|
إهـــداء
إلى أولادي الثلاثة علي وأحمد وحسن وإلى عشرات الملايين غيرهم من شباب مصر وأمتها العربية، وحتى لا يضيع منهم الغد لسبب لاذنب لهم فيه وهو أنهم لم يكونوا معنا بالأمس!
هيكل
مقدمة
{أّلّمً يعًلّم بٌٌأّنَّ الله يرّي"}
قرآن كريم
هذه صفحات حاولت تأجيل كتابتها ونشرها علي الرغم من دواع كثيرة سياسية وفكرية ـ وإنسانية أيضًًا ـ كانت تقتضي التعجيل بالكتابة والنشر. ولقد صبرت طويلاً، لكن السنين غلبتني علي أمري، فهي تجري سراعًا، ولابد ـ إذا كانت لهذه الصفحات قيمة ـ أن تصدر، بينما جميع الأطراف في الموضوع ـ علي قيد الحياة يملكون فرصة الرد إذا شاءوا، وبأي وسيلة يختارون.
وموضوع هذا الكتاب في الحقيقة يتعرض لواحدة من أغرب القصص في علاقة السياسة بالصحافة في مصر علي امتداد الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. وهي قصة أرادوا لها أن تنسي وأن ينزل عليها ستار حتي لا تظهر مقاصد أو تبين أغراضا، مازالت تسعي بين الناس، وما زال أثرها محسوسًا في نبض كل يوم.
ولا أظنني في حاجة ـ خلال هذه المقدمة ـ إلي التشديد علي خطورة العلاقة بين السياسة والصحافة ـ والإعلام بصفة عامة ـ خصوصًا في بلدان العالم الثالث.
” العلاقة بين السياسة والإعلام معقدة في كل الدنيا، وهي في دنيانا ـ دنيا العالم الثالث ـ أكثر تعقيدًا. فالعلم الحديث في معظم بلداننا منقول والتجديد مظاهر مستعارة، لأن التغريب بالتقليد سهل والتجديد الأصيل مشقة ”
والعلاقة بين السياسة والإعلام معقدة في كل الدنيا، وهي في دنيانا ـ دنيا العالم الثالث ـ أكثر تعقيدًا. فالعلم الحديث في معظم بلداننا منقول والتجديد مظاهر مستعارة، لأن التغريب بالتقليد سهل والتجديد الأصيل مشقة. وهكذا فإنه حتي وسائل التنوير ـ يمكن أن تتحول في أيدينا إلي أدوات تعتيم! كما أن وسائل وأدوات التطور والنمو والازدهار والأمن يمكن أن تصبح لها عندنا استعمالات تختلف عن الهدف الذي قصده هؤلاء الذين سخروا لصنعها ما توصلوا إليه من علوم وتكنولوجيا.
وعلي سبيل المثال فإن ما ينطبق علي الإعلام ـ في دنيا العالم الثالث ـ ينطبق أيضًا علي السلاح. والعالم العربي بالذات يشتري في كل سنة من السلاح ما تبلغ قيمته ما بين خمسة وثلاثين إلي أربعين بليونًا من الدولارات (من 10 إلي 12 في المائة من الناتج القومي). ولكن السلاح في بلدان العلم والتجديد للدفاع عن النفس، وأما في أيدينا فإن السلاح لقهر النفس.. للقمع الداخلي وليس لعدو خارجي، خصوصًا في فترات تختلط فيها الأمور حتى أننا لا نستطيع أن نحدد: من هو العدو؟
وعندما تختلط الأمور فإن ما يضيع ليس هو العلم والتجديد فقط، وإنما يضيع الحلم الوطني والقومي ولا يكون هناك بديل غير القمع والقهر. وكنت أقول دائمًا ـ ولا أزال ـ أنه عندما يضيع الحلم فإن الأنظمة لا يعود أمامها غير طريق واحد بدايته قناة تليفزيون أو محطة إذاعة أو جريدة ونهايته دبابة أو مدفع أو طائرة! إذا عجزت الأنظمة عن تطويع إرادة الناس بالكلام تولي السلاح مهمة إخضاعهم بالنار.!
وليس ضروريا أن تكون قوي السيطرة داخلية ـ بل العكس ـ فالشواهد أمامنا كثيرة علي أنّ نظم السيطرة قد أصبحت عالمية بل كونية في زمان تلاشت فيه المسافات علي الأرض وفي الفضاء، وفي نفس الوقت تمركزت المصالح والمطامع والغايات!
***
ولقد حدث للسياسة في مصر ــ وفي غيرها ـ ما نعرفه من مد وجزر ومن انطلاق وانحسار، وفي هذا كله كان الإعلام ـ وصحافة الكلمة في وسطه ـ ساحة وطرفًا وأداة وفق طبائع الأمور التي تفرض ـ كما شرحت في بعض فصول هذا الكتاب ـ أن تكون الصحافة في أي بلد جزءًا من الحياة السياسية فيه.
ولهذا فإن متابعة ومراجعة ما جري ويجري في عالم الصحافة متابعة ومراجعة لما جري ويجري في عوالم السياسة. وقلت إن القصة التي يتعرض لها هذا الكتاب من أغرب القصص، وهكذا فإن روايتها ذات يوم كانت لازمة وكانت ضرورية. ولقد كان التوقيت هو السؤال الحائر الوحيد.
ثم قر قراري علي أن الموعد قد أزف لعدة عوامل، أولها ـ كما أسلفت ـ عامل الزمن والسنين التي تجري سراعًا وأهمية أن يكون كل الأطراف علي قيد الحياة ومن قبل أن ينزل صمت الأبدية، فلا يقول قائل: لماذا لم يتكلم وكان في مقدوره الكلام؟ ـ أو يقول آخر: بعد فوات الأوان جاءوا يتكلمون؟ وعلي وجه اليقين فإنني أدعو بطول العمر والصحة للجميع، لكن القلوب ساعات دقاقة، وحساباتها بالثوان، وأجلها في يد ليس لبشر عليها سلطان. وهكذا فقد كان علي أن أحزم أمري علي لحظة من اللحظات أحاول فيها وأقدم، وليكن ما يكون ـ عارفًا مسبقًا أنها مهمة دونها أهوال، فلدي الآخرين سلطة وليس في يدي شيء، ولدي الآخرين منابر ضخمة كأنها الحصون وأنا في الهواء الطلق أو في العراء ـ وبالتالي فهي موازين غير متكافئة. وعلي أية حال ففي النهاية أطعت نداءً داخليا راح يهيب بي أنه «الآن وقت الكلام وإلا فلا كلام»!
***
لابد أن أقول أيضًا أن المناخ العام في مصر بدأت تظهر عليه أمارات صحوة. فهناك أخيرًا محاولة للبحث عن الحقيقة، وتساؤل عميق حتى العظام يحاول أن يستنطق الصخر نفسه عله يجيب فيطفئ ظمأ ويشبع جوعًا إلي الحق وأين مكانه؟ وكيف الوصول إليه؟ ومن أي سبيل؟ وربما كان التساؤل الأعمق في حياة أجيال جديدة من شعب مصر وشعوب الأمة العربية هو التساؤل عن التجربة الثورية المصرية ودور جمال عبد الناصر وماذا جري فعلاً وماذا كان؟
والواقع أن السؤال في مصر قديم جديد، فكل تجربة للتحرك والتقدم في مصر جري تشويهها بعد محاولة ضربها وبعد «التعامل» مع أبطالها بأسلحة العصر السائد أيامها ووسائله.
وقـد أقـول ـ وهـذا اجتـهاد شخصي ـ إن أبطال مصر في العصر الحديث ستة، ولا أظنهم أكثر بالمعايير المتعارف عليها للبطولة. «الإنسان» و«اللحظة» أمام صراع المقادير وعند نقط التحول الكبرى. محمد علي وجمال عبد الناصر ـ في الصراع لطلب الاستقلال والتقدم. عرابي ومصطفي كامل ـ في الصراع من أجل التنبه واليقظة الوطنية. الطهطاوي ومحمد عبده ـ في الصراع لإعلاء سلطان العقل والفكر. وكلهم.. كلهم علي نحو أو آخر تعرضوا لحروب ضروس، وكـان جمال عبد الناصر أكثرهم تعرضًا لعدة أسباب تظهر وتتجلي خصوصًا بالمقارنة مع نظيره السياسي (محمد علي):
أولها ـ أن روابط الانتماء العضـوي بالأرض كانت أقوي فـي حالة جمال عبد الناصر، فإذا تمكنت الجذور في الأعماق فمعني هذا أن القطع أو الخلع يصبح عمليا تصديا لواحدة من ظواهر الطبيعة ذاتها، وهذا صعب. ولهذا فإن السرعة واجبة والعنف في عجلة من أمره.
” حدود جمال عبد الناصر كانت أكبر من حدود محمد علي. ففي حين أن المشروع القومي لمحمد علي لم يتجاوز مصر والشام فإن المشروع القومي لجمال عبد الناصر كان يمتد من الخليج إلي المحيط ”
وثانيها ـ أن حدود جمال عبد الناصر كانت أكبر من حدود محمد علي. ففي حين أن المشروع القومي لمحمد علي لم يتجاوز مصر والشام ومحاولة بناء دولة عصرية تقف علي قدم المساواة مع دولة الخلافة في استانبول وتشد أزرها ـ أو ترث تركتها؟ ـ فإن المشروع القومي لجمال عبد الناصر كان يمتد من الخليج إلي المحيط ثم تصل أصداؤه إلي آسيا وأفريقيا توقظ وتحرك.
وثالثها ـ أن المصالح التي واجهت جمال عبد الناصر كانت أقوي وأعتي. فلم تعد مصر مجرد طريق الشرق وحلقة في مواصلات إمبراطوريات، ولكنها أصبحت قلب منطقة في وسط القارات والمحيطات والبحار حساسة وهي في الصميم من مواجهة عالمية كبري بين عملاقين في القوة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً من قبل.
ورابعها ـ أن نفس هذه المنطقة لم تعد مجرد جغرافيا، ولكنها أيضًا أصبحت موطن ثروات لم يحلم بها أحد، لا بديل لها حتى الآن إذا أريد لعجلات المجتمعات الصناعية أن تدور، وإذا أريد لرخائها أن يزيد ويتضاعف وأن يتحمل التكاليف آخرون!
وخامسها ـ أن محمد علي كان فـي أيامه الطرف المحلي الوحيد. وأمـا جـمال عبد الناصر فقد كانت أمامه أطراف محلية أخري لديها ما تريد أن تحافظ عليه مما تتقاسم غنائمه مع الساعين إلي السيطرة، وهكذا لم تكن المعركة ضده من الخارج فقط ولكن من الداخل أيضًا.
وسادسها ـ أن تجربة جمال عبد الناصر جاءت في مرحلة من التطور المصري والعربي حافلة بأسباب الفوران، والنموذج المقابل (الجاهز للنقل من الغرب) قوي. والقوة لها قدرة إقناع كامنة، ثم إن مجموعات القيم المطروحة لها جاذبية باهرة تفرض نفسها علي الناس فلا تترك لهم فرصة كافية ليتدبروا ويدركوا أن هذه القيم لم تجئ بمجرد التمني، وإنما جاءت لأن تفاعلات اجتماعية واقتصادية طويلة وعنيفة مهدت لها وفتحت الطريق أمامها.
وفي حين أن محمد علي كان علي الساحة وحده ـ فإن جمال عبد الناصر كان من حوله كثيرون يحلمون ـ ولهم الحق ـ أن يجدوا في مجتمعهم ما بلغته مجتمعات السابقين. وكان هؤلاء ـ بصرف النظر عن حسن نواياهم ـ عنصر ضغط علي التجربة من داخلها وعند الجذور.
وسابعها ـ فإن تجربة جمال عبد الناصر تعرضت لظاهرة غريبة، وهي أن ورثتها كانوا هم أنفسهم أحد أسلحة محاولة اغتيالها. أصحابها هم الذين أساءوا إليها علي نحو أو آخر. بعضهم أساء إلي وجهها الإنساني الحضاري، وبعضهم الآخر حاول تصفية وجهها التحرري والتقدمي. وتاريخ التطور الإنساني يعرف ثورات أكلت أبناءها (كالثورة الفرنسية)، وفي حالتنا فقد كان أبناء الثورة هم الذين أكلوها.
وثامنها ـ أخيرًا ـ فإن وسائل الحرب علي التجربة كانت شيئًا جديدًا. بالغ الجدة في كل ما عرفته العصور من قبل. فوسائل الإعلام (الإذاعة والتليفزيون والصحف) جعلت الرأي العام في كل مدينة وقرية ونجع واحدًا بين الحضور وإن لم يكن واحدًا من المشتركين.
كان حضوره ـ وليس اشتراكه ـ هو المطلوب. كان المطلوب منه أن يتلقى وأن يتسلم شحنات السموم المغلفة بالسكر والمعبأة في الصور والأصوات والألوان والظلال!
وهكذا ففي حين أن الحملات ضد محمد علي والطهطاوي وعرابي ومحمد عبده ومصطفي كامل وصلت إلي دوائر محدودة بحدود العصر، فإن الحدود المستباحة وصلت بالحملة علي جمال عبد الناصر إلي كل مكان. لابد أن أعترف أيضًا أن هذا الكتاب لم يكن خطتي للعمل هذا العام ـ 1984. في البداية حاولت أن أكتب لمجموعة الناشرين التي تملك حق نشر كتبي في العالم كتابًا عن «ظهور وتراجع القوة العربية». وبدأت المحاولة فعلاً. ثم كنت أنا الذي تراجعت مؤقتًا عما اعتزمت. فقد وجدتني أصف عالمًا عربيا كل أحواله تدعو للرثاء، ولم أشأ أن يكون ما أكتبه سهمًا جديدًا تتكسر به النصال علي النصال.
” لم أكن أحلم بموسوعة علمية، وإنما كنت أريد أن أحاول ما حاوله غيري من الصحفيين ممن أتاحت لهم الظروف فرصة أن يروا حقبًا لها معني ورجالا لهم أدوار ـ فراحوا يروون شهادتهم كما عاشوا الحوادث ورأوها تتوالي وتتعاقب ”
وهكذا انتقلت إلي مشروعي الكبير، وهو تاريخ المنطقة من أعقاب الحرب العالمية الثانية ـ منتصف الأربعينات ـ إلي أعقاب حرب أكتوبر ـ منتصف السبعينات ـ وشخصية جمال عبد الناصر أمام هذه الخلفية الواسعة الهائلة. ولم أكن أحلم بموسوعة علمية، وإنما كنت أريد أن أحاول ما حاوله غيري من الصحفيين ممن أتاحت لهم الظروف فرصة أن يروا حقبًا لها معني ورجالا لهم أدوار ـ فراحوا يروون شهادتهم كما عاشوا الحوادث ورأوها تتوالي وتتعاقب.
لكني وأنا أجرب هـذه المحاولة لاحظت كثافة النيران الموجهة إلي جمال عبد الناصر وخطر لي أن أستكشف مصادر هذه النيران. ووجدتني أمام سبب إضافي يحفزني علي تناول موضوع هذا الكتاب. ولقد يثير سياق هذا الكتاب سؤالاً: هل القصة التي ركزت عليها معظم فصوله هي الوحيدة من نوعها والفريدة في بابها؟
وأرد علي هذا السؤال بأن هناك قصا كثيرة أخري وبعضها يستحق العودة إليه ذات يوم! لكن قصة هذا الكتاب تختلف عن غيرها من عدة زوايا:
أولا: لأن بقاياها ما زالت معنا تجر أذيالها ـ حتى هذه الساعة.
وثانيا: لأنها تحولت بتطورات الحوادث إلي ما يشبه «قصة كاملة» تتابعت أمامنا كل فصولها.
وثالثا: فهي «قصة كاملة» ليس فقط من ناحية ظهور كل فصولها، وإنما أيضًا من ناحية ظهور كل أبطالها وأطرافها علي مستوي التأثير المحلي والتأثير الإقليمي والتأثير الخارجي ـ وبالتالي فهي قصة «نموذج» في الحرب الخفية.
ورابعًا: لأن القصة جاهزة للتوثيق... ليس فقط بالأدلة والقرائن ولكن بما هو أشد وأقوي.
وخامسًا: لأن هذه القصة بالذات كانت مصدر الوحي الرئيسي لكثير وكثير جدًا ثار علي الساحة المصرية في السنوات العشرة الأخيرة من غبار ورمال وحجارة ملأت الأجواء وحجبت الرؤية.
وسادسًا: وهذا سبب مباشر ـ فقد شاءت لي الظروف أن أكون متابعًا لمعظم فصولها.. وكنت قريبًا من خشبة المسرح الذي دارت عليه وقائعها من الناحيتين: مقاعد المتفرجين أمام الخشبة، والكواليس وراءها. وهكذا لم أكن مجرد مشاهد وإنما كنت شاهدًا.
***
ولقد ترددت بين أسلوبين في تناول الموضوع. هل أكتبه علي شكل دراسة أم أكتبه علي شكل تجربة ذاتية. لكني وجدت أن الدراسة سوف تقتضيني في النهاية إصدار أحكام، وأنا أوثر أن أترك الأحكام للناس وللتاريخ.
ومن ناحية أخري فقد كان شكل التجربة الذاتية ينطوي علي كثير من المحاذير. منها أن تبدو القصة ـ وقد كنت طرفًا رئيسيا فيها ـ قضية شخصية.
صراع حيتان هائجة في البحر حولته بجراحها إلي بقعة حمراء من الدماء. أو تسوية حسابات قديمة كان يجب أن تذهب إلي زوايا النسيان، لكن نوازع النفس ـ والنفس بالسوء أمارة ـ أعادت بعثها مرة أخري إلي الحياة. وأقول ـ صادقًا ـ إن ذلك كله ومثله ليس صحيحًا.
لا هو صراع حيتان هائجة ولا هي تسوية حسابات قديمة، وإنما هي ـ كما قلت ـ واحدة من أغرب القصص في علاقة الصحافة بالسياسة في مصر... ثم إنها مازالت مستمرة في تأثيرها تتواصل كل صباح.
وربما كانت حساسيتي من الظنون ـ صراع الحيتان أو تسوية الحسابات ـ هي التي جعلتني أحتكم للوثائق. فلا أظن أن كتابًا صدر باللغة العربية حوي هذا القدر من الوثائق الأصلية كما كتبها أصحابها وبخط أيديهم.
ولقد كان ذلك ضروريا لسبب آخر وهو أن الكلام زاد حتى فقد مصداقيته. ابتذل الحرف وامتهنت حرمة الكلمة. ولم يعد هناك من هو مستعد أن يسمع من غيره قولاً مرسلاً علي عواهنه بغير دليل مهما كان القائل وأيا كان موقعه، فلقد ظهر أن الكبار يكذبون، ثم إن الكذب أصبح الصناعة الثقيلة الوحيدة في عصر الانفتاح الاستهلاكي.
ولعل مشكلتي مع بعض الناس أو مشكلة بعض الناس معي أنني لا أعتمد علي الذاكرة لا أغطي مساحة الفراغات فيها بما ينسجه الخيال والتمني. فأنا أعرف كم هي ضعيفة ذاكرة البشر أمام الأيام وأمام الأهواء، وهكذا فإنني كنت طول عمري أسجل وأكتب وأحتفظ بكل ورقة أشعر أن ملف التاريخ الذي عشته قد يحتاجها في يوم من الأيام!
ولعلي هنا أتقدم بعرفان بالجميل عميق إلي كل هؤلاء الذين صانوا مجموعة أوراقي وحافظوا عليها بمزيج من الحرص والحب. وإلي جانب الوثائق فلقد تحرزت في كل ما قلت: إذا كان لدي نص مسجل لحديث أسندت القول إلي صاحبه، إسنادًا صريحًا، وإذا كان ما لدي مجملاً أوردت الحديث بغير إسناد صريح.
***
ولابد أن أعترف أن تجربة هذا الكتاب كانت مرهقة. فلقد آثرت أن أروي القصة كما عشتها، ومعني ذلك أن الكتاب في جزء منه يمكن أن يبدو وكأنه تجربة ذاتية، وليس في هذا بأس ما دام الموضوع عامًا ووقائعه جزء من التاريخ، ثم إن الدخول إليه هو من باب الشهود وليس من باب القضاة.
لكن البأس يجيء من عدة جوانب أخري. جانب منها ـ مثلاً ـ أن العودة لكتابة القصة كانت علي نحو أو آخر استعادة لمناخها وأجوائها بكل ما في ذلك من عبء نفسي وعاطفي. (ولم يكن من ذلك مهرب!)
وجانب منها ـ مثلاً ـ أن لا يتحول الكتاب إلي مرافعة أدافع فيه عن نفسي ضد حملات شعواء اتهمت فيها بأنني أردت أن أكون الصحفي الأوحد في مصر، وأنني هدمت أهرام الجيزة لأنقل حجارتها وأقيم فوقها مبني الأهرام!! (لو كان حافز الدفاع عن النفس ضمن حوافزي كان عليه أن يحركني منذ سنوات علي الأقل منذ عشر سنوات).
وجانب آخر منها ـ مثلاً ـ وخصوصًا أن أسلوب الكتابة هو أسلوب التجربة الذاتية ومعايشة الموضوع يومًا إثر يوم ـ أن الانزلاق يمكن أن يجيء لا شعوريا، فإذا حديث الموضع يتحول إلي حديث عن الذات. (لابد من الحذر.. ومع ذلك فليكن عذري مقدمًا إزاء أي خطأ: بأن البشر بشر).
وجانب أخير منها ـ مثلاً ـ هو محذور التبرير للنفس وادعاء الصواب في كل موقف. (أدرت اهتمامي عن هذا الجانب سريعًا لأن سياق الكتاب كله يكشف ـ مع أشياء أخـري ـ أنـني كنـت علـي خطـأ فـي جوانـب متعـددة مـن هـذه القـضـية، وأن جمال عبد الناصر كان هو الأصوب تقديرًا والأدق حسًا).
***
وفي بعض اللحظات فكرت أن أعطي ما عندي لغيري ليكتب هو وأعفي أنا نفسي من الحرج ومن العناء ومن المحذور! ولقد كان ذلك ما فعله آخرون. تواروا خلف واجهات. وحرضوا غيرهم وابتعدوا هم. وألفوا الكتب ووضعوا عليها أسماء مستعارة! ولم أجد أن ذلك منهجًا مقبولاً بالنسبة لي رغم أن كثيرين تطوعوا بكرم للتصدي.
كان رأيي أنني إذا قررت الكلام يومًا فلابد أن يكون صوتي هو المسموع وقلمي هو الذي يكتب. وقد أكون مخطئًا وقد أكون علي حق ـ وهناك بالتأكيد من هم أكفأ وأقدر مني ـ ومع ذلك يظل اعتقادي أن الذين رأوا هم الذين يستطيعون أن يرووا خصوصًا إذا التزموا بصدق الرواية وألزمتهم الوثائق بصدق القصد.
***
ملاحظة أخري أظن أن قارئ هذا الكتاب سوف يلحظها في أجزائه الأولي وهي ما قد يبدو له بطئا في إيقاع الحوادث، وذلك شيء لم يكن منه مفر ـ فقد كان ضروريا تقديم أرضية وخلفية عامة للمسرح الذي جرت عليه الوقائع.
ومن ناحية أخري فلقد أردت ـ والكتاب يتبع أسلوب التجربة الذاتية في كتابته ـ أن تظهر وتتفتح مناظر القصة ومشاهدها أمام القارئ كما جرت أمامي، ثم أن تفصح الوقائع عن مكنوناتها وتفضي بأسرارها علي النحو الذي وقعت به فعلاً أثناء متابعتي لها.
تجيء مسألة أخري أراها أساسية ـ قبل نهاية هذه المقدمة ـ تلك هي أنني لا أريد أن تشط الظنون بأحد منهم إلي التعميم الجزافي فيتصور أن هذه هي كل قصة الصحافة والسياسة ترويها صفحات هذا الكتاب. وذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، ثم إنه أبعد ما يكون عن هدفي.
”
لعبت الصحافة المصرية ـ والعربية ـ في بلادنا أدوارًا بالغة الأهمية والجلال، ولا يمكن لأحد أن يأخذ بقعة داكنة علي صورة، ثم يتوهم أن هذه هي الصورة كلها ”
إن الصحافة المصرية ـ والعربية ـ لعبت في بلادنا أدوارًا بالغة الأهمية والجلال، ولا يمكن لأحد أن يأخذ بقعة داكنة علي صورة، ثم يتوهم أن هذه هي الصورة كلها.
إن هذه المسألة وضعتني في موقع الحرج حتى وأنا أحاول اختيار عنوان هذا الكتاب. ولقد ترددت كثيرًا قبل أن أستقر علي عنوانه العام «بين الصحافة والسياسة»، فلقد خشيت أن يؤدي هذا العنوان إلي تعميم لم أقصده. ولقد حاولت أن أجد له بدائل، وفي لحظة من اللحظات فكرت في عنوان «الجانب الآخر من القمر» إشارة إلي الجانب المظلم في كتلة مضيئة، ثم عدلت عن هذا العنوان فقد أحسست أنه قد يكون قصصيا وأنا لست من مدرسة هؤلاء الذي يحولون السياسة إلي قصص، والقصص إلي سياسة، ثم إن مذهبي في الكتابة ليس التعميم الذي يحتمل كل التأويلات عند اللزوم، ولكنه التحديد الذي يلزم صاحبه بمسئولية ما يكتب ـ خطأ ظهر أو صوابًا. وفــكرت مـرة أخـري في عنوان «مصادر النيران ضد جمال عبد الناصر»، لكني أحسست أن هذا العنوان قد يعطي انطباعًا بأنني أخوض معركة للدفاع عنه، وليس ذلك مقصدي.
وأخيرًا استقر رأيي علي العنوان الذي ظهر فعلاً علي غلاف هذا الكتاب «بين الصحافة والسياسة»، واعتبرت أن كلمة «بين» تعطي الانطباع بعلاقة محددة وقصة محصورة بظروفها.
وبعد.. فلعل الوقت قد جاء لأبتعد عن هذه الوقفة ـ المقدمة ــ بين قارئ هذا الكتاب وبين صفحاته. وأن أترك الحكم له راجيا أن أجده معي عندما تثور الرياح علي وتزأر العواصف.
وربما أضيف خاطرًا واحدًا في النهاية. ليس هدفي من هذا الكتاب أن يصبح واحدًا من أكثر الكتب رواجًا، وإنما سوف أشعر أنني حققت رسالته كاملة إذا امتدت به يدي فوضعته علي رف من مكتبة التاريخ، وليبق عليها إلي ما شاء الله من السنين. المهم أن يوضع في مكانه وأن يوضع في أوانه. وحتي تجيء أجيال تحقق وتدقق وتقارن، ثم تعرف وتحكم ويفعل الله ما يشاء ويختار!
محمد حسنين هيكل 1985 |