لدولة منها أن تتجاوزه، وهنا يتكشف أن العالم أمام مشكلة على الطريق بعيدا عن العراق ووراءه، وأن هناك مضاعفات واسعة المدى تترتب عليها ولعل تلك معركة الغد وما يليه].
----------------
----------------
    وكانت إدارة بيل كلينتون بحقائق الأشياء واعية بأهمية المشروع الإمبراطوري الأميركي، مطلعة على وثائقه لكنها كانت عازمة على تحقيقه بمزاجها وليس بمزاج أصحابه الجمهوريين الأصليين، ولدى إدارة كلينتون في ذلك سببين:
   * من ناحية لأن تلك الإدارة أعطت الأولوية للاقتصاد (وبلغت في شأنه درجة مقبولة من النجاح).
   * ومن ناحية أخرى لأن إدارة كلينتون آثرت أن تتخذ مع بقية العالم أسلوبا أكثر نعومة (يعتمد الحرير بديلا عن الحديد).

[ والحقيقة أن كلينتون كان خليطا من متناقضات شديدة، بعضها يشده إلى النجاح وبعضها يُقعده مع الفشل:

   * فهو من الأول شاب ذكي، موصول إلى درجة كبيرة بروح عصره، وذلك تجلّى في برامجه الاجتماعية التي أعطت الولايات المتحدة فرصة لاستيعاب التحولات التكنولوجية الهائلة دون ضغط على أعصاب الناس أو على مستوى معيشتهم أو على فرصهم في العمل.
   * وهنا فإن إدارته حققت أدنى نسبة بطالة وأعلى نسبة فائض في الميزانية (رغم استمرار التزايد في الدين العام الأميركي).
   * يلي ذلك أن كلينتون أدرك أن مشروع أميركا الإمبراطوري يصعب تنفيذه بتجاهل أوروبا (أو كتل آسيا البشرية الكُبرى التي سارعت لتلحق بأسباب التقدم)، وكذلك استقرت إدارة كلينتون على أفضلية السماح بقيام مجلس إدارة لشؤون العالم له رئيس وعضو منتدب يمثل أغلبية أسهم الشركة الدولية، وذلك يعني حضور أوروبا وكتل آسيا الضخمة في المشاورات والإجراءات (وإلى درجة ما في القرارات) وتظل الكلمة الراجحة لرئيس المجلس والعضو المنتدب، وهذا ترتيب لا يتجاهل حصة الأقلية أو يهملها، وفي حساب إدارة كلينتون أن نجاح المشروع الإمبراطوري الأميركي يلزمه تجنب إثارة الشكوك وتقليب مواجع أطراف إمبراطورية أوروبية سابقة مازال لها حتى هذه اللحظة تأثير في القارة وعبر البحار.
   * وبعدها كانت إدارة كلينتون متفقة على أن النداء الذي يستطيع إقناع الكل بقبول دور متميز للولايات المتحدة هو التصدي للإرهاب الذي تتفاقم مخاطره (مع ظهور انقسام طبقي حاد على مستوى الدنيا بين أغنياء وفقراء وبين متقدمين ومتخلّفين)، وفي تقدير الإدارة الأميركية (وقتها) أن الحرب ضد الإرهاب تستطيع المحافظة على تحالف عالمي واسع يستقطب كثيرين حتى من الفقراء والمتخلّفين ثم إنه تحت مظلة الحلف المعادي للإرهاب يمكن فتح الساحة أوسع كل يوم لقرار أو فعل أميركي يضيف إلى قدرة الإمبراطورية الجديدة دون أن يستثير حساسية الآخرين، خصوصاً وأن كثيرين في مجتمع الدول يسلّمون بأن الإرهاب يحتاج إلى يد طولى تقدر على الوصول إلى أي مكان في العالم أي وقت من الليل أو النهار، وذلك متوافر لأميركا قبل أية قوة دولية غيرها!] 
---------------
---------------
    في ذلك كله (مما سبق) كانت إدارة كلينتون حريصة وواعية، لكن عُقدة تلك الإدارة أن شخصية رئيسها لها جانبها الرمادي، فهو أثناء صعوده إلى القمة عقد أحلافاً كثيرة مع الشياطين طاردته أشباحها حين كان حاكماً لولاية أركانساس ثم لاحقته عندما انتقل إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة (وبين الأشباح علاقات منافع متبادلة مع أموال مشبوهة ورجال أعمال يقترب إصرارهم على الثراء من حدود الجريمة).

    وزاد أن التكوين الإنساني لكلينتون وظروف نشأته الأولى في بيت محطّم، مع أم لم تستطع أن تحدّد له على نحو قاطع من كان أبوه عرّضته لتناقض في المعايير ما لبث أن طغى على رئاسته وكسح إيجابياتها.
---------------
---------------
    وفي مدة الرئاسة الثانية لإدارة كلينتون ، وبينما الرئيس شبه معوق بمحاولات عزله، وشبه مجروح باضطراره للدفاع عن نفسه أمام شعبه وأمام شعوب العالم يحاول شرح الفارق بين جنس كامل وجنس غير مكتمل (والناس في كل أرجاء الأرض يسمعون ويضربون كفاً بكفّ ولا يصدّقون آذانهم!) بدت واشنطن حاملة طائرات ضخمة جنحت على الصخور!.

    وعندها بان لمن يشغلهم الشأن الإمبراطوري أن إدارة كلينتون لا تقدر على المهمة الإمبراطورية، وأكثر من ذلك لا تُؤْتَمَنْ، وبالتالي فإن عليهم مسؤولية استعادة الزمام إلى أيديهم. ولأنهم كانوا بعيدين عن الإدارة (هم جمهوريون وهي ديمقراطية) فقد صرفوا الجزء الأكبر من جهدهم في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين في البحث والدرس وصياغة المشروعات والدعوة لها على أمل أن تجيء إدارة جمهورية (تملك فرصة للفوز إذا استطاعت حملتها الانتخابية استغلال عيب الضعف الإنساني الذي شاب إدارة كلينتون بالقوة نفسها التي استغلت به حملة كلينتون ذلك الضعف الاقتصادي الذي عاب إدارة بوش (الأب) ).

    وظهرت عدة بؤر تجمّع فيها دعاة المشروع الإمبراطوري الأميركي المؤمنين بقدره المكتوب والمؤهلين للتنظير له، والساعين لتحقيقه كمهمة مقدسة.

    وكذلك ظهرت على الساحة الأميركية وفي مواقع النفوذ (وإن لم يكن في دائرة السلطة) وفي مراكز التأثير (وإن لم يكن عند موقع القرار) جماعات معنية بالأمر راحت تسابق بعضها:
 
    كانت البؤرة الجماعة الأولى هي الغلاة من دعاة الإمبراطورية رجال من أمثال دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الحالي)، و ريتشارد بيرل (مدير التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع الذي اضطر لتقديم استقالته قبل شهر بسبب فضائح مالية ثبت فيها استغلاله لمنصبه) و بول وولفويتز (نائب وزير الدفاع الحالي) وكلهم من أقطاب إدارة بوش (الأب) وأركانها ونجومها، وهؤلاء ركزوا على بند إحكام السيطرة السياسية والعسكرية على الشرق الأوسط. والسائد في اعتقادهم أن إسرائيل هي الدعامة الرئيسية لخططهم في تلك المنطقة، لأن الشرق الأوسط فيه دولتان لديهما المؤهلات اللازمة لخدمة مشروعهم:

   * الأولى: إسرائيل لأنها دولة تملك الكفاءة (في حين أن الدول العربية المحيطة بها حسب تعبير رامسفيلد هي في أحسن الأحوال أراضٍ عقارية مازالت خالية وبعضها خرائب!!) وذلك التقدير أدّى بأصحابه تلقائيا وبالعاطفة والعقل معاً إلى تحالف مع أكثر العناصر تشددا في إسرائيل، أي أن أصحابه أصبحوا جميعاً مؤيدين لحزب الليكود، وأنصاراً لزعيمه الحالي آرييل شارون .
(وقد كتب أحد الأقطاب من غلاة هذا التيار وهو ويليام سافير (من أبرز كتاب جريدة نيويورك تيمس) مقالاً أورد فيه أنه لا يستطيع أن ينام الليل مستريحا إلا بعدما يسمع صوت شارون على التليفون ثم يغمض عينيه!).

   * وأما الدولة الثانية التي يمكن الاعتماد عليها فهي تركيا ، لأنها بالحجم أقوى دولة في الإقليم، وفي الوقت نفسه فإنها ليست عربية، وإنما على الحافة الموازية للعالم العربي، ولأن السلطة فيها للقوات المسلحة بنص الدستور، فإن القرار التركي يجيء أقرب إلى الانبهار بالتكنولوجيا حيث تتفوق أميركا و(إسرائيل) وأبعد عن الالتزام بالتراث الذي يجمع تركيا بالثقافة مع العرب.

    ومن وجهة نظر أقطاب هذه البؤرة – الجماعة- فإن "تاج" الشرق الأوسط يمكن تثبيته على رأس الإمبراطورية الأميركية بعملية تصفية نهائية لمؤثرات عربية قومية قد تعاودها أحلام قديمة لم يعد لها الآن مجال، وتأمين ذلك يقتضي إجراء عملية جراحية واسعة في العالم العربى تغير أفكاره وتوجهاته - وتغير قيمه ومعتقداته، حتى إذا اقتضت الجراحة زرع قلب جديد، يقبل به الجسم العربي - فكرا وفعلا- مهما كانت درجات الحساسية والمقاومة والرفض وإذا أصرّ الجسم العربي على العناد، فإن الجَرَّاح القائم على زرع القلب مخوّل بتوقيع شهادة وفاة!

    وكانت البؤرة الجماعة الثانية من أقطاب صناعة البترول ، وبينهم جورج بوش (الأب)، و جيمس بيكر (وزير خارجيته)، و ريتشارد تشيني (وزير دفاعه، والآن نائب الرئيس)، وكان إجماع هؤلاء أن البترول هو المستقبل المنظور (حتى يجيء اختراق تكنولوجي يوفر بديلا للطاقة بسعر اقتصادي) وكذلك كان رأيهم أن المشروع الإمبراطوري الأميركي لا يمكن إسناده بغير سيطرة كاملة على موارد البترول.

    وكان الإطار الذي التقى فيه أقطاب هذه الجماعة للبحث والدرس هو مكاتب وقاعات المركز الذي أنشأه جيمس بيكر في هيوستون (عاصمة تكساس) لاستراتيجيات البترول و( بيكر لا يزال يديره حتى الآن)، ومن المُلاحظ أن كاتبي التقرير الأول لهذا المركز سنة 2000 اختاروا تصديره بمقدمة لها معنى، منقولة عن نص قديم من سنة 1950 كتبه السفير الأشهر في الدبلوماسية الأميركية جورج كينان يقول فيه بالنص:

"إن الشعب الأميركي يمثل 6,3% من سكان العالم، لكنه يستهلك 60% من بترول هذا العالم، والمهمة الأولى للاستراتيجية الأميركية تقتضي المحافظة على هذه النسبة مهما كانت ظالمة للآخرين والعمل على فرضها بكل الوسائل، دون أن تخدع نفسها بأية أوهام عن مبادئ العدل والمساواة حتى لو اضطرت في سبيل ذلك إلى استعمال قوة السلاح، لأن المبادئ تخاطب الضمائر والحقائق تصنع الحياة! ".

    وكانت أبرز الحقائق كما يظهر في الخطوط الاستراتيجية المطروحة للبحث في إطار مركز بيكر منطقاً شديد التركيز:
   - الخيار الأكفأ للولايات المتحدة هو السيطرة على صناعة البترول (بكافة مراحلها).
   - والولايات المتحدة لم تعد تستطيع الاعتماد كما فعلت على مصدر رئيسي هو البترول السعودي كما وقع بعد الثورة الإيرانية ومع أن السعودية تملك أكبر مخزون احتياطي محقق، إلا أن الاعتماد على البترول السعودي (مع المطالب المالية المتزايدة لأصحابه) يمكن أن تستنزفه بأسرع من أي حساب.
   - ومع ملاحظة أن بترول العراق (وبترول بحر قزوين) كلاهما لم يصل استغلاله إلى الحد الأقصى أو قريبا منه، فإن الاستراتيجية الأميركية تستطيع إنشاء شبكة واحدة واسعة ومأمونة لبترول الشرق الأوسط يصب فيها بترول السعودية وغيرها من دول الخليج، مضافاً إليها البترول العراقي، وبترول بحر قزوين (وبترول إيران بعد تصفية نظام الثورة الإسلامية) فإن المستقبل يمكن ضمانه أميركيا للولايات المتحدة وأميركيا فوق بقية العالم.

    وكانت البؤرة – الجماعة - الثالثة هي دائرة مجلس السياسة الخارجية في نيويورك وهو هيئة تساندها أكبر المصالح المالية والتجارية والإعلامية في الولايات المتحدة (من عائلة روكفللر إلى بنك الاحتياطي الأميركي إلى بورصة الأوراق المالية في نيويورك إلى باحثين من مستوى هنري كيسنجر و زبجنيو برجينسكي وحتى كونداليزا رايس (مستشارة بوش (الابن) للأمن القومي).

    وكانت هذه البؤرة تولي اهتماما خاصا بالاتحاد السوفياتي (وروسيا بعده) وبالصين، وبأوروبا ودولها الرئيسية مثل فرنسا وألمانيا، إلى جانب حزام الزيتون على شاطئ البحر الأبيض جنوب أوروبا (إيطاليا أسبانيا اليونان).
 
    وبرغم علاقات القرب بين أوروبا وأميركا، فإن مجلس السياسة الخارجية تولد لديه هاجس "أن أوروبا هي القوة التي تستطيع أن تبدأ بتحدي التفرد الأميركي بالنفوذ في العالم" .
والدواعي كثيرة:

   - بينها أن أوروبا لها مصالح حيوية في الشرق الأوسط حيث تريد الولايات المتحدة أن تنفرد بالسيطرة.
وأوروبا تعتمد على بترول الشرق الأوسط في أكثر من 85% من استهلاكها، ومن الصعب عليها القبول باحتكار أميركي يمسك به ويحكم القبضة عليه.
   - وأوروبا بلدان قريبة عهد بالمجد الإمبراطوري لم تنس مكانة سابقة عاشتها ثم تخلت عنها الحظوظ فأضاعتها، ومع أنها اعترفت للولايات المتحدة بحق القيادة فإنها غير مستعدة بعد للاعتراف لها بحق التفرد.
   - وأوروبا يسودها اعتقاد بأنها راكمت من الحكمة مخزوناً يزيد في تأثيره عما راكمته أميركا من قوة السلاح.

    ويظهر أن فريقاً من الإدارة الجديدة في واشنطن أراح نفسه بمختصر غير مفيد عبر عنه رامسفيلد بقوله: إن أوروبا قارة عجوز أرهقها الزمن (الذي تسمّي عمرها فيه حكمة)، وأقعدها التردد (الذي تسمّي استسلامها لضوابطه فكرا)، وعليه فإن الولايات المتحدة يحق لها أن تتصرف وتترك أوروبا تمارس الحكمة والفكر كما يحلو لها!

    وكان حساب هذا الفريق في الإدارة الجديدة أن دول أوروبا الكبيرة أصبحت مثل غيرها في ملجأ الشيخوخة يهمها أن تقضي بقية عمرها في أمان مدخراتها ومن أجل تأمين هذه المدخرات فهي على استعداد للاستثمار في أي مشروع رابح، وعندما تصبح الإمبراطورية الأميركية كذلك فإن أوروبا مهما كانت دواعي حذرها وأسباب شكها سوف تهرع للاستثمار فيها على عجل حتى لا تتعرض مدخراتها للتآكل.

    وإذن فعلى الإمبراطورية الأميركية أن تتمسك بمشروعها الأكبر، وتترك أوروبا مع حساباتها الصغيرة (حكمة وفكرا)!

    كانت هذه البؤر الثلاث (جماعات المشروع الإمبراطوري وصناعة البترول وأصحاب الفكر والتنظير للاستراتيجيات والسياسات) وربما بؤر وجماعات أخرى تدرس وتستعد لعصر ما بعد كلينتون حتى يستأنف المشروع الإمبراطوري مسيرته أشد حزما وأسرع اندفاعا في ظل إدارة ترعاه جمهورية وليست ديمقراطية بالتأكيد!

    وكانت وساوس أصحاب المشروع الإمبراطوري أن إنجاز إدارة كلينتون في مجال الاقتصاد، ربما يستطيع مساعدة نائبه آل غور في انتخابات الرئاسة سنة 2000 كما أن آل غور وجه معروف باعتباره النائب الحالي للرئيس، وأي نشاط له خبر، وهو يجاهد ليحتفظ لنفسه بمسافة بُعْد مناسب عن فضائح رئيسه.

    وفي الاستعداد لملاقاة الحزب الديمقراطي و آل غور على مقدمة الصورة فعلا ظهر في الحزب الجمهوري رجال رشحوا أنفسهم، لكنهم لم يصمدوا للتجربة:
   * فكّر ريتشارد تشيني (نائب الرئيس الحالي) في ترشيح نفسه اعتماداً على شخصيته المليئة بالحيوية وقت أن كان وزيراً لدفاع جورج بوش (الأب) أثناء حرب الخليج لكن تشيني تردّد لأسباب عديدة فيها السبب الصحي (علل القلب) وفيها وهو الأهم أنه لا يريد تعريض نفسه وأسرته لعملية العري المالي والإنساني والشخصي التي يتعرض لها أي مرشح للرئاسة وإذا حياته ميدان رماية مفتوح (كذلك تعبيره) لأية قناة تلفزيونية أو إذاعية أو أي صحيفة أو مجلة أو أي مخبر أو كاتب عمود !
   * وفكّر دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الحالي) أن يرشح نفسه ثم تراجع لنفس الأسباب تقريبا.
   * وفكّر بعضهم في ترشيح كولين باول الذي اكتسب سمعة رجل متزن، صاحب تجربة نضجت في ميادين القتال (فيتنام)، والسياسة (مساعدا لكيسنجر في البيت الأبيض)، والاستراتيجية (رئيسا لهيئة أركان الحرب المشتركة) لكن كولين باول بعد أن وافق من ناحية المبدأ عاد وتراجع عن التنفيذ بضغط شكوك ألحّت عليه:

   - بينها تخوفه أن يكون ترشيحه (وهو ملوّن) مناسبة لإذكاء قضية التفرقة العنصرية، بحيث يجد نفسه إذا فاز أمام معضلة التعامل مع مؤسسة بيضاء، وإذا سقط وسط غضب الملونين قد يتحول إلى فتنة ساخنة.
   - وبينها تحسبه لعبء جمع التبرعات اللازمة لإدارة حملته الانتخابية، فالتكاليف باهظة (ثلاثة بلايين دولار) وجمع التبرعات يحول المرشح رهينة للمتبرعين (بحقهم في استرداد ما دفعوه)، وهو يخشى أن لا تتمكن حملته (بسبب لونه) من أن تجمع ما هو كافٍ للصرف عليها، وتشهر إفلاسها قبل أن يحل يوم الاقتراع.
   - وأخيرا ضغط مارسته عليه زوجته ( آلما ) التي رفضت الفكرة أصلا، لأنها تخاف عليه من متطرف أبيض يكرر معه ما حدث للزعيم الزنجي مارتن لوثر كنج ، و آلما في النهاية تريد زوجها معها حيّا في البيت ولا تريده شهيدا بعيدا عنها في القبر!

    وساعد على تردّد كولين باول إحساسه بأن جماعات الإمبراطورية تقبل به على مضض، لأنه في رأيهم طبعة (أميركية غامقة) من شخصية هاملت في مسرح شكسبير رجل مُعَذَّب بالحيرة، تتجاذبه الهواجس وتستغرقه التصورات، وكعادة هذا النوع من الشخصيات فإن ترددهم في الفعل يستهلك استعدادهم للقيادة، وهي في النهاية حسم بين البدائل وقرار! 

    وكذلك فإن "كولين باول" أعفى نفسه وأعفى غيره من ترشيح نفسه، وأعلن رسميا أنه خارج السباق الانتخابي!

ثانياً:

دوبيا يولد من جديد أمام المرآة!

** وعلى خلفية هذه الساحة المزدحمة، تمكنت النخبة الإمبراطورية داخل الحزب الجمهوري وحوله من وضع مسودة أولى شبه كاملة للمشروع الإمبراطوري ومعها تحديد إطار لتوجّهاته وحركته.

   * كان واضع المسودة الأولى فريق عمل محدود ومتحمس يضم (طبقاً لتحقيق قام عليه روبرت نوفاك أحد أشهر وأكفأ الصحفيين الأميركيين) كلاً من:

"ريتشارد تشيني" (نائب الرئيس الآن) ودونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الآن) و ريتشارد بيرل (مدير التخطيط الاستراتيجي لمجلس الدفاع القومى الآن) و بول وولفويتز (نائب وزير الدفاع الآن) و دوج فايث (وكيل وزارة الدفاع الآن) و جيمس وولسلي (رئيس المخابرات المركزية سابقاً) و ريتشارد أرميتاج (نائب وزير الخارجية الآن) و فرانك كارلوتشي (وزير الدفاع سابقاً).

وقد تولّت السكرتارية العامة لفريق العمل السيدة كونداليزا رايس (مستشارة الرئيس للأمن القومى الآن).

   * وكان إعداد هذه المسودة الأولى (وفق تحقيق نوفاك وآخرين غيره) قد انتقل ابتداء من صيف سنة 1997 أي مع اقتراب (موسم الحملات الانتخابية) من مركز جيمس بيكر لدراسات البترول في هيوستون (عاصمة تكساس) إلى البيت الصيفي للرئيس جورج بوش (الأب) كينيبنكبورت على شاطئ ولاية ماين .
والداعي أن الرئيس جورج بوش (الأب) أصبح الراعي والحامي لهذه الجماعات بداعي جملة من الملابسات:
   - فهو نائب الرئيس ريغان الذي كسر إمبراطورية الشر السوفياتي.
   - وهو الرئيس الذي خلف ريغان ثم بدأ في عهده وضع إطار الحلم الإمبراطوري الأميركي وتوفير أدوات تحقيقه.
   - وهو الرئيس الذي قاد الخطوة الافتتاحية الرئيسية في المشروع ببناء تحالف حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت.
   - وهو أيضاً السياسي الذي يملك خبرة متشعّبة، فقد شغل بوش (الأب) عدة مناصب عُليا: مديراً لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، وسفيرا للولايات المتحدة في الصين، وبعدها نائبا لرئيس الولايات المتحدة، ثم إنه بالمولد والأصل من أسرة بنت ثروتها وراكمتها من صناعة البترول، وبالتالي فإن خبرته وافية ومعرفته مباشرة واصلة إلى النواحي التي يمكن أن يتحرك فيها المشروع الإمبراطوري.

   - علاوة على ذلك فإن جورج بوش (الأب) هو الذي أنشأ في البيت الأبيض مجموعة إدارة الانتشار الإمبراطوري بعد حرب الخليج الثانية، وكان أمله أن يستكمل المشروع في رئاسته الثانية، ثم إنه مثل غيره من أركان إدارته خرج من منصبه الرئاسي، ولم يخرج من مشروعه الإمبراطوري، وهو يستطيع أن يواصل خدمة المشروع بالرعاية والحماية ولديه فوق الأسباب العامة دوافعه الشخصية:

   - فهو في أعماق قلبه يحس بجرح، لأن مرشحا شابا مجهولا من أركانساس بيل كلينتون هزمه في الانتخابات، رغم أنه ( جورج بوش (الأب) الرجل الذي قاد أميركا إلى النصر في عاصفة الصحراء.

   - وهو في جزء من جهازه العصبي يشعر بحافز يلح عليه في ضرورة استئناف دوره (على نحو أو آخر) لأن المشروع الإمبراطوري مازال يطغى على عقله وقلبه (رغم اعتزاله السياسة في أعقاب فشله الانتخابي المدوّي).

   - ثم إن كل الذين شاركوه في المشروع الإمبراطوري يدفعونه إلى درجة التحريض، بحجة أن عليه مسؤولية تاريخية لا يملك أن يتخلى عنها ويتركها (خصوصاً لهذا المتورط في الخطيئة، الجالس بدلاً منه دون استحقاق في البيت الأبيض بيل كلينتون !).

   - وأخيراً فإن جورج بوش رجل غني راكمت أسرته ثروة طائلة من صناعة البترول في تكساس، وقد عززت الأسرة هذه الثروة بعلاقات في العالم العربي توثقت أواصرها واتسعت تعاملاتها بعد حرب الخليج الثانية، وهذا الغِنى وما يحيط به يساعده ويكاد يدفعه دفعا إلى أداء دور الراعي والحامي لمشروع الإمبراطورية.

    وقضى فريق العمل سنة كاملة في بيت جورج بوش (الأب) يجدد خطة المشروع، ومرة ثانية تمّ تجهيز تقرير نهائي وقّعه أيضاً! ريتشارد تشيني (نائب الرئيس الآن)، وهو في الحقيقة خلاصة جهد مشترك لكثيرين، وكانت الخطوط الرئيسية محددة وأحياناً بالتفصيل:

1- الحزب الجمهوري لا بد له أن يمسك من جديد Recapture) ) موقع رئاسة الولايات المتحدة مرّة أخرى، لأنه الحزب المهيأ لمهام الزمن القادم، وفي نفس الوقت صاحب الرؤية الأوضح لمهام ذلك الزمن القادم.

2- الرئاسة القادمة عليها أن تدرك بعمق أن الولايات المتحدة الآن في وضع فريد لم يُتَح لأي قوة غيرها في التاريخ، فلديها الآن شبه تفرّد بالنفوذ، لأن انهيار الاتحاد السوفياتي واختفاءه جعلها قادرة على نشر قيمها وترسيخ مسؤوليتها عن حماية هذه القيم !

3- الولايات المتحدة على عهد ريغان و بوش (الأب) تمكنت من الإمساك باللحظة التاريخية واستغلت الإمكانيات المادية والمعنوية للحفاظ على تلك اللحظة، وذلك ما ينبغي استئنافه مع الرئاسة القادمة والتمسك به وعدم التفريط فيه.

4- الإدارة الجمهورية القادمة عليها أن تمارس دورها في الدفاع عن المصالح الأميركية والتمكين لها بغير قيود لا تستوجبها ضرورات حقيقية ، بل إن الإدارة الأميركية القادمة يحق لها وحدها توصيف المصالح الأميركية دون اعتبار لغيرها، وهي مطالبة بالعمل على مسؤوليتها سواء من داخل الأمم المتحدة أو من خارجها.

5- الولايات المتحدة في ممارستها لمسؤوليتها الحالية يصح لها أن تتشاور مع غيرها من الأطراف الدوليين، على أن تحتفظ لنفسها بحق التصرف منفردة إذا وجدت ذلك ضرورياً.

6- التصدي لخطر الإرهاب (حتى بميراث إدارة كلينتون الحالية) هو النداء الذي يمكن حشد القوى الكبرى عليه (والصغرى أيضا)، وهذا النداء مازال قادراً على تحقيق حشد عالمي، لأن الكل معرّض لخطر الإرهاب. والولايات المتحدة قبل غيرها مكلّفة بالقيادة في مجاله لأنها الأكثر تعرّضاً لضرباته، وذلك يوفر لها إلى جانب حق الدفاع المشروع داعيا أخلاقيا يضيف إلى مشروعية دورها القيادي.

    (كان "جورج بوش" (الأب) على عهد خدمته كنائب للرئيس ريغان مسؤولا عن قضية الإرهاب ومكافحته، وكان مسؤولا عن لجنة عليا شكلها رونالد ريغان لمتابعة وملاحقة ومواجهة خطر العصر كما كان يسميه!).

    والآن صيف سنة 1998 بدا أن الخطوط والتفاصيل تحددت مواقعها على الصورة الشاملة للمشروع الإمبراطوري، غير تفصيل واحد مازال معلقاً رغم أنه بالغ الأهمية: شخصية الإمبراطور (القيصر)!

    وهنا ظهر جورج بوش (الابن) ولم يكن ظهوره تلقائيا، ولا سهلا، مع أن الأمر تداعى إليه خطوة بعد خطوة دون تصميم سابق يُفَصِّل دور الفاتح على مقاسه:

   - في البداية كان هناك واقع أن استعادة الجمهوريين للبيت الأبيض من جديد، جهد يجرى في إطار عائلة بوش أكثر مما يجري في المقر الرسمي للحزب الجمهوري، والمبرر أن الحزب أثناء رئاسة كلينتون الأولى فقد معنوياته من ناحية، بسبب سقوط مرشحه بوش (الأب) ومن ناحية أخرى ضيع نفوذه بسبب ارتفاع شعبية كلينتون الذي تقدم بنجاح يعالج مشكلة الاقتصاد.

   - تلى ذلك أن بوش (الأب) ظل يستشعر مسؤوليته أمام معاونين زيّنوا أمامه مشروع تكريس الإمبراطورية باعتباره رسالته المقدسة بعد أن أتم رونالد ريغان رسالة مقدسة سبقت وهي هدم إمبراطورية الشر السوفياتية، وقام بنفسه مدة رئاسته الأولى بوضع الأسس والقواعد للحجر الأساس، لكن الناخب الأميركي انخدع ب كلينتون وأرسل بوش إلى المنفى بقسوة لم يكن لها تبرير! ثم إن هؤلاء المعاونين ظلوا قريبين منه يبحثون معه عن وسيلة للعودة بكل طريق إلى المفاتيح الذهبية للقرار (البيت الأبيض)، وقد ضاعت منهم عندما تركها بوش على مكتبه وخرج من البيت الأبيض (على عكازين!).

   - وبطبيعة الأمر فإن عائلة بوش وصناديقها المالية المختلفة قامت على تمويل الجماعات الإمبراطورية التي خرجت مع (الأب) من البيت الأبيض وأعانت تفكيرها وتدبيرها. ومع أن أفراد هذه الجماعات كانوا في مواقع متميزة ماليا (مثل ريتشارد تشيني الذي يدير واحدة من أهم الشركات في مجال خدمات البترول، وهي شركة هاليبورتن )، كما أن كثيرين منهم كانوا ومازالوا يعملون في إطار بيروقراطية واشنطن الدائمة ونخبها المتميزة إلا أن مظلة رعاية واحدة مطلوبة حتى تغطي الجميع، وكانت عائلة بوش مؤهلة لتقديم هذه المظلة الواحدة.

   - وفي إطار هذه الأجواء مضافا إليها مؤثرات السقوط الأخلاقي الذي انزلق إليه بيل كلينتون وانكشف أمره خلال مدة رئاسته الثانية فإن بعض المتعصبين من دعاة الإمبراطورية راحوا يبحثون عما إذا كان هناك سبب دستوري يحول دون ترشيح جورج بوش (الأب) نفسه للرئاسة من جديد بشعور أن رجلهم لم يقض غير مدة رئاسة واحدة في البيت الأبيض، ثم قطعتها مدتان لكلينتون وربما أن إمكانية عودة بوش (الأب) مطلوبة (إذا كانت ممكنة) لاسترجاع الفضيلة (وهي في ضمائرهم عودة مُلِحَّة للمشروع الإمبراطوري) لكن البحث في ترشيح (الأب) توقف بسبب غيبة السوابق حتى وإن غابت موانع الدستور، وبعد عناء ظهر أن استعادة الماضي محاولة يأس (ليس لديه غير تكرار نفسه) أكثر مما هي استحضار أمل (لديه رؤية على أفق جديد).

   - ولم يخطر ببال أحد قبل ذلك الوقت أن جورج بوش (الابن) يصلح مرشحا، لأن أوجه القصور في شخصيته وثقافته وجاذبية حضوره تستبعده من أول نظرة. ومن المفارقات أن الأم (بربارة بوش) كانت أول من يسلم بعدم صلاحية ابنها لدور قيصر ، بل إن ابنها ذاته ( جورج بوش (الابن) الرئيس الحالي للولايات المتحدة) اعترف عندما روى قصة حياته (ونشرتها صحف العالم الكبرى وضمنها الصنداي تيمس) وقدّم بنفسه جانبا من الأسباب التي جعلت الآخرين يتشككون في صلاحيته لأي مسؤولية على مستوى رفيع، وظل في عرفهم "دوبيا" وليس "جورج" .
----------------
----------------
 
 [وكانت والدته هي أول من أطلق عليه هذا الوصف، مستندة إلى الاسم الثاني له وهو ويليام (وحرفه الأول W)، وذلك لتمييزه عن والده جورج الذي اختار لابنه الأكبر نفس اسمه، وكان الحرف الأول من الاسم الثاني للابن وهو (W) الذي جرى تدليله ب دوبيا ) هو الذي شاع في الإشارة إليه وليس جورج حتى لا تلتبس الإشارات] .
----------------
----------------

    وكان بوش (الابن) هو الذي أمعن في الاعتراف بقصوره، قاصداً أن يكون الاعتراف كاملا (حتى يتحقّق الغفران)، فقد روى أنه ظلّ حتى تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره شاباً لاهياً عابثا كسولا عازفاً عن العلم، خصوصاً بعد أن حصل بالكاد على شهادة من جامعة تكساس أُلحق بها إجازة من جامعة ييل (يكاد يلمح إلى أن نفوذ أسرته أتاحها له بأكثر من جَدِهِ في طلب العلم!).

    واعترف بوش (الابن) بعدها بأن ثروة العائلة وحياته بين تكساس (حيث مصالح الأسرة) وبين واشنطن (التي قصد إليها والده بحثاً عن فرص سياسية تحققت له) أخذت منه الاستقرار العائلي وتركت له فراغا عاش فيه حياة غير مسؤولة وصلت به إلى حد الإدمان الشديد على شرب الخمر نهارا وليلا، وكان ذلك يضايق زوجته لورا ، ويسبب لها حرجا شديدا داخل بيت الزوجية وخارجه، فلم يكن يمر أسبوع إلا ودورية بوليس تستوقفه وتسحب رخصة قيادته، لأنه يقود سيارته مسرعا ومخمورا.

    ووصل الحال ببعض النوادي في تكساس إلى حد منعه من دخولها، لأنه كل مرة يدخلها يثير خناقة لا داعي لها، أشهرها أنه قام في إحدى المرات بتوجيه لكمات متوالية لزوج الصحفية الشهيرة جودي وودروف وهي من نجوم وكالة (C.N.N) وزوجها نفسه مسؤول كبير في إحدى المؤسسات الصحفية الكبرى في تكساس) وكان دافع دوبيا إلى التهور أن إحدى صحف تلك المؤسسة أساءت إلى عائلته بسلسلة تحقيقات عن مصادر ثروتها!

    وأخيراً وصل جورج بوش (الابن) في اعترافاته إلى وقائع ذلك اليوم الذي وُلد فيه من جديد متحولاً من شاب لاهٍ، عابث، سكير إلى مؤمن شديد الإيمان بعقيدته، وتقي شديد الولاء لكنيسته، ونادم على الذنب مستعصم بالتوبة، وهنا يصف جورج بوش لحظة ولادته من جديد فيقول: 

"ليلتها شربت كما لم أشرب من قبل، وفقدت وعيي، وحملوني إلى غرفة نومي لا أشعر بشيء حتى ظهر اليوم التالي، واستيقظت على صداع مروّع، وذهبت إلى الحمام مترنحاً لا أقوى على المشي، ورأيت صورتي في المرآة وأحسست بما يشبه نزول صاعقة.
اكتشفت أمام المرآة أنهم عندما حملوني إلى غرفة نومي ارتميت على سريري بملابسي التي كنت ارتديها، وكانت شديدة القذارة لأنني كما أدركت أفرغت كل ما في جوفي على سريري وعلى ملابسي قبل أن تخمد حواسي وتغيب.
وتحسستُ وجهي بيدي أمام المرآة، وإذا يدي متسخة ببقايا القيء التي لطخت وجهي وجفت أثناء نومي، وأصابني منظرها في المرآة أمامي بقشعريرة هزت كياني، وأعدت النظر إلى صورتي، ووجدتني أسأل المرآة قائلاً: دوبيا.. دوبيا ماذا فعلت بنفسك؟! ، ورُحت أصرخ أمام المرآة أعاهد الله ونفسي أن ذلك لن يتكرر بعد الآن! ، ولم تصدقني لورا (زوجته) بادئ الأمر، وظنته تأثير لحظة المرآة، وأنني بعد أيام عائد إلى ما أدمنت عليه، كذلك أيضا قالت والدتي، لكني أثبت للجميع أنها توبة بلا عودة، وولادة جديدة لنفسي ولأسرتي ولروح السيد المسيح في قلبي!" .

    ومن وقتها حاول دوبيا أن يتخذ طريق الجد وبدايته تجربة حظوظه (مولوداً من جديد) في ترشيح نفسه حاكما لولاية تكساس، لأنها المحيط المباشر لنفوذ الأسرة، وكانت مفاجأة الجميع أنه فاز.

    وأغلب الظن أنه عندما بانت علامات الهداية وبُشرى الولادة من البداية فإن كثيرين لم يأخذوا دوبيا (جورج بوش الابن) في حسابهم وهم يبحثون عن قيصر ! لكنه مع مرور الوقت بدأ بعض أصحاب المشروع الإمبراطوري يسألون أنفسهم: "لم لا" ؟

    كان الصف الأول من المرشحين الذين تخطر أسماؤهم على البال طبيعياً مازالوا بين إقدام وإحجام، كلهم راوده الاحتمال وكلهم قرر العدول: تشيني رامسفيلد كولين باول حتى جيمس بيكر (مع اختلاف أسباب كل واحد منهم في الإقدام والإحجام).

    وعلى الجانب المقابل فإن الحزب الجمهوري الذي تشرّد في التيه ثماني سنوات، لم يكن في حال تسمح له أن يطرح من صفوفه مرشحا يملك فرصة نجاح مؤكد أمام ديمقراطي هو الآن بالفعل نائب للرئيس (آل غور).

    وكان الأقطاب المشهود لهم داخل الحزب الجمهوري قد تساقطوا واحداً بعد الآخر، بما فيهم الرجال الذين لمعت أسماؤهم في الحملة على كلينتون ، وفيهم زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب نيوت غنغريتش ، وفيهم كذلك الرجل الذي تولى إدارة معركة إدانة كلينتون في مجلس الشيوخ وهو السناتور فرانك لوت زعيم الأغلبية الجمهورية، فكلاهما طاردته ظروفه - وطردته:

    أولهم وهو زعيم الأغلبية في مجلس النواب الذي رفع لواء الأخلاق تكشف أن له عشيقة (وفيما بعد طلّق زوجته وارتبط بعشيقته واعتزل السياسة).

    والثاني كانت له مشاكل عالقة في ولاية مسيسيبي (وهو بسببها لا يريد أن يضع نفسه تحت الأضواء الباهرة للحملات الانتخابية الصاخبة).

    إلى جانب أن أشهر أقطاب الحزب وهو السناتور روبرت دول أنهك قواه في محاولات فاشلة لترشيح نفسه، حتى أصبح اسمه خامداً بلا إشعاع، ومن هذا الإحساس حتى لديه هو نفسه فإنه حاول الدعوة لزوجته إليزابيث مرشحة للرئاسة عن الحزب الجمهوري بدلا منه (ولم يكن ترشيحها مقنعاً لأحد).

    ولم تكن صحة الحزب الجمهوري في كل الأحوال مما يهم جماعة الإمبراطورية المحيطة بعائلة بوش ولعلها استفادت من هذه الغيبوبة الحزبية، خشية بروز مرشح يتقدم الصفوف ومهيأ للفوز، ولعل هذه الغيبوبة للحزب كانت ملائمة أكثر لمطالب الجماعة، فالمطلوب من منظورهم ليس مجرد مرشح جمهوري يعود بالحزب إلى البيت الأبيض، وإنما مرشح جمهوري يمشي معهم إلى آخر الشوط!

    وكذلك تغير السؤال عن دوبيا ب لم لا؟ ، وحل محله سؤال ب هل يستطيع؟ ، وكانت هناك اعتبارات تزكي ردا على هذا السؤال الأخير بالإيجاب:

   - "دوبيا" لم يعد لديه ما يخفيه عن ماضيه (وذلك هاجس كل مرشح، لكن دوبيا سبق واعترف بكل شيء!).
   - "دوبيا" في سن الشباب ويستطيع أن يتحمل عناء حملة انتخابية.
   - "دوبيا" لديه فرصة لاستثارة عطف الناخب الأميركي الذي حرم والده من رئاسة ثانية (متاحة له بالدستور وكان يستحقها لولا معركة إنه الاقتصاد يا غبي ، ولعل الناخب الأميركي شعر بعد فضائح كلينتون أنه أساء الاختيار، وعليه واجب اعتذار يستطيع تقديمه للابن مادام لا يستطيع تقديمه للأب.

   - "دوبيا" وراءه أسرة ومصالح تستطيع أن تمول حملة انتخابية سوف تكون بالتأكيد صعود جبل لأنها ضد منافس في موقع نائب الرئيس ، وهو من هناك يملك ميزة أن أي كلمة يقولها تلفت الأنظار وتستوقف الاهتمام وتضع اسمه في العناوين الرئيسية للصحف وملء شاشات التلفزيون!
وأهم من ذلك كله:

   - "دوبيا" سوف يكون إذا نجح رئيسا لينا يترك الفرصة لمستشاريه وهم حملة مشروع رئاسته، ويسمع منهم وهو ليس غريبا عنهم، لأن معظمهم عرفه أيام رئاسة أبيه، وتابع عن قُرب حكاياته الكثيرة وآخرها حكاية الولادة من جديد، وهذه أمور لها توابع أولها أن كل مساعد أو مستشار للأب، يقدر أن يكون معلما للابن ومرشدا، وفى مطلق الأحوال صوتا مسموعا، وتأثيرا له وزن عند موقع القرار الأكبر فى السياسة الأميركية (المكتب البيضاوي).

    ومع التكرار والحيرة، فإن السؤال ب لم لا؟ ثم السؤال ب هل يستطيع؟ وجدا جوابا. السؤال الأول وجد جوابا يقول: دعونا نجرب. والسؤال الثاني وجد جوابا يرى أن دوبيا ربما كان أنسب الحلول، وكذلك جرى.

    وكان وصول جورج بوش بالفعل إلى البيت الأبيض معركة انتخابية شاقة وعنيفة، وأسوأ من ذلك مشوبة فى شرعيتها إلى درجة غير مسبوقة تقريبا! فى التاريخ الأميركي.

    كان واضحا أن المنافسة بين جورج بوش (الابن) و آل جور (نائب الرئيس) مباراة بين الأقل سوءا وليس بين الأكثر قبولا، فكلا المرشحين مثقل بالحمولات من كل نوع، بعضها موروث ( بوش بمسحة الفشل الذي لحق والده، وبشعار إنه الاقتصاد يا غبي و جور بلطخة ما فعله رئيسه فى المكتب البيضاوى وبعوالق ماض لوالده عاد يذكر نفسه). ثم إن بعض الحمولات مكتسب، ( بوش بالشك فى صلاحية شهادة ميلاده الجديد، وبحضور باهت لا يشد بصرا أو سمعا و آل جور بمحاولة يائسة بذلها فى اللحظة الأخيرة بقصد توسيع المسافة بينه وبين رئيسه، قد حرمته هذه المحاولة من استغلال إنجازات رئاسة كلينتون الأولى إلى جانب أن آل جور فى حد ذاته ظهر أمام الناس دائما وكأنه لوح من الخشب، وعندما نصحه الخبراء بأن يلين ويتحرك، فإن قصارى ما توصل إليه بدا صناعيا متكلفا مدهونا بزيت ملون لم يجف سائله بعد!).

    وكان تقدير الجميع أن نتيجة المعركة الانتخابية سوف تجيء متقاربة كذلك تقول استطلاعات الرأى العام وتؤكد الشواهد.

    والآن يعرف كل الناس أنه بحساب الأرقام فى ولاية فلوريدا وهي آخر ولاية تم فرز صناديقها أن عدد الأصوات الحقيقي كان يعطي الرئاسة ل آل جور ، لكن المجمع الانتخابي أعطى الرئاسة ل بوش بسبب غياب عدة صناديق انتخابية تخلفت عن الفرز، لأن حاكم ولاية كاليفورنيا (وهو جيب بوش شقيق دوبيا ) تصرف بطريقة غريبة، فقد رتب لوضع خمسة صناديق بما فيها من تذاكر على سيارة شحن تنقلها إلى مركز الفرز، ثم قيل إن السيارة تاهت فى الطريق (ستين كيلومترا) لمدة خمسة أيام، ثم نشأ نزاع وصل إلى المحكمة العليا، مع مصادفة أن معظم قضاتها من تعيين رؤساء جمهوريين (خمسة من أصل تسعة) وعندها أعلن فوز دوبيا (جورج بوش الابن).

    وكان جيمس بيكر (أقرب الأصدقاء إلى الأب ووزير خارجيته السابق ومدير حملته الانتخابية) موجودا بنفسه طول الوقت في مراكز الفرز وفي قاعات المحاكم، يقود المواجهة القانونية لإثبات صحة الأصوات المؤيدة للمرشح الجمهوري، وكان ريتشارد تشيني الذي وقع الاختيار عليه مرشحا لمنصب نائب الرئيس يدير من داخل بيت بوش الأب معركة التعجل في إعلان فوز المرشح الجمهوري (دوبيا) مهما كانت الإجراءات، والمخالفات، والطعون، وموجبات الخلل في شرعية عدد الأصوات، وفي الواقع العملي فإن تلك لم تكن مجرد معركة انتخابية، وإنما في تقدير مديريها ومسؤوليها معركة مشروع إمبراطوري يحتاج إلى إدارة في البيت الأبيض تؤمن به وتقوم على تنفيذه، وهنا يمكن فهم أول تصريح أدلى به ريتشارد تشيني بعد صدور حكم من المحكمة العليا، فقد قال: لست مستعدا للبحث في التفاصيل، لقد فازت التذكرة الانتخابية ( دوبيا رئيسا و تشيني نائب الرئيس) وهذه بالضبط هي التذكرة التي تحتاج إليها أميركا اليوم، بارك الله في أميركا دائما! .

    وهكذا دخل جورج بوش (الابن) إلى المكتب البيضاوي، ووراءه نائبه ديك تشيني وبعدهما أركان الإدارة الكبار: دونالد رامسفيلد كولين باول ريتشارد بيرل بول وولفويتز و كونداليزا رايس .

    ولحظتها استطاع الفريق الإمبراطوري في الحزب الجمهوري أن يعيد القبض على البيت الأبيض من جديد ويمسك مرة أخرى بالمفاتيح الذهبية للقرار الأميركي طبقا لأولويات محددة، هي:

   - الاحتفاظ بتفوق أميركي لابد أن يقبل به الجميع (ويبقى إلى الأبد).
   - سيطرة كاملة على موارد النفط (في الشرق الأوسط وحوله).
   - والمدخل للإمساك بالاثنين: تحالف عالمي مضاد للإرهاب (وذلك هو الغطاء القانونى والأخلاقى الأنسب!).

ثالثا:
قادة قيصر لا يهتفون باسمه!

** لم يكن دخول جورج بوش إلى البيت الأبيض يوم 29 يناير 2001 دخول فاتحين، بل لعله كان أغرب دخول عرفه ذلك البيت في واشنطن، وكانت احتفالات قسم اليمين حافلة بهواجس وشكوك تطال كل شيء: مستوى المعركة الانتخابية لمرشحين كلاهما في نظر الناخب لا يستحق الجائزة، ثم المشاكل والتعقيدات القانونية التي حاصرت عملية عد الأصوات، ثم انتظار أسابيع مشوبة بالإحباط في انتظار حيل محامين قبل إرادة ناخبين.

    وكذلك تبدى أن الرئيس (الإمبراطور القيصر) الجديد يصعب أن يكون مقنعا في أساس شرعيته، أو سابق تجربته، أو توقعات أدائه، أو قيادته لفريقه، أو ما يمكن أن تثيره قيادته من طموح وإلهام.

    وسرى إلى العالم كله إحساس بأن الولايات المتحدة الأميركية سلمت مقاليد السلطة فيها مع لحظة فاصلة على مسار التاريخ الحديث لرجل لا يستحق، وفي أحسن الفروض لا يعرف.

    وفي عواصم عديدة بدت تلك فرصة مفتوحة لمن يريد أو لمن يقدر:
   - في لندن: تصور توني بلير رئيس الوزراء (العمالي) أن رئاسة بوش (بكل ما يكتنفها) تعطيه مساحة لزيادة حجم التأثير البريطانى في مجتمع الناطقين باللغة الإنجليزية على جانبي الأطلنطي، وبالتالي فرصة لتقوية الوزن البريطاني في العلاقة الخاصة التي تربط واشنطن ولندن.
   - وفي باريس: تصور الرئيس جاك شيراك (الديجولي) أن أوروبا تستطيع أن تعطي نفسها مجالا أرحب للحركة بعيدا عن دائرة النفوذ الأنجلوساكسوني (من لندن وواشنطن).
   - وفي برلين: تصور المستشار شرويدر أنه بتعاون ألماني فرنسي تستطيع أوروبا أن تمارس دورا فاعلا، يؤكد دورا لها وحقا في القرار الدولي مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
   - وفي موسكو: تصور الرئيس بوتين أن غيابا أميركيا ولو جزئيا يفتح بصيص أمل لروسيا تستعيد بعض مواقعها الضائعة، أو على الأقل لتدعيم أوضاعها الداخلية دون شغب يمارسه عليها رئيس أميركي يحاصرها حتى تظل أنقاض السقوط السوفياتي مكدسة من حول الاتحاد الروسي الجديد تعوقه عن إصلاح أحواله ومد الجسور إلى جواره، ووراء ذلك الجوار.
   - وفي بكين: سرى شعور بالراحة مع ترجيح أن تكون الرئاسة الجديدة في أميركا رخوة تترك الصين وشأنها تواصل بناء نفسها وتعزز اقتصادها وتكمل تحولاتها الواسعة دون عراقيل أو شواغل خارجية.
   - وأما في العواصم العربية خصوصا تلك التي تعاملت بعلاقة ود (ظنته حميما) مع إدارة بوش (الأب)، فقد شاع أمل بأن الرئيس القادم إلى البيت الأبيض ضوء أزرق مريح للأعصاب ورقيق، فالقادم الجديد إلى البيت الأبيض منا وعلينا ، و بالتأكيد معنا .
 
    وكانت تصورات العرب على تفاوت ما بينها خاطئة، والحقيقة على العكس منها، لأن ما ظنه بعض العرب فرصة لصالحهم لاح خطره عليهم، لأن الرئيس الجديد وهو يقدر حسابات الآخرين لرقته قصد أن يواجههم بخشونته، وقد ظلوا بعدها شهورا لا يتصورون ما يرون، وحين اكتشفوا الواقع كان قُصارى جهدهم أن يداروا ويتظاهروا!

    في الأسبوع الأول من رئاسة جورج بوش وفي إطار اجتماعين لمجلس الأمن القومي برئاسة جورج بوش (الابن) تكشف مناخ يدعو إلى القلق، لأن ما أخفته ضرورات الاستيلاء على البيت الأبيض أخذ في البروز علنا، بمعنى أن المشروع الإمبراطوري تجلى للعيان، كما أن رجاله ظهروا للعلن ثم زاد أن الداخلين إلى السلطة بدوا وكأنهم في سباق مع بعضهم، وعلى حد تعبير استعمله كولين باول لقد تبين لي أن لحظة الحقيقة حلت علينا، وأن كل الطيور المهاجرة عادت الآن إلى أعشاشها لكي تبيض (في المكتب البيضاوي!) .

    كان واضحا أولا أن الرئيس الجديد لم يتأهل بعد للدور الإمبراطوري الذي أسند إليه، وظلت تطارده حتى في البيت الأبيض نكات ونوادر تركز جميعها على الرأس والعقل والذكاء!

وربما كان ذلك في جزء منه ينطوي على تبسيط قد يكون مخلا، لكنه لا ينفي أن الرجل الذي ظهر في لقاءات العمل المبكرة لإدارته، بدا رجلا أصغر من المجال المفتوح لرئيس الولايات المتحدة وإمبراطور العالم!، والعلة المحسوسة دون انتظار أن تجربة الرجل حتى بعد الميلاد الجديد كانت محصورة في ولاية من ولايات الجنوب الأميركي، ومع أن تكساس ولاية غنية، فإن سلطتها ليست في مكتب حاكمها، وإنما في دهاليز عدد من الشركات العابرة للقارات، وبينها بعض أهم شركات البترول في العالم (مقارها الرئيسية في تكساس).
 
    وكان واضحا بعد ذلك ثانيا أن الرئيس جورج بوش (الابن) وجد على قمم إدارته أصدقاء وزملاء لوالده عرفوه على أنه دوبيا ، ولم يتأقلموا بعد على أنه السيد الرئيس Mr President))، وكان بين هؤلاء رجال مثل نائبه ريتشارد تشيني ، و دونالد رامسفيلد ، و كولين باول ، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة بالتحديد (تشيني ورامسفيلد وباول) يعتبر نفسه وهو صحيح أصلح من دوبيا للرئاسة لولا اعتبارات جعلت كلا منهم يتردد، في حين جازف هو (ولم يكن لديه ما يخسره!). على أن جلوسه داخل المكتب البيضاوي الآن لا يجعله تلقائيا فوقهم زعيما سياسيا يلهم ويوجه، أو رئيسا تنفيذيا يأمر ويُطاع!

    وكان واضحا أخيرا وثالثا أن محرك ترشيح بوش (الابن) وفوزه وتشكيل إدارته مشروعا له أصحاب، لديهم جدول أعمال جاهز يريدون طرحه، واعتماده مبكرا مع الأيام الأولى للرئاسة الجديدة، بمنطق طرق الحديد وهو ساخن، مع العلم بأن جدول الأعمال مُتَّفّق عليه سلفا:

   - إمبراطورية تمسك بمفاتيح السيادة ولا تقبل شراكة معها أو منافسة.
   - سيطرة كاملة على موارد البترول (ومواقعه)، تشرف على إدارته وتتحكم في توزيع حصصه.
   - حملة عالمية ضد الإرهاب تواجه خطرا يعلن عن نفسه، وفي الوقت ذاته توفر غطاءً أخلاقيا للإمبراطورية الأميركية.
لكن الاتفاق على جدول الأعمال سلفا، لم يستطع أن يحجب مشاكل رئيسية:

   - المشكلة الأولى: خلافات بين دعاة المشروع على ترتيب بنود جدول الأعمال (رغم الاتفاق على قائمته).
   - والمشكلة الثانية: اختلافات بين الذين اتفقوا على جدول الأعمال لأنهم متنافرون لأسباب شخصية!
وتشابكت المشكلتان معا وهي طبيعة إنسانية وعندها تداخل العام مع الخاص واختلطت الحدود.
   - والمشكلة الثالثة وقد راحت تتفاقم، أن الكبار الذين لم يستطيعوا تقبل زعامة دوبيا السياسية (على فرض أنها تجلت)، ولا سلطته التنفيذية العليا (على فرض أنها حسمت) تركوا خلافاتهم تظهر خارج الاجتماعات، وربما عن عمد، لأن كل واحد منهم اعتبر نفسه مسؤولا عن صورته ، وليس عن صورة إدارة متضامنة، ولعدة أسابيع بعد دخول البيت الأبيض كان أقطاب الإدارة الجديدة منهمكين بالكامل في مناورات سياسية تخصهم، فقد راح كل منهم يحاول إعلاء دوره وتحجيم دور غيره، وإثبات صواب مشورته مع تسفيه مشورة الآخرين، وإفساح مجال نفوذه الشخصي، ولو على حساب الرئيس الجالس في المكتب البيضاوي.

    وكذلك أصبحت علاقات النفور بين أقطاب الإدارة تسلية نوادي العاصمة، وصالونات جورج تاون ، وتحولت إلى مادة مشوقة في وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وكان برنت سكوكروفت (مستشار الأمن القومي في عهد بوش (الأب) أول من تحدث عن تلك الأحوال علنا، وإن كان حديثه جاء بأسلوب دبلوماسي محسوب، فقد ذكر في حديث للنشر مع المحقق البارز فرانسيس فيتزجيرالد ما نصه:

"هناك في الإدارة الجديدة صراع شخصيات "Personal Conflicts"، وهذه صراعات موجودة باستمرار في كل إدارة، وكانت موجودة على أيامنا في إدارة "بوش" (الأب)، لكن هذه الصراعات ظلت مكتومة في الداخل، وأما الآن وفي عهد هذه الإدارة فإن هذه الصراعات مطروحة في العلن" .

    وطبقا لما نشره فيتزجيرالد فإن سكوكروفت وهو خبير مطلع (بحكم أنه كان مستشارا للأمن القومي مع الأب وصديق وفي له بعد سقوطه في الانتخابات، وشريك معه في كتاب واحد بعنوان عالم يجري تغييره صدر سنة 1998 يحمل اسميهما ( بوش و سكوكروفت ) معا وتجربتهما السياسية جنبا إلى جنب) فإن هذه الشهادة أشارت دون مواربة إلى أن ريتشارد تشيني (وزير الدفاع مع الأب ونائب الرئيس مع الابن) هو مصدر القلق الأكبر بسبب تطرف زائد وجموح إلى التسرع في الأحكام يمكن أن يتسبب في مخاطر .

    ثم يوحي سكوكروفت في حديثه مع فيتزجيرالد إلى أن تشيني كان مشاكسا مع كل وزراء بوش (الأب) وكانت له شطحات غير معقولة بعض المرات ومن شطحاته المشهورة أنه أشار بعدم تصديق جورباتشوف بشك أن ادعاءاته الإصلاحية للنظام السوفياتي ليست إلا عملية تمويه وتضليل، وأن الولايات المتحدة عليها أن تواصل الضغط وتشدده حتى يتفتت عدوها السابق شظايا صغيرة وسحبا من الغبار تغطي الكرملين حتى تدفنه تحتها ! ولم يكن ذلك رأي وزير الخارجية جيمس بيكر .

    وفي كلام سكوكروفت أن تشيني كانت له من أيام وزارة الدفاع معارك مع معظم أطراف إدارة بوش (الأب) وقتها، وأن هذه المعارك إذا لم يقع تداركها سوف تسحب ذيولها إلى إدارة بوش (الابن)، فقد اصطدم تشيني حين كان وزيرا للدفاع (في رئاسة الأب) مع كولين باول (وهو وقتها رئيس الأركان)، وأول الأسباب أن تشيني وهو المدني حاول أن يتدخل في تحضير وإدارة حرب الخليج (الثانية) متصورا نفسه جنرالا على كتفه خمس نجوم (مثل أيزنهاور) واضطر باول أن يتشاجر معه مرة كل أسبوع على الأقل (طبقا لرواية فيتزجيرالد نقلا عن سكوكروفت ).

    والنقطة الحرجة الآن أن تشيني خلال تلك الحرب (لحسن الحظ أو سوئه) بنى لنفسه صورة مدير كفؤ ، وهذه الصورة هي التي وضعته على رأس الفريق الإمبراطوري وزكته نائبا للرئيس (خبيرا عارفا) مع رئيس (ليس خبيرا ولا عارفا بل مولود من جديد) مع تحسب الجميع من أن الحزب الديمقراطي سوف يركز على قلة خبرة ومعرفة بوش (الابن) مقابل خبرة مرشحه جور وهو نائب الرئيس وقتها (مع بيل كلينتون ).
-----------------
-----------------

 [وأتذكر أنني قابلت ريتشارد تشيني منذ سنوات طويلة (يوم أول أكتوبر 1970)، عندما جاء إلى مصر مرافقا لرئيس بعثة التعزية باسم الرئيس ريتشارد نيكسون في جنازة جمال عبد الناصر ، ولم يكن الرئيس السادات في حالة صحية جيدة، وكان أنه أبلغ إليوت ريتشاردسون أثناء مراسم الجنازة وقد تقدم إليه مصافحا يعزيه أنه يستطيع أن يتحدث فيما يشاء معي (وزيرا للإعلام وصديقا مقربا منه أيامها) بالنيابة عنه، وبالفعل جاء إليوت ريتشاردسون إلى مكتبي في الأهرام في السابعة من مساء يوم أول أكتوبر، ومعه تشيني ، وقدمه إلي باعتباره مستشارا في البيت الأبيض، وكان تشيني هو الذي كتب محضر لقائنا ذلك اليوم، ولاحظت تدخله في مجرى الحديث بأسئلة قام فيها بمقاطعة رئيسه (وكان تشيني هو الذي استعاد ذكرى هذا اللقاء فيما بعد)] .
-----------------
-----------------

    ومن إشارات سكوكروفت (في حديثه مع فيتزجيرالد أيضا) يبين أن دونالد رامسفيلد بدوره لا يحب ديك تشيني ، فهو يعتبر نفسه الرجل الذي رشح تشيني كمستشار للبيت الأبيض وقت رئاسة ريتشارد نيكسون ، وكان عمره وقتها أقل من ثلاثين سنة، لكن ديك كما يناديه رامسفيلد تصغيرا لاسم ريتشارد شق طريقه بسرعة وتفوق.

    كذلك يبين ضمن أسباب ضيق رامسفيلد أنه لا يستريح مع عائلة بوش ، ويعرف أنها قبلت به كارهة، لأن جورج بوش (الأب) نما إليه ! أن رامسفيلد اعترض على تعيينه مديرا لوكالة المخابرات المركزية في زمن الرئيس فورد ، وأنه قال لهنري كيسنجر (وزير الخارجية وقتها) وهو القائم بدور المرشد والمعلم للرئيس فورد : إن جورج (بوش الأب) لا يصلح مديرا للمخابرات المركزية لأن شخصيته ضعيفة وليست لديه مواصفات قائد رفيع المستوى ، ومع أن بوش (الأب) حصل على المنصب، فإنه لم ينس لرامسفيلد رأيه فيه.

    فوق ذلك فإن رامسفيلد لا يحب كونداليزا رايس ، يراها قريبة أكثر من اللازم من كولين باول ، متعجلة أكثر من اللازم إلى فتح أبواب المكتب البيضاوي أمام وزير الخارجية حتى يوثق علاقته بالرئيس، وقد أضاف رامسفيلد في حضور الجنرال ماير (رئيس أركان الحرب الحالي للجيش الأميركي) إنه يستطيع أن يرى الرابط بين باول و كوندي (يقصد كونداليزا رايس)، ولم يزد رامسفيلد على ذلك، لكن الإشارة كانت واضحة إلى اثنين من الملونين في إدارة بيضاء تجيء من أقصى اليمين في الجنوب الأميركي!

    وعلى أى حال فإن رامسفيلد لم يستطع إقناع نفسه بأن تشينى سبقه، وأصبح نائبا للرئيس في الإدارة الحالية.
وفوق ذلك فإن رامسفيلد يكره كولين باول بسبب صيته العريض في المؤسسة العسكرية الأميركية، ولا يشعر براحة حين يسمعه يتكلم أمامه وهو وزير الدفاع بخبرة رجل يظن أنه يفهم في شؤون وزارته أكثر مما يفهم هو.

    وفي تلميحات سكوكروفت أن كولين باول ليس معجبا على الإطلاق بكل أفراد المجموعة الإمبراطورية ، فهو يسمعهم يتحدثون عن استعمال القوة ، دون أن تكون لأحد منهم معرفة بشؤون الحرب، فكلهم بمن فيهم الرئيس بوش (الابن) نفسه تهربوا من الخدمة العسكرية في فيتنام بعذر أو آخر!

    وتروي السيدة كونداليزا رايس أنها كثيرا ما رأت كولين باول يعود برأسه إلى الوراء ويقلب عينيه إلى أعلى، إشارة إلى ضيقه بكلام يسمعه حول مائدة اجتماعات مجلس الأمن القومي (وتلك حركة مشهورة عن وزير الخارجية).

    وقد فقد كولين باول صوابه عندما سمع رامسفيلد يتحدث في أول اجتماع عقده مجلس الأمن القومى بعد 11 سبتمبر 2001، قائلا إنه أول من لفت الأنظار إلى أن الولايات المتحدة معرضة لهجوم غادر عليها من وزن بيرل هاربور (عندما هاجمت اليابان الأسطول الأميركي في الباسفيك وتمكنت من تدميره بالكامل في ديسمبر 1941) واضطر كولين باول إلى تذكير رامسفيلد بأن ذلك التحذير الذي يدعي به الآن جاء في معرض مناقشة عن كوريا الشمالية وقدراتها في صناعة الصواريخ، وذلك شيء يختلف عما تعرضت له نيويورك صباح يوم 11 سبتمبر 2001، وبالتالي فإن رامسفيلد يدعي بأثر رجعي حكمة ونبوءة لم تتحقق، لأن الهجوم على برجي التجارة لم يكن هجوما صاروخيا مفاجئا شنته كوريا الشمالية! .

    ومؤدى الأمر في النهاية أن طاقم بوش (الابن) الذي جلس ليبحث المشروع الإمبراطوري أواخر شهر يناير وأوائل شهر فبراير سنة 2001 لم يكن فريقا متجانسا أو منسجما على المستوى الشخصي، حتى مع رابط اقتناع أعضائه بأن مشروعهم الإمبراطوري جاء وقته وأوانه!
------------------
------------------ 
[ وكان منطقيا أن يختلف أعضاء الفريق الإمبراطوري في إدارة بوش ، رغم اتفاقهم على المشروع الإمبراطوري وبنوده وكان طبيعيا أن تبرز خلافاتهم على ترتيب الأولويات عندما يجلسون إلى مائدة مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أواخر يناير وأوائل فبراير سنة 2001.

    وذلك بالفعل ما حدث، وما تتفق عليه الروايات والشهادات والوثائق الصحيحة والمعتمدة، فقد برز واتسع الخلاف على ترتيب الأولويات، وانقسمت الآراء منذ المناقشات الأولى على عدة اتجاهات، وكل اتجاه يتزعمه قطب من أقطاب الإدارة الجديدة.

1- كان هناك رأي يتزعمه كولين باول يعتقد أن بند مكافحة الإرهاب هو الذي يصح أن يتصدر قائمة الأولويات، لأنه القادر قبل غيره على اجتذاب أوروبا (وهي مجموعة دول صناعية كبرى ترى نفسها مهددة بهجرات كثيفة من شباب الجنوب تحمل إليها موجات من كل الأجناس ينفذون إلى مجتمعاتها ويتحولون إلى حقول ألغام نائمة في وسطها، وأدوات في يد جماعات إرهابية تستعملها من بعيد حين تشاء) ثم إن العمل ضد الإرهاب يستطيع أيضا أن يجذب روسيا (وهي التي عاشت كابوس أفغانستان وبعده مأزق الشيشان) وهو في نفس الوقت يجذب الصين (التي يقلقها ما يجري في جمهورياتها الغربية من نشاط جماعات إرهابية ترفع لواء الإسلام).
وكذلك كان كولين باول يرى (من تقدير لأهمية أوروبا وروسيا والصين) أن مقاومة الإرهاب تصلح مدخلا لما هو أوسع منها بمعنى أن المشروع الأميركي للزمن الجديد يستطيع بهذا المدخل أن يأخذ معه هذا الثلاثي، حتى وإن سلم لأطرافه بدرجة من الشراكة مع الولايات المتحدة في تدبير أمور هذا الزمن الجديد.
كذلك كان باول يرى أن ضرورات نجاح المشروع الأميركي والشرق الأوسط أهم ميادين تحقيقه تستدعي التوصل إلى تسوية للصراع العربي الإسرائيلي لأنه من خبرته ومما اطلع عليه منذ دخل وزارة الخارجية يعرف أن تلك المنطقة (الشرق الأوسط) تموج بعداء متزايد للسياسة الأميركية، وأنه بالحديث إلى خبراء وزارته تبين له أن الإدارة السابقة (إدارة كلينتون ) قدمت مشروعا لحل دائم للصراع رفضه الفلسطينيون في كامب دافيد (خريف سنة 1999)، لكن هذا المشروع يمكن أن يُعاد بعثه وعرضه بتعديلات طفيفة تجعله مقبولا للفلسطينيين، وغير مرفوض من الإسرائيليين].
------------------
------------------
2- وكان هناك رأي آخر يتزعمه ريتشارد تشيني ، ملخصه أن الرئيس الجديد لا يصح أن يقتفي خطوات الرئيس السابق ( كلينتون )، ويهدر وقته في مشكلة الشرق الأوسط، لأنها لا تتحمل ثقل حل دبلوماسي ، وظنه في هذا النوع من الصراعات هو تركها للزمن يتكفل بحلها (سواء بالتقادم أو النسيان)، وبدلا من تضييع الوقت (كما فعل كلينتون ) فإن الولايات المتحدة الأميركية تستطيع أن تدخل إلى قلب الشرق الأوسط عن طريق قضية مقاومة الإرهاب وليس عن طريق قضية فلسطين، ويساعد على ذلك في تقديره أن حكومات المنطقة الصديقة للولايات المتحدة ليست مهتمة إلى الدرجة التي يتصورها بعضهم بقضية فلسطين، فتلك معضلة تعود العرب أن يتعايشوا مع تعقيداتها ولم تعد تهزهم تداعياتها في حين الاهتمام الجدي لهؤلاء الأصدقاء العرب يتركز في حماية نظمهم ، فذلك ما يعنيهم قبل غيره، ومع أنهم ينسبون إلى الإرهاب وحده أسباب قلقهم كلها فإن الولايات المتحدة تستطيع استغلال هذا القلق لكي تنفذ إلى قلب الإقليم متوجهة إلى مواقع البترول مباشرة، دون تضييع الوقت في البدرومات المظلمة الباردة والدامية للصراع العربي الإسرائيلي.

3- وكان هناك أخيرا رأي يتزعمه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع (يؤيده فيه نائبه بول وولفويتز ومدير التخطيط الاستراتيجى في وزارته ريتشارد بيرل ) ملخصه أن الوقت مناسب لضربة مباشرة تستهدف العراق كمدخل لسيطرة كاملة على البترول، لا تضيع وقتها لا مع قضايا مستعصية على الحل، ولا مع مخاوف نظم تهرب من ظلها!

    وكان تقدير رامسفيلد أن العراق نشيط في توسيع دائرة التعاطف معه، بسبب فداحة تكاليف الحصار على شعبه، وهذا التعاطف وهو يتزايد مما يصعب إهماله، وإلا فإن موضوع العراق (بترول العراق) سوف يظل مرهونا بظروف متقلبة (Volatile).

    مُضافا إلى ذلك أن تصفية بقية الحساب مع العراق يفتح مداخل إلى تسوية الحسابات القديمة في إيران وبهذه التصفية والتسوية للحسابات فإن شرقا أوسطا جديدا يمكن أن يخرج من وراء الظلمات التي تغطي عليه الآن، خصوصا إذا أمكن تكثيف الوجود العسكري الأميركي في الخليج، ليقوم بعرض لقوة النيران في منطقة لا تفهم غير لغة الخوف ، رغم استغراقها في الكلام عن السلام! ].
-----------------
-----------------
    وظلت المناقشات واحتدمت الخلافات، وطبقا لسجلات مجلس الأمن القومي الأميركي في الاجتماع الثاني له (مارس 2001) وضمنها محاضر وتقارير وتوجيهات عمل (أُرسلت إلى لجنة الأمن والدفاع في الكونجرس من قبل 11 سبتمبر 2001) فإن رامسفيلد طلب الكلمة (وقصده في الغالب أن يرد على تقديرات وزير الخارجية كولين باول ) - ليقول:

    " إنها مضيعة للوقت أن نصرف جهدنا مع قوى مستنفدة (Spent Powers ) مثل الروس، لأن الاتحاد السوفياتي (وهو الخصم السابق)، لم تبق منه إلا دولة صغيرة يتساوى حجم إنتاجها مع حجم إنتاج هولندا ، وقوة بهذا الحجم لا تقدر أن تكون منافسا للولايات المتحدة، ومع كون هذه القوة تملك ترسانة نووية ورثتها عن الاتحاد السوفياتي إلا أنها غير قادرة على صيانتها.
    وأما أوروبا فإن التنسيق معها ضروري، أخذا في الاعتبار أن ذلك التنسيق لا يصح انتظاره طويلا، لأن أوروبا تدرك في أعماقها أن مصالحها مع الولايات المتحدة، وهي مهما حاولت بأي قدر من الادعاء باق عندها سوف تجيء إلينا في النهاية ".

    وأما العالم العربي فإن النظم فيه مشغولة بأوضاعها، وإذا بقي لها شيء فوق هذا الشاغل، فإن إسرائيل كفيلة به.

    وإذن فإن السياسة الأميركية لابد لها أن تنقل مواقع تركيزها إلى جهات أخرى تستطيع عليها إثبات وتأكيد ذلك التفوق الذي تملكه الآن حتى تضمن السلام المستند إلى النصر الساحق الذي أحرزته (في الحرب الباردة)!
وعلق الرئيس بوش (الابن) طبقا للسجلات على كلام رامسفيلد - بقوله:

" الحقيقة أنني لازلت متحيرا، فعندما كنت طالبا في الجامعة، وعندما كنت أعيش مع أبي في البيت الأبيض (نائبا للرئيس ورئيسا للولايات المتحدة) كنت أعرف أين نحن.
كنت أعرف أننا هنا وأن الشيوعيين هناك ، وأن بيننا وبينهم صراعا ، أي أنهم كانوا العدو.
وأما الآن فلدي إحساس بالضياع لا أعرف معه على وجه القطع من هو العدو؟ لكنني في أعماق شعوري (Gut Feeling) أوافق أن هناك أعداءً لنا، وأن الأعداء هناك في موقع ما هناك ، ولكن أين بالضبط؟ هذه هي المعضلة!".
------------------
------------------
 
[وتدخل نائب الرئيس ريتشارد تشيني ليقول بعد عرض مفصل لرؤيته عن الأوضاع العالمية الراهنة:

    الرئيس محق حين يقرر بثقة أن العدو لابد أن يكون هناك، وهو بالفعل هناك، متمثلا في الإرهاب العالمي الذي يبدو أن تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن مجرد سطح ظاهر له يخفي تحته جبلا ضخما غارقا في ظلام البحر، والمعضلة في مطاردة الإرهاب أنه معركة كبرى ضد عدو مختبئ في كهوف الجبال المظلمة، له شبكة غامضة واسعة في كل قارات العالم، وهو يضرب مصالحنا كما فعل في قواعدنا في السعودية (الخبر) وضد قوتنا البحرية (المدمرة كول في ميناء عدن)، ثم يختفي في الزحام، ومهما كان فإن علينا أن نعثر عليه وأن ندمر بنيته الأساسية وتنظيماته وقياداته حيث تكون، وذلك جهد سوف يستغرق وقتا وموارد، وفي هذا الوقت فإننا لا نستطيع أن نغفو في انتظار أن يوجه الإرهاب ضربته التالية، ولذلك فإن أمامنا على الفور مهمتين:

   - زيادة قوتنا الضاربة ونشرها بحيث تستطيع العمل بحزم وحسم في أي مكان.
   - وتحديد مصالحنا الحيوية في الشرق الأوسط (موارد البترول والمواقع الاستراتيجية من حول عمليات إنتاجه ونقله)].
------------------
------------------
 
    وتوالت المداخلات وأهمها ما ورد على لسان كولين باول ، وفيها قوله:
"إن الشرق الأوسط هو المنطقة التي ينبغي أن نركز عليها، ووزارة الخارجية تريد أن تتلقى توجيها في شأن المفاوضات الجارية بين الحكومة الإسرائيلية وبين السلطة الفلسطينية، وهناك معلومات لدى الوزارة ومن أصدقاء لنا في المنطقة تشير إلى أن عرفات نادم لأنه لم يقبل بالمشروع الذي عرضه عليه الرئيس كلينتون في كامب دافيد، وهو على استعداد اليوم لكي يقبل ما رفضه بالأمس، وربما تكون تلك فرصة لتهدئة الشعور العام في المنطقة، وهو شعور خطر في منطقة حساسة تتخبط بعصبية، لأنها لا تعرف طريقها إلى العصر، ولأن نظمها محاصرة بمطالب ملحة على ضرورة التغيير وأوله التقدم نحو درجة أرقى من المشاركة السياسية والإصلاح الدستوري والقانوني ".

    وتدخل الرئيس جورج بوش ليروي نقلا عن والده: إنه لا يثق على الإطلاق في عرفات ، ويراه نموذجا ل تاجر سجاد صغير في سوق شرقي مزدحم ، يعرض بضاعة يعرف أنها ليست أصلية، ويسعى إلى صفقات يعتزم سلفا أن لا يدفع ثمنها.

    ويروي بوش إنه في بداية الحملة الانتخابية قام بزيارة الشرق الأوسط بادئا من إسرائيل، وكان آرييل شارون مضيفه ومرافقه في رحلات استطلاعية بالهليوكوبتر إلى مواقع خطوط الصراع، وأثناء هذه الزيارة فإنه أراد أن يظهر درجة معقولة من الحِياد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بناءً على نصيحة من وزارة الخارجية (وكانت مادلين أولبرايت وزيرة لها في إدارة كلينتون ) وكذلك فإن مساعديه الذين رافقوه في رحلته طلبوا موعدا له مع ياسر عرفات ، لكن عرفات لم يرد، ثم عرف بوش فيما بعد أن عرفات تملص في الرد وماطل لأنه ظن أن لقاءه معه (مع بوش ) سوف يحرج الإدارة القائمة ويضايق المرشح الديمقراطى آل جور (وهو نائب الرئيس)، وذلك ما استغربه بوش وكان كافيا لإقناعه أن عرفات كما يرى والده بالضبط مجرد تاجر شرقي محدود الأفق !

    وتظهر السجلات بعد ذلك مباراة بين ريتشارد تشيني و دونالد رامسفيلد في الدعوة إلى ضرورة ارتكاز السياسة الأميركية في المرحلة القادمة على إسرائيل وعلى آرييل شارون بالتحديد. ويضيف رامسفيلد تعريفا جديدا لاستعمال القوة يقول فيه: إن تدخل أميركا من الآن فصاعدا لا يصح أن تحدده مناطق الأزمات، ولكن تحدده كذلك الإمكانيات المتوافرة لنا في مناطق الأزمات! .

رابعا:
 11 سبتمبر 2001 وتوابعه

 ** كان واضحا طوال النصف الأول من سنة 2001 أن الإدارة الجديدة تتخبط في سياساتها الداخلية والخارجية، وأن رئيسها لم يكن مقنعا في مكانه وفي زمانه، وأن أقطاب إدارته شردوا بعيدا عن البيت الأبيض، وأن كل واحد منهم يحاول أن يجعل من وزارته محمية له محرمة على غيره، وكان ذلك ظاهرا في وزارة الدفاع، وفي وزارة الخارجية، وفي وزارة الخزانة، وحتى في وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيق الفيدرالي.

    وفي البيت الأبيض ذاته جرت محاولة لإظهار ريتشارد تشيني نائب الرئيس، باعتباره الرجل الأول في الإدارة الجمهورية رغم أنه في النظام الرسمي رجلها الثاني، ووقع بالفعل داخل كواليس السلطة أن أصحاب المشروع الإمبراطوري اعتبروا عمليا أن ريتشارد تشيني رجلهم، وأن القرار النافذ يستحسن أن يظل في يده مع وجود رئيس أميركي مازال عوده أخضر ، ولم تكن تلك بادرة طيبة إزاء الرئيس حتى وإن كان عوده أخضر، وزاد عليها أن الإيحاء بسلطة تشيني العُليا وجد طريقه إلى وسائل الإعلام الأميركية، وكان الصحافيون الأكثر رفقا بالرئيس هم الذين رأوا أنها إدارة بوش تشيني كلمة واحدة وليست كلمتين إشارة إلى أن الرئاسة هذه المرة شركة بين الرئيس ونائبه: أحدهما لديه اللقب والثاني لديه الصلاحية!

    ومع شهور الصيف راح عدد من المستشارين المقربين من الرئيس الجديد وفيهم أندرو كارد (رئيس هيئة مستشاري البيت الأبيض)، و كارل روفي (أقوى مستشاريه)، و كارين هيوز (المسؤولة عن علاقاته العامة) يبدون انزعاجهم من أن صورة الرئيس مهزوزة أمام الرأي العام في الداخل وفي الخارج أيضا، وتوصيتهم أن جورج بوش (الابن) يحتاج للمرة الثانية إلى ولادة جديدة (سياسية هذه المرة وليست أخلاقية)، واقتراحهم أن يكون هناك فاصل زمني، أي إجازة يبتعد فيها الرئيس عن الساحة ثم يعود إليها رئاسيا بحق وحقيق! .

    وكان التخطيط أن يُقال ويُذاع ويُنشر أن الرئيس الجديد سوف يترك واشنطن لشهر على الأقل يلزم فيه مزرعته (كراوفورد) في تكساس ومعه دراسات وتقارير وأوراق يعكف على دراستها، وسوف يعود من هناك ومعه برنامج عمل يجدد طاقات الإدارة ويحشد مواهبها ويوحد كلمتها ويحدد مهامها دون التباس في جدول أعمالها أو حول مصدر القرار فيها.

    وكذلك أعلن رسميا أن جورج بوش سوف يغيب في تكساس طوال شهر أغسطس حيث يقضي إجازة صيف يقظى وليست مسترخية، ونشيطة وليست كسولة، ومشغولة بالمستقبل وليست مأخوذة بسماع همس الريح أو نسيم البحر!

    وبينما كان الرأي العام الأميركي والعالمي في حيرة إزاء رئيس لم تمض عليه شهور في السلطة، ويريد الآن إجازة شهر كامل في مزرعته كان الإيحاء من البيت الأبيض أنه غياب له ما بعده وما بعده سوف يكون حضورا طاغيا كأنه وقوع المعجزة!

    ويوم أول سبتمبر بعد شهر كامل (أغسطس)، عاد الرئيس بوش من مزرعته في تكساس إلى مكتبه في البيت الأبيض، ودعا إلى سلسلة من اجتماعات لمجلس الأمن القومي بقصد إجراء مراجعة كاملة لستة شهور من إدارته، ولإعادة ضبط وتوجيه أكثر من ثلاث سنوات باقية من هذه الإدارة، وفي نفس الوقت استشراف فرصة مدة ثانية للرئاسة (بحيث يصحح ما لحق بوالده الذي دخل التاريخ رئيس مدة واحدة (وهي مسبة تسيء إلى أي رئيس سابق، باعتبار أن الناس رفضوه في حق له بنص الدستور!).

    وفجأة صباح يوم 11 سبتمبر 2001 (بتوقيت شرق الولايات المتحدة) وقعت الواقعة.
   * في الساعة 8,45 اصطدمت طائرة مختطفة تابعة لشركة الخطوط الأميركية (الرحلة رقم 11 من بوسطن) بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، فكسرت فيه فجوة ضخمة تحولت في لحظة إلى فوهة حريق.
   * في الساعة 9,03 اصطدمت طائرة مختطفة ثانية من مطار بوسطن تابعة أيضا لشركة الخطوط الأميركية المتحدة (الرحلة رقم 175) بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، وكذلك انفجر البرج الثاني لمركز التجارة العالمي.
   * وفي الساعة 9,43 اصطدمت طائرة مختطفة ثالثة من مطار بوسطن ذاته تابعة لشركة الطيران الأميركية المتحدة (الرحلة رقم 77) بمبنى وزارة الدفاع في واشنطن وهدمت ركنا منه وأشعلت لهبا في ركن آخر يقع فيه مكتب وزير الدفاع نفسه.
   * وفي الساعة 10,05 كانت أبراج مركز التجارة العالمي برجان هما أهم معالم نيويورك عاصمة المال والثقافة والإعلام في الولايات المتحدة يتهاويان حطام أنقاض، ورماد حريق يتساقط على الأرض.
------------------
------------------

   * وفي مدينة ساراسوتا (في فلوريدا) حيث كان الرئيس الأميركي في زيارة قصيرة ظهر للناس وكأنه طائر بحري كاد يغرق تحت بقعة زيت تسربت من ناقلة زيت أصابها العطب فتعطلت وتدفقت حمولتها تغطي خليج فلوريدا تنبئ بكارثة بيئية مروعة، وقال الرئيس دون أن يظهر لسامعيه إنه استعاد حواسه بعد المفاجأة:
أميركا تحت النار تعرضنا لهجوم إرهابي! .
كان المشهد مشهدَا غريبا عند مركز القرار الأميركي وأمام الشعب الأميركي، وأكثر غرابة خارجه وراء البحار والمحيطات.
-----------------
-----------------
 
    وفي البيت الأبيض كان المشهد أشبه ما يكون بمؤامرات قصور الأمراء الباباوات الإيطاليين من آل بورجيا ونظرائهم ممن تمرسوا في دسائس القصور ومؤامرات الاغتيال بالتناحر وبالسم وبالشائعات.

    وبعد أن وقع الهجوم على أميركا كان جورج بوش على وشك أن يركب طائرته الرئاسية من فلوريدا عائدا بسرعة إلى واشنطن وإلى البيت الأبيض وإذا به يتلقى اتصالا هاتفيا من نائبه ريتشارد تشيني يرجوه فيه أن لا يقترب من أجواء واشنطن، لأن طائرته مستهدفة بكمين إرهابي يتربص بها، وابتعدت الطائرة الرئاسية عن أجواء واشنطن، وظلت عشر ساعات شاردة وضائعة بين القواعد العسكرية والمطارات.

    كل ذلك وأسرة بوش وفي المقدمة منها والدته بربارة يستعجلون عودته إلى واشنطن، لأن مكانه هناك في المكتب البيضاوي وليس في غيره.
-----------------
-----------------

[    وفي هذه اللحظات الحرجة راح رجال مثل دونالد رامسفيلد وغيره من أركان الإدارة يقولون وبحيث تسمع أسرة بوش أن ديك تشيني يريد أن يظل دوبيا بعيدا عن مركز القرار ليتأكد الرأي العام أنه رئيس في الشكل وليس في الموضوع، لأن الموضوع كله في يد ريتشارد تشيني ، وبالفعل فإن تشيني انتهز الفرصة ليتصرف فعليا أمام أميركا باعتباره الرئيس الحقيقي الموجود في البيت الأبيض، وعندها طلبت الأسرة (على الأقل الأب والأم) من دوبيا أن يعود على عجل، وأن يضع نفسه فورا وسط الصورة] .
-----------------
-----------------

    وقد كان وفي وسط موقف شديد الحرج بالنسبة لأميركا كانت دسائس القصور تفرض على نائب الرئيس أن يبتعد عن الأنظار، وأن يتجنب الأضواء، وأن يختفي من مواقع النظر بحيث يخلو المسرح لرجل واحد هو دوبيا ، والحجة أن الرئيس ونائبه في زمن حرب لا يصح أن يتواجدا في نفس المكان.

    كان البيت الأبيض يريد قيصرا واحدا يقف عند دخوله كل القواد يهتفون باسمه عندما يدخل ويكررون الشيء نفسه عند الخروج.

    لكنه على طول الولايات المتحدة وعرضها ومن خط الماء إلى خط الماء، كان الصوت والصدى اسم رجل غامض يُشار إليه بالكراهية والرهبة، كأنه من عوالم السحر هو أسامة بن لادن الذي قيل أن أعوانه حضروا كالعفاريت خفية من جبال وكهوف أفغانستان وانقضوا نارا ودمارا فوق الأبراج العالية لأقوى إمبراطورية في التاريخ!.

 
إرسل المقال لصديف للتعليق على المقال

مقـــالات أخــرى للكاتب:

 

  حرب أكتوبر ... ماذا حدث فيها وماذا حدث بعدها!   2/1/2004

 

  زيارة جديدة للتاريخ   1/1/2004

 

  لمصر لا لعبد الناصر   12/1/2003

 

  القرار السياسي الأمريكي في زمن قادم!  10/3/2003

 

  سباب متعددة .. وسؤال عما بعد! ...  10/2/2003

 

  استئذان في الانصراف   9/30/2003

 

  عن إدوارد سعيد .. تحية واعتذار   9/29/2003

 

  القوات المسلحة في السياسة الأمريكية  9/1/2003

 

  ساسة وجنرالات بين واشنطن وبغداد  7/30/2003

 

  صناعة القرار الأمريكي الآن  6/30/2003

 

  قراءة في إدارة بوش وعقلها !  6/1/2003

 

  بين الصحافة والسياسة  1/1/2003

 

 

لايوجد إستطلاع اليوم
 إستطلاعات سابقة

  د . زياد الصالح

في جزء (آل ثاني) من"وضحى وابن عجلان"


  أيمن اللبدي

ما قبل الهاوية :السؤال الغائب والأجوبة الحاضرة ...!(2-2)


  الحقائق

محامي نجل رئيس السلطة الفلسطينية يطلب نشر تكذيب


  الأمير/ تركي بن بندر

السعودية..وحقوق الإنسان (2- 3)


  رضا محمد لاري

إرجاع غزة مؤامرة إسرائيلية


  بلال الحسن

السعودية في موقع القيادة بدون رغبة منها


  نضال حمد

محاكمة صدام محاكمة للأمريكان وأعوانهم


  يحي أبو زكريا

الليبيراليون الظلاميّون


  عزمي بشارة

الامبريالية والشباب المعجبون


  علاء بيومي

العقل المدبر لليمين الأمريكي


  عبد الستار قاسم

يجب تدريس أمريكا الديموقراطية


  محمد العبيدي

تقسيم العراق ... هدف أمريكي ـ صهيوني مسبق التحضير


  سليمان نزال

من يحاكم صدام؟


  بثينة شعبان

من المستفيد من قصف الجسور ..؟


  فوزي الأسمر

القيادة الفلسطينية تركض وراء السراب


  يوسف مكي

لتتوقف الهرولة نحو التطبيع


  حياة الحويك عطية

ساركوزي و«اكشن» الإرهاب


  إبراهيم حمّامي

وظلم ذوي القربى والأعزة، من المطار إلى غزة


  إبراهيم علوش

العروبة والعربية في القرآن الكريم


  فيصل القاسم

لماذا لا يقلد الحاكم العربي ذكر النحل ؟


  فايز أبو شمالة

سردين


  غازي العريضي

إسرائيل وإشعال العالم الإسلامي


  منير شفيق

محمد البرادعي دخل نادي «الجائزة»


  عبدالله السناوي

لماذا لم يفرح المصريون بجائزة نوبل للسلام؟


  مقال

غسيل المارينز القذر


  إقتصاد

روش تمنح تراخيص لانتاج دواء تاميفلو لمواجهة انفلونزا الطيور


  إقتصاد

بنك التنمية الاسيوي يخصص 58 مليون دولار لمكافحة انفلونزا الطيور


  إقتصاد

وصول اول رحلة للخطوط العراقية الى القاهرة بعد توقف استمر 15 عاما


  إقتصاد

التساؤلات لا تزال مطروحة حول حجم انفاق الجيش الصيني وقدراته


  إقتصاد

البنك الدولي سيزيد مساعدته لباكستان


  رياضة

امم افريقيا 2006: ردود فعل تعكس الرؤية المستقبلية للبطولة


  رياضة

الجامايكي باول والكوبية مينيديز رياضي ورياضية العام في اميركا الوسطى والكاريبي


  رياضة

رالي كورسيكا: لوب يتصدر اليوم الاول


  رياضة

بطولة الماسترز: هويت يضمن مشاركته


  علوم

مؤتمر لتعزيز التعاون تحسبا لانتشار انفلونزا الطيور


  علوم

زلزال قوي في تركيا يسفر عن مقتل شخصين واشاعة حالة من الذعر في تركيا


  علوم

واشنطن تؤكد تعاون دول جنوب شرق آسيا لوضع نظام انذار من انفلونزا الطيور


  علوم

السلطات الفرنسية تدعو لتشديد المراقبة على الطيور البرية


  متفرقات

بوش يتناول الغذاء مع المغني بونو نجم فريق "يو تو"


  متفرقات

توقيف رجل طعن راهبة في الاسكندرية


  متفرقات

الامير وليام يلتحق باكاديمية ساندهورست العسكرية


  متفرقات

الامبراطورة ميشيكو حزينة لاقتراب موعد زواج ابنتها الوحيدة


  متفرقات

20 الف طفل اثيوبي سنويا ضحية الاتجار بالبشر


للإتصال بنا

للإتصال بنا  


2002 - 2005  الحـقائق - المملكة المتحدة

جميع الحقوق محفوظـة