|
لم يكن في احلامي جناح النسر في فضائه ولا كان في حسابي قفص الببغاء وأسلاكه يقيني بأن تلك التجربة التي بدأت شرعيتها في مصر فجر 23 يوليو 1952 وشقت طريقها في مصر والإقليم والعالم حتى ظهر 6 أكتوبر 1973 - كانت ظاهرة عظيمة في قرن عظيم
لعل هذا الموضع من سياق هذا الحديث مناسب لعرض كشف حساب يتصل بجانب آخر من تلك المرحلة: عندما بدأت التدريب العملي - مع الدراسة النظرية - رفيقا لثلاثة من الزملاء غيري في جريدة “الإجيبشيان جازيت” - قررت إدارة التحرير أن تصرف لكل منا بدل انتقال قدره جنيه واحد كل أسبوع - أي أربعة جنيهات في الشهر. وعندما عدت إلى الجازيت بعد الاشتراك في تغطية معارك العلمين - بعين وطنية لحرب عالمية تجري على تراب مصري - تحول بدل الانتقال الأسبوعي إلى مرتب شهري مقداره اثنا عشر جنيها في الشهر ثم زاد إلى ثمانية عشر جنيها في الشهر أوائل سنة 1945. وعندما التحقت بالعمل في “آخر ساعة” مع الأستاذ محمد التابعي كان المرتب الذي تحدد لي خمسة وثلاثين جنيها في الشهر. وعندما انتقلت مع “آخر ساعة” إلى “أخبار اليوم” 1946 وقد أصبحت سكرتيرا لتحريرها تحدد مرتبي ب: خمسة وأربعين جنيها في الشهر. وعندما عملت مراسلا متجولا لأخبار اليوم مسؤولا عن تغطية الشرق الأوسط وتقلباته وفيها قضية فلسطين والحروب الأهلية في إيران والبلقان والانقلابات السورية وعمليات العنف التي غطت وجه العالم العربي بالدم عدت لأجد مرتبي مائة جنيه في الشهر. وعندما أصبحت رئيسا لتحرير “آخر ساعة” أواخر سنة 1951 جرى تعديل مرتبي ليصبح مائتي جنيه في الشهر مع نسبة في أرباح المجلة توازي 4% مما يتحقق لها بعملي فيها. وفي مايو 1952 أضيفت إلى عهدتي مهمة إدارة تحرير جريدة “أخبار اليوم” وأعلن رسميا عن رئاستي لتحرير “آخر ساعة” ووصل مرتبي إلى 360 جنيها في الشهر. (في نهاية 11 سنة من العمل في “أخبار اليوم” استحقت لي مكافأة نهاية خدمة 7442 جنيها مصريا). وعندما عرض علي أول عقد لرئاسة تحرير “الأهرام” سنة 1956 - سرى تنفيذه بعد عام - وضعت إمضائي عليه مقتنعا (لأسباب ليس هذا أوانها) وكان العقد بمرتب قدره ستة آلاف جنيه في السنة تضاف إليها حصة في أرباحه مقدارها 25.2% إذا استطاع جهدي تعويض خسائر عشر سنوات سابقة.
ولم يكن “جمال عبد الناصر” متحمسا لانتقالي إلى “الأهرام” بل كانت الأفضلية عنده أن أقبل رئاسة تحرير “الجمهورية” بأحقية أنها جريدة الثورة التي صدر امتيازها باسمه، ولم أتحمس للعمل في جريدة ثورة، وإنما كانت حماستي لجريدة طبيعية لها أصحاب ولها قراء.
.................... ....................
وعندما أعلنت القوانين الاشتراكية وضمنها ربط الحد الأعلى للمرتبات بخمسة آلاف جنيه سنويا نقص مرتبي ألف جنيه في السنة وذابت تلك النسبة المقررة لي في أرباح “الأهرام” وكانت قد بدأت تعطي ما دعاني إلى توظيف حصتي منها في شراء مجموعة أسهم في الشركة المالكة للأهرام لكن قانون تنظيم الصحافة جعل من هذه الأسهم صكوكا تذكارية - أتأملها الآن بعض المرات - وأتبسم! وعليه فإنني لمدة خدمة طالت في “الأهرام” سبع عشرة سنة كنت أتقاضى خمسة آلاف جنيه مصري في السنة تحول إلى حسابي كل شهر في البنك الأهلي (الفرع الرئيسي) بما صافيه 286 جنيها و450 مليما (بعد الاستقطاعات القانونية وضريبة كسب العمل). (وكان ذلك المبلغ أجر خمس مسؤوليات أقوم بها في نفس الوقت: رئيس مجلس إدارة رئيس تحرير مخبر سياسي موثوق المصادر كاتب مقال أسبوعي “بصراحة” وأخيرا مسؤول عن مشروع تجديد الأهرام). ومن باب استيفاء كشف الحساب فإن مقالي الأسبوعي “بصراحة” ترتبت على نشره في الخارج حقوق أضافت إلى دخلي وكنت قد عهدت إلى إحدى وكالات الأنباء المصرية (وكالة أنباء الشرق الأوسط) بعقوده تاركا لها متابعة التوزيع والتحصيل مقابل نسبة قدرها 20% ولولا مدخول هذه الحقوق لما تيسر لي التوفيق بين المطالب والضرورات. ويقتضي الإنصاف بيان أن مرتبي ظل يقيد لحسابي في البنك الأهلي لأكثر من سنة بعد أن تركت خدمة الأهرام، ثم توقف التحويل حين أحلت إلى التقاعد (يونيو 1975) بقرار من الرئيس “السادات” الذي نفد صبره، وكانت تلك نهاية أي حساب لي في خدمة “الأهرام”. (وقد اعتبرت أن مرتب تلك السنة التي وصلني أجرها دون عمل - مكافأة لنهاية الخدمة وأغلقت دفاتر تلك المرحلة مستريحا وراضيا).
***
هكذا مع أوائل السبعينات، وعند منتصف العمر وجدت نفسي أمام ضرورة الاختيار من جديد وكأنها نقطة الصفر، أعود إليها في قرار عملي ومستقبلي. ولم يخطر على بالي من قبل أن ذلك الذي واجهته سنوات الصبا الباكر سوف يعود ليفرض نفسه علي بعد ثلاثين سنة! وكان جليا في أعماقي أن حقي في الاختيار محدد. ولا أقول محدودا! ومجاله بالتأكيد تلك المهنة التي تعلمتها ومارستها ووجدت لنفسي فيه موضعا وموقعا. ولم يكن في احلامي جناح النسر في فضائه ولا كان في حسابي قفص الببغاء وأسلاكه! كان مستحيلا.. بعد ما جرى، أن أجد عملا أو مستقبلا في مؤسسات الصحافة المصرية ولا كنت أريد. وكان صعبا علي لاعتبارات متداخلة أن أقبل عرضا خارج مصر يجيء من العالم العربي، وقد تلقيت بالفعل عروضا محددة: أولها من دولة خليجية كريمة سألتني اذا كنت مستعدا لقبول منصب مستشار فوق العادة للأمير وشكرته عارفا بالجميل وكان الثاني عرضا من مجلس قيادة الثورة الليبي حمله إلي أحد أعضائه البارزين الرائد عبدالسلام جلود نائب الرئيس وقتها والاقتراح أن أقوم على انشاء مشروع صحافي كبير في بيروت يتوافر له كل ما أطلبه من موارد وأديره بأقصى قدر أتمناه من الحرية. ومرة أخرى شكرت عارفا بالجميل ولم يكن في موقفي شيء من البطر أو التكبر وأنه كان في حسابي اعتباران: أنني بعد علاقة من نوع خاص مع جمال عبد الناصر ودور بلغ درجة معينة في الأهرام لاأملك غير أن أكون صارما مع نفسي مهما يكن (دون أن يكون ذلك جناح نسر). أنني لا أستطيع نفسيا أو فكريا أن أؤقلم نفسي مع حياة أوعمل (أوقبر) خارج وطني الصغير كما أن دور اللاجئ السياسي لا يستهويني. لأنه مهما تصلح النية ويستقم القصد اعتماد طرف على طرف آخر وفي وضع غير متكافئ مستشار في خدمة أمير أو صحفي في خدمة دولة (وذلك قفص الببغاء ذاته). وفي الحقيقة فقد كانت تصوراتي تحوم هناك عبر البحر في اتجاه الشمال حيث الصحافة الاوروبية وبالذات الانجليزية فقد كان هناك قارئ سبق له الاطلاع على كثير مما نقلته وكالات الانباء من بين ما كتبت أو تحقيقات متكررة عن دور أقوم به في السياسة العربية أو حوارات أجريتها مع كثيرين في زمن كان يوصف بأنه عصر العمالقة. ومرة أخرى تدخلت المقادير احتك حجر بحجر ولمعت شرارة.
***
ومن دواعي الحمد والشكر - أن خلافي مع الرئيس “السادات” وما أعقبه تصادف بالتوافق وبالضبط مع مناخ أصبح الشرق الأوسط فيه مناط اهتمام العالم وبؤرة النار في قلبه، وكذلك التفتت الدنيا ناحية المنطقة تريد أن تعرف وتتابع وتتقصى وتستوعب وراحت دور النشر في العواصم الكبرى (لندن وباريس ونيويورك وطوكيو وبرلين وغيرها) تتصل بصحفي ظنت أنه يقدر على عرض الشرق الأوسط أمام قراء سمعوا عنه واطلعوا على أعماله وينتظرون منه أن يكتب لهم من الداخل وليس من الخارج وبالعمق وليس بالوصف. وحين اقتربت من مجال النشر الدولي مبكرا لم تكن لدي مشكلة مع الصحافة يومية أو أسبوعية - فذلك ميدان جربت نفسي فيه واختبرته وأعرف إلى حد ما دخائله، وأما عالم الكتب فغريب عليّ في معظمه ولم يقصر أحد في تبصيري، وكان بين الناصحين اللورد “مايكل هارتويل” صاحب دار “التلغراف” والسير “دنيس هاميلتون” رئيس مجلس إدارة “التيمس” وكلاهما صديق قديم من عوالم الصحافة وكلاهما لديه اهتمام بمشروع كتابي الأول عن “ساسة وثوار” صنعوا روح الخمسينات والستينات - وكلاهما يعرف أن مشروع كتابي فيه فصول عن السويس وهي - وقتها وحتى الآن - قضية حية نابضة. لكن كلاهما “هارتويل” و”هاملتون” كان مهتما بحقوق النشر الصحافي وحدها، وأما الكتاب فمسألة أخرى في اختصاص دور نشر لديها خبرة السوق وبالفعل وصل النص إليّ السير “ويليام كولينز” (صاحب دار كولينز) وبدوره فإن السير “ويليام” طلب إليّ مدير النشر في مؤسسته “روبرت كنيتل” أن يقرأه وأن ينسخ من أصله صورا لثلاثة قراء غيره: أستاذ متخصص في الشرق الأوسط من جامعة “أوكسفورد” (يراجع التأصيل المعرفي في النص - مع اعتبار اختلاف المرجعيات) وسفير بريطاني سابق خدم في المنطقة (يراجع السرد ويستوثق من الوقائع - مع اعتبار اختلاف المواقف) وقارئ عادي (تقاس عليه ما يسمونه “جاذبية القراءة” - لأن الكتاب في النهاية عرض وطلب) وكان داعي التدقيق أن مشروع كتابي حالة سابقة من نوعها في الكتب السياسية المنشورة والمعروضة تحت نظر القارئ في الغرب، فمن قبل كانت أغلب أنواع الكتب من وراء البحار ثلاثة: أدب يترجم عن لغات آسيوية أو أفريقية ليعطي صورا حية ومشوقة لحياة وثقافة مجتمعات غريبة ويستحسن أن يقع الاختيار على ما هو مثير للخيال وأسطوري. أو أعمال يقصد منها انتقاء عينات لكتابات صدرت في لغات بعيدة ويكون الإطلاع عليها مفيدا وتلك في العادة كميات محددة الطبع محصورة الانتشار. وإما كتب يتولى مسؤوليتها بالكامل أصحابها وعلى حسابهم الخاص دعوة لقضايا أو شرحا لأحوال بلاد وذلك أيضا ميدان ضيق ولجمهور لا يجذبه التبشير. وكان ساسة الهند أكثر من برع في هذا النوع التبشيري من الكتب (ولعل المادة الوحيدة التي كانت معروضة أمام الناس على أوسع نطاق هي ما كتبه “غاندي” أو “نهرو” عن الهند باعتبار نفاذ سحر هذا البلد في الوعي والوجدان الأوروبي بعموم والإنجليزي بخصوص).
***
ولم أكن على علم بتفاصيل ما جرى “للنص” وربما تحرج بعضهم بظن أنني مع تجربة “معروفة” ورائي لن أقبل بشبه “امتحان دخول” من أول وجديد! ولم يكن ذلك منطقي مادمت أقترب من ميدان لم أتعرف إلى قواعده إلا إذا كنت أريد أن أعتمد على صداقات ووساطات، وذلك لا ينفع، ومجرد التفكير فيه أذى للنفس قبل الآخرين! ثم حدث أن مدير النشر في دار “كولينز” (روبرت كنيتل) اتصل يبلغني أنهم الآن جاهزون للانطلاق وأنهم واثقون في الكتاب وشبه متأكدين وأن الميزانية التقديرية الأولى لنشره وقع رصدها في إطار خمسة ملايين جنيه استرليني وضمنها حملة إعلانية تتكلف نصف مليون جنيه إسترليني تسبق النشر وتواكبه. وسألني “كنيتل” فجأة: “إذا كنت مستعدا لحضور معرض فرانكفورت بعد شهر لأن دور النشر في العالم قاطبة تلتقي هناك، وهناك أيضا تطرح مشروعات الكتب المستعدة لموسم النشر القادم، وهناك في نهاية المطاف يقبل الناشرون على طلب حقوق كتب يتوقعون رواجها أو يمتنعون”. وأضاف “كنيتل” ما مؤداه: “إذا استطعت أن تعرض كتابك أمام ثلاثة آلاف ناشر وفهموا عنك تكون تلك مسألة أخرى لنا ولك ومع أني عرفت أن ما يهمك هو النشر بالدرجة الأولى فإن علينا جميعا أن نسلم أن النشر “بيع” بصرف النظر عن أي شيء يقوله أي كاتب”. وحضرت معرض فرانكفورت وتحدثت مرات أمام مئات من الناشرين وشاركت في مناقشات واسعة وبعد يومين مر عليّ “روبرت كنيتل” - يقول لي إن أكبر دور النشر في العالم تسابقت على حقوق الكتاب (“فلاماريون” في فرنسا - “مولدن” في ألمانيا - “أساهي” في اليابان - إلى جانب “كولينز” في لندن ونيويورك). وسئلت قبل أن أغادر فرانكفورت إلى أين أريد تحويل نصيبي من مقدم العقود التي جرى الاتفاق عليها في اليوم الأخير من المعرض وأجبت - من دون تلعثم - “إلى الفرع الرئيسي للبنك الأهلي بالقاهرة” وعندما عدت وجدت في انتظاري جائزة وغرامة: الجائزة: تحويل بمقدار مائة ألف جنيه إسترليني تمت إضافته إلى حسابي كدفعة مسبقة من حساب مقدم العقود. والغرامة: أن وزير الاقتصاد وقتها - الصديق الدكتور “حسن عباس زكي” - أطال الله عمره - طبق عليّ قواعد التعامل بالنقد الأجنبي - وكان ذلك بالطبع قبل أن تهل بركات الانفتاح ويتسع فردوسه الموعود - فقام بتحويل الإسترليني إلى الجنيه المصري بسعر سبعة وتسعين قرشا ونصف قرش مصري لكل جنيه استرليني. ولم أفتح فمي بكلمة فقد وجدت عندي في النهاية أكثر مما توقعت وأوسع مما احتجت! وهكذا فإنه في اللحظة التي وقع فيها الحظر على ما أكتب هنا - سقطت الحواجز أمامي هناك وبقيت في وطني لم أغادره، لكن كتبي ومقالاتي راحت تنشر بإيقاع متسارع في عشرات العواصم (أحد عشر كتابا لكبريات دور النشر الدولي وأكثر من أربعمائة مقال وتحقيق وتقرير إخباري احتل بعضها الصفحة الأولى في جرائد بوزن وحجم “الصنداي تيمس” و”التيمس” و”الصنداي تلجراف”) وكانت تلك حقبة حافلة غطت بقية السبعينيات ومطالع الثمانينات ومعظم التسعينات.
***
وبرغم ذلك - أو ربما بسببه! - فإن الرياح الهوج واصلت هبوبها، ذلك أن ما كنت أكتبه في صحافة العالم خارج مصر كان يعود بالطبع إليها - وكان عودته أصداء مشوشة بعض الأحيان أو مبتورة ناقصة في أحيان أخرى. ومع تصاعد تيارات صدام وعنف دفعت مصر إلى أجواء غاضبة - فإن الرئيس السادات أضاف بعضها إلى مسؤوليتي وكذلك تقرر منعي من السفر وسحب جوازي وإحالتي للتحقيق أمام المدعي الاشتراكي الأستاذ “أنور حبيب” الذي أدار استجوابي بنفسه ومعه المستشار “عبدالرحيم نافع” والمستشار (الصديق فيما بعد) “أحمد سمير سامي” ولم يصل التحقيق إلى نتيجة لأن موضوعه كان تفتيشا في التفكير والضمير عن آراء ومواقف، والمطلوب منه إثبات أن ما أكتبه خارج مصر - مقيما فيها ومحكوما بقوانينها العادية والطارئة - يسيء إلى سمعتها ويشوه صورتها - ويستوجب إجراء. جانب ذلك فقد وجدتني معرضا لتصرفات الأجهزة الظاهرة والخفية للسلطة وحتى للمزاج النفسي للبعض من أصحابها وكان الأغرب صدور قانون “العيب” وهو قانون لم يعرف له مثيل لدرجة أن مستشاري مجلس الدولة - تندرا - أطلقوا عليه وصف قانون “هيكل” وكان ظاهرا أن القانون جرى تفصيله على مقاس بعض الناس كنت بينهم . (والشاهد هنا أن ديني كبير لصحافة العالم - خصوصا في الغرب - فقد وقفت معي بكاملها مدافعة ومناصرة برابط التضامن المهني على الأقل، ولم يكن ذلك مهما في حد ذاته وإنما المهم أن الإعلام الخارجي - أيامها - كان مسرح التأثير الأكبر للرئيس “السادات” وكان الرئيس “السادات” بالفعل من ألمع النجوم في تلك السماء وتنبه الرجل بذكائه إلى أنه يجازف في الساحة الأوسع لنفوذه - وكذلك توقف في منتصف الطريق). وتشرفت بأن المحامي الذي حضر التحقيق معي كان ذلك الرجل الصلب المستشار “ممتاز نصار” - الذي تمكن من الحصول على تسجيل كامل لوقائع التحقيق نشرته في كتاب ظهر في حياة الرئيس السادات وأثاره النشر واستفزه (وكان للأمانة معذورا فقد كانت الجهات الداخلية كلها تضغط عليه ثم إن مبادرته الجريئة تعثرت بين غرور “إسرائيلي” وإهمال أمريكي) - ولم تمض شهور حتى وجدت نفسي (سبتمبر 1981) في إحدى زنزانات سجن طرة ضمن حملة الاعتقالات المشهورة التي طالت كثيرين غيري من رجال ونساء مصر - ذلك الخريف الغاضب والحزين!
*** وبعد خروجنا جميعا من المعتقل (أواخر نوفمبر 1981) عاودني هاجس الاستئذان في الانصراف مرة أخرى فتلك نهاية مرحلة تواجدت فيها بالضرورة المهنية والاختيار السياسي وهي في الوقت نفسه بداية مرحلة أخرى مختلفة ثم إنني بالعمر قريب من سن الستين وذلك هو التوقيت الطبيعي والقانوني لخروج الناس من الخدمة العاملة تلك الأيام ثم تذكرت - ولعله هواي! - أن اختراقات الطب الحديث (في مجال المضادات الحيوية بالذات) نجحت وأزاحت التوقيت المقرر لنهاية الخدمة إلى الوراء ما بين خمسة أعوام إلى عشرة أي أنها مدت أجل الصلاحية للعمل وأفسحت وأضافت. وربما جاز القول إن تجربتي الطويلة تلك - دراسة لم تنقطع وممارسة لم تتوقف - انقسمت إلى نصفين شبه متساويين كل منهما ثلاثون سنة: النصف الأول: مرحلة العمل داخل مؤسسات الصحافة المصرية والانتشار منها إلى الإقليم والوصول منه إلى أبعد، والداعي أن ما كان يحدث عندنا ملأ صراعات الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين وفاض وعليه فقد كان الكل يأخذ عنا ويسمع مباشرة منا.
وأما النصف الثاني: فهو مرحلة الكتابة والنشر من مكتب مستقل محدود - مفتوح في الوقت نفسه بلا حدود على الدنيا الأوسع باللغة العالمية المعتمدة - (الإنجليزية) ولجماهيرها عبر القارات وقد انهمكت فيما أؤديه وظننت - ولعلي لم أخطئ - أن دخول كاتب عربي إلى مجال النشر الدولي مصلحة شخصية ولعله - أيضا - إضافة عامة! وهكذا فإن المرحلتين معا - داخل المؤسسات الصحافية المصرية - وخارجها من مكتبي - صنعتا دورة كاملة لأن تلك التجربة - الدراسة والممارسة - لأكثر من ستين سنة مقسومة على نصفين تحولت بشكل ما إلى طريق في اتجاهين عبر جسر - وفوق ضفاف وشطآن.
وفي الحالتين فإن مجمل الظروف أتاح لي ذهابا وإيابا عبر الجسر وحول الضفاف والشطآن - فرصا نادرة تواصلت من أواخر الحرب العالمية - حتى بلغت نهاية الحرب الباردة أي أنها غطت كل النصف الثاني من القرن العشرين - والحاصل أنها منحتني إمكانية التعرف مباشرة الى صناع العالم الحديث وواضعي الاستراتيجيات العليا من رجال الدولة العظام وصناع السياسة وقادة الحرب وأعلام الفكر والأدب وأساطين الصناعة والتكنولوجيا والمال.
ثم إنني تحت الأفق نفسه على الجسر وحول الشطآن والضفاف تقابلت وجها لوجه مع أفكار العصر الكبرى وطموحاته وأحلامه ومشروعاته وحروبه وصراعاته وأزماته وأتيح لي أن أرى وأسمع وفي كثير من المرات أعيش الدخائل مما كان يجري بل وأشارك بقسط ما في وقائعها. وعلى موعد غروب القرن العشرين عاودني الإحساس بأنني عشت مع ذلك القرن العظيم أكثر من ثلاثة أرباعه دارسا ممارسا؛ وعلى فرض أنه بقي عندي ما يمكن أو يصح قوله - فإن اللائق - هذه اللحظة - أن أتنبه وأتذكر - وإلا وقع الانحدار بمجرد الاستمرار - إما إلى خطأ في قواعد الحساب وإما إلى إنكار فعل الطبيعة.
***
وعندما تغيرت الظروف في مصر - أوائل الثمانينيات - تلقيت دعوات كريمة إلى ظهور في الصحافة المصرية وترددت وإحساسي: أن الأزمنة تغيرت كما أنني تغيرت. وتبدى لي كذلك: أن عودة إلى الصحافة المصرية - أو نوعا منها - محاولة للتكرار لا أتمناها فالتاريخ كما تذكر مقولة شهيرة - لا يكرر نفسه وإذا فعل فهو في المرة الأولى مشهد محترم أو يمكن أن يكون محترما - وأما في المرة الثانية فهو استعادة هزلية أو يمكن أن تكون هزلية لشيء كان. وتبدى لي من قبل ومن بعد: أنني رجل يحمل على كتفيه بعضا من حمولات مراحل سبقت وكلها مؤثرة فيّ أردت أو لم أرد.
................... ................... وفي استطراد يبدو خارج السياق أقول “بصراحة” إن عقدة الموقف أنه لم تكن فوق كتفي حمولات أريد انتهاز أول فرصة لألقي بها على الأرض كي أتخفف وألتحق بالقبائل التي شدت رحالها نحو مراعي الشتاء. وإنما كان اعتقادي أن حمولة أي إنسان (أو غير إنسان) - ثقلان على جانبين متوازيين ومتوازنين: ثقل من التجربة الذاتية وكيف تعامل صاحبها مع الدنيا والناس وتصرف. وثقل آخر من الزمان الذي عاشه صاحب التجربة وشارك في صنعه حتى بمجرد أنه كائن حي. وكان لي تصور لنوع حمولتي وحجمها على الناحيتين: الحمولة التي تشمل التجربة الشخصية - وزنها سهل وخفيف وأمرها متروك لمن يعنيه الأمر ويهمه! والحمولة التي تشمل تعاملي مع الحياة والزمن - قضية معقدة لأنها حق مشاع لكل الناس موصولة بحركة التاريخ ومتجاوزة لحدود الأفراد. وعلى هذه الناحية الثانية (الموصولة بحركة التاريخ) فإني - وبدون تلعثم - لم أخف قط - ولا أخفي الآن - يقيني بأن تلك التجربة التي بدأت شرعيتها في مصر فجر 23 يوليو 1952 وشقت طريقها في مصر والإقليم والعالم حتى ظهر 6 أكتوبر 1973 - كانت ظاهرة عظيمة في قرن عظيم. وكانت شرعية يوليو “بالإعارة” هي التي غطت رئاسة “أنور السادات”. وعندما حقق الرجل ذاته بقرار الحرب - 6 أكتوبر 1973 - فإن “شرعية يوليو” انسحبت لتحل محلها “شرعية أكتوبر” - وذلك حقه واستحقاقه. وكانت “شرعية يوليو” وذلك رأيي تجربة إنسانية بالغة الحيوية والطموح وهي بالتأكيد أهم تجارب العرب في العصور الحديثة وأبعدها أثرا وذكرا - على أنها تظل تجربة إنسانية بكل ما يرد على الإنسان من أعراض القوة والضعف، والتقدم والتراجع والطموح والإحباط - وهي في كل الأحوال عصر يستحق أن يدرس باحترام ويحقق أداؤه بعدل ويحاسب ويحاكم! إذا اقتضى الأمر وفق قوانين زمانه وهويته ومرجعيته وشرعيته، وليس وفق قوانين زمان مختلف - ومرجعيات وهويات وشرعيات يحتاج أمرها إلى كلام وقضاة لا يخفون أنهم أعداء وكارهون! ولم يفهم “بعضهم” أن الماضي يحاسب ولا يعاقب فعقاب الماضي ظالم بأثر رجعي لأنه يصبح حينئذ عبئا على الحاضر والمستقبل ينزل بعد الأوان على جيل حاضر وأجيال بعده الأمل في الغد - مؤرقا للضمائر بغير ذنب ومضيعا للثقة في المستقبل بتكلفة نفسية - باهظة التكاليف!
................... ...................
ومن المدهش أن وجه الحقيقة يتبدي بعد ثلاثين سنة من الضباب الكثيف فالشواهد هذه اللحظة تنبئ بأن: جموح القوة الأمريكية بغير فهم، لم يكن ممكنا التعويل عليه بدون تحفظ وأن جنون السلاح “الإسرائيلي” بغير رادع ، لم يكن مهيأ لصنع السلام في أي ظرف، وجوع الثراء العربي أكد لسوء الحظ - أنه لا يعرف كفاية أو شبعا وبالتالي فإنه لم يكن قادرا - بعد - على دور قاطرة التنمية وتوفير فرص العمل في المجتمعات العربية وأن حالة الانفراط التي أصابت الرابط العربي المشترك لم تؤد إلى خلاص الأوطان العربية أو عزتها وإنما وصلت بها إلى حالة من الاستباحة الكاملة لاستقلالها بل لوجودها من الأساس. وتلك كلها أمور تستحق التأمل والدرس أمام إعصار عات لا يستعاد بعده ما كان قبله وإنما تستدعي لصده كل ملكات الأمة والمخزون من إرادتها والمتيقظ من فكرها وعلمها. وفي المحصلة (ومع الاعتذار عن هذه الوقفة الاعتراضية) - فإن هذا الجانب من حمولتي ليس حنينا للذكريات وإنما بالدرجة الأولى محاولة لإعادة الفحص والدرس لمرحلة لا تنسى على هدي تقدم لا يتوقف.
.................... ....................
ومن تلك الأسباب مجتمعة ترددت حين انفتح أمامي الباب لنوع من العودة إلى القارئ المصري - وعلى منابره التقليدية.
ومن باب أداء الحق لأصحابه فقد بدأ الأستاذ “مكرم محمد أحمد” أول محاولة لفتح باب للعودة أمامي، وبالفعل كتبت لمجلة “المصور” مجموعة من ستة مقالات عرضت فيها تصوري للممكن والمطلوب في مرحلة مستجدة، وطلبت إلى الأستاذ “مكرم” عارفا طبيعته - مقدرا لالتزامه المهني وتمسكه - ألا ينفرد في هذه المقالات الستة بقرار، ورجوته ملحا ومخلصا أن يراجع قبل أن ينشر. وحدث بعد أسبوعين أن مجموعة المقالات الستة التي كتبتها للمصور عادت إليّ يحملها الدكتور أسامة الباز مصحوبة برسالة شفوية رقيقة تقبلتها برضا واحترام، وملخص الرسالة “أن ما كتبته في المقالات الستة يسبب إحراجا في الوقت الحاضر ثم إن الأمر متروك لي” وكان ردي دون تحفظ أنني آخر من يخطر له إحراج نظام لايزال يحاول أوائل سنة 1983 - تثبيت أوضاعه واستجماع خطوطه للقيام على مسؤولية الوطن في ظرف دام ومحتقن - وأزحت المقالات الستة جانبا لم أنشرها في مصر ولا خارجها حتى بعد مرور عشرين سنة!
ومرت سنوات ثم زارني الصديق الأستاذ إبراهيم سعدة بتحفزه الدائم وجسارته الشهيرة طالبا أن أكتب في “أخبار اليوم” وضعفت أمامه وكتبت مقالين لمست بنفسي ما جرى بعدهما وخفت على رئيس تحرير “أخبار اليوم” وأعفيته من نشر المقال الثالث راجيا مصرّا - ومن باب القلق عليه.
وأخيرا توصل الأخ والصديق الأستاذ “إبراهيم نافع” - بهدوء وصبر - إلى الصيغة الموفقة فقد تفاوض مباشرة مع دور النشر التي تصدر عنها كتبي في لندن وحصل على حقوق الطبعة العربية الأولى لستة كتب توالي ظهورها عن “الأهرام” (وكان ذلك تلاقيا حتى على الورق بالكلمات - مع أسرة عشت معها أكثر من سبعة عشر عاما - ولاتزال - عبر طول السنين - عزيزة عليّ وغالية).
ومشت عقارب الساعة حتى وصلت إلى دار الشروق تتحمل مسؤولية ما أكتب وتضعه بانتظام - بين أغلفة كتب تصل إلى قارئها كما يصح أن يصل الكتاب!
ولم أكن أتمنى أكثر من ذلك فقد كان قصاري ما أبتغيه في مصر نافذة - لا ساحة ولا شرفة - وإنما طاقة في جدار أطل منها على ما يجري وأتابع مهتما ومعنيا متحدثا بين الحين والآخر برأي في جريدة - مما راح يصدر سواء عن الأحزاب معتمدا على رخصتها - أو مستقلا يصدر عن زملاء وأصدقاء لديهم الموهبة والطموح يكافحون في ظروف اقتصادية لاجتذاب قارئ يتزايد إحساسه بالملل! - إلى جانب محاضرة سنوية واحدة في منتدي عام (مثل معرض الكتاب السنوي - أو جامعة القاهرة - أو الجامعة الأمريكية) وكان ذلك يكفيني وبالقدر الذي حسبته متوازنا. لكن العوائق راحت تظهر على الطرقات واحدا بعد واحد.
*** وفي سبتمبر 1999 دق جرس له رنين فقد وقع في أثناء مراجعة طبية دورية أن “علي هيكل” أكبر أبنائي وأقرب أطبائي (وهو أستاذ في كلية الطب بجامعة القاهرة) - اكتشف وجودا ملحوظا لخلايا مريبة (سرطانية بطبيعتها) - ومع أن نشاطها “الآن” ضعيف ومحصور، فإن أحدا لا يستطيع ضمان ألا تشتد ضراوتها وتزيد سرعتها وتنفلت منتشرة وقرر “علي” أن يتوسع في الفحص وإذا بؤرة خطرة أخرى تظهر على صور الأشعة. والتقى لفيف من الأطباء - بينهم الصديق والعميد الدكتور “محمد عبد الوهاب” والجراح الكبير الدكتور “إسماعيل شكري” والمنظم الطبي البارع الدكتور “حاتم الجبلي” والدكتور “عمرو مسعود” وجلست أمامهم وإذا الإجماع أن الموضع الأول للخطر يحتاج إلى علاج بالإشعاع - في حين يحتاج الموضع الثاني إلى مبضع جراح، وكان هناك اتفاق على أن الجراحة أولى بالسبق والإشعاع عليه الدور بعد أسابيع، والولايات المتحدة الأمريكية يتحتم أن تكون مقصدي وبسرعة. وسألت إذا كانت هناك بدائل أخري في مصر أو قريب منها ولم يقبل “محمد عبد الوهاب” ورد بأنه: “إذا كان الأكثر تقدما في إطار ما أقدر عليه - فلماذا القبول بغيره في شأن يتعلق بالصحة”. وأضاف أن الجراحة الشائعة عموما في مثل هذه الحالات تختصر الطريق باستئصال الكلية، لكن هناك أستاذا أمريكيا استطاع تحقيق اختراق مهم يركز على الكشط والتطهير، ومع أنها جراحة متناهية في الدقة فإنها تساوي المخاطرة لأنها - في حال نجاحها - تحتفظ بالكلية شبه سليمة وقادرة على أداء وظائفها. وفي دقائق تلاقت الآراء على الدكتور “أندرو نوفيك” الجراح المشهود له عالميا في هذا التخصص ثم تلت ذلك إشارات إلى الدكتور “باتريك كوبليان” أستاذ الإشعاع الذي لفت الأنظار في الولايات المتحدة - يتولى الجزء الثاني من العلاج، ولحسن الحظ كان الرجلان - وقتها - يعملان في مركز طبي واحد هو مؤسسة “كليفلاند” ذائعة الصيت في ولاية “أوهايو”.
*** ووصلت إلى “كليفلاند” - نوفمبر 1999 - وفي انتظاري على مدخل مطارها الدكتور “فوزي إسطفانوس” وهو أحد أساطين تلك المؤسسة الكبرى وكان الدكتور “فوزي” يحمل معه جدولا لمواعيدي جاهزة. وحين التقيت الدكتور “نوفيك” - ومعه مساعده المصري المتميز الدكتور “عمرو فرجاني” - لفحص يسبق الجراحة فاجأني الدكتور “نوفيك” بأسماء كثيرين اتصلوا به أو بمكتبه يسألون ويوصون، وكان بينهم “رئيس دولة” سبق للدكتور “نوفيك” أن عالجه وتفضل ذلك الرئيس واتصل يقول للطبيب: “إن مريضه الجديد رجل يحب أن يفهم كل شيء بالعقل قبل أي تصرف بالفعل” وكذلك تصور الدكتور “نوفيك” أن عليه تقديم شرح واف عن الأحوال والاحتمالات واستمعت إليه صامتا لدقائق ثم رجوته ألا يحير نفسه في كل ما بلغه من قبل وقلت بعفوية: “إنه يتعامل مع رجل لم يعد في الأربعين أو الخمسين وإنما رجل تجاوز الخامسة والسبعين وأي عاقل يبلغ هذه السن بأمان لا يحق له نسيان أن المجهول المحيط به - عليه غوائل تنتظر والسؤال في شأنها لا يكون ب: هل ولكن ب: متى! ثم أي الغوائل الكامنة في المجهول تسبق غيرها إلى المعلوم؟! واستفسر الدكتور “نوفيك” متحيرا: “أهي روح الشرق” - وقلت: “بل حقيقة الحياة!” ثم أضفت: “إنني رجل محب لهذه الحياة ومغرم بها - وفي الوقت نفسه متصالح ومتفاهم مع ما بعدها فهذه الحياة أعطتني أحلى وأغلى ما عندها ومن الحق أن أدرك أن ما بعدها موصول بها - اتصال النهار مع الليل!”.
................... ...................
وعلى أي حال فإني خرجت من هذه التجربة سنة 1999 شاكرا وحامدا فقد كان الخطر سخيا معي (بزيارتين في الوقت نفسه) - لكن الطب الحديث كان رفيقا بي (سليما في الحالتين حتى الآن وتحفظي لأني أتذكر تعبيرا فرنسيا شائعا بأنه لا مرتين بغير ثالثة!) وقد ظل يقيني في الأول والآخر أنها عناية الله فوق الخطر وفوق العلم! على أنه عقب تلك التجربة عاودني مرة أخرى هاجس الاستئذان في الانصراف لكني اعتبرته على نحو ما في تلك الظروف - تنكرا وربما جحودا!
***
ثم حدث في تلك الفترة - أواخر 2000 - أن لاحت أمامي إشارة تحذير حمراء فقد غبت عن مصر وقت إجراء الجراحة أكثر من شهر ثم عدت وغبت عنها في طلب العلاج بالإشعاع قرابة الشهرين ويوما بعد يوم - بعد عودتي - لاحظت اختفاء بعض من أوراقي ومحفوظاتي في مصر، وكان اللافت أن بين ما اختفى عشرات من كتبي وعشرات، ومع أنه كان في استطاعتي أن أفهم لماذا تمتد يد إلى الأوراق والملفات - إلا أن اختفاء الكتب حيرني - وأزعجني الموضوع في مجمله - ومع أنه لم يكن في هذه الأوراق والمحفوظات والكتب - شيء فريد أو خطير فإن ما حدث كان غليظا. ودعوت اثنين من خبراء الأمن المصريين - رجوتهما بحث الأمر ثم جلست أستمع ساعتين ونصف ساعة وخلصت إلى أن الخيارات أمامي محدودة لأن الواقعة كما هو ظاهر ليست جنائية وإنما شيء آخر لا يجدي معه ضيق الصدر أو نفاد الصبر ثم إن مجال الظنون فيه واسع خصوصا والتجربة السياسية التي عشتها لاتزال تهم كثيرين في العالم الخارجي كما في الإقليم - أو ربما! ولكن شاغلي لم يكن هم ذلك الذي اختفى من ملفاتي وأوراقي وكتبي في الظلام وإنما ثقل ذلك الإحساس الغليط بيد مجهولة تمتد خلسة إلى أدراج المكتب أو رفوف الحفظ ثم تنزع أو تقطع أو ترفع! وتدافعت إلى ذهني أسئلة كثيرة.
***
ثم انقضت مفاجأة أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وما ترتب عليها (بل وما سبقها منذ استولت المجموعة الإمبراطورية الجديدة على سلطة القرار في البيت الأبيض) - وأخذتني عن كل هم آخر، فقد بدا المشهد الدولي للجميع وكأنه تساقطُ كتلٍ ضخمة من جبل مهول مسه جنون زلزال - ثم راح الأعتى من هذه الكتل يتدحرج متدافعا منقضا على العالم العربي وأحسست أن الحاجة إلى الاستئذان في البقاء أشد إلحاحا من خاطر الاستئذان في الانصراف وتبدى لي أن المشاركة في البحث عن رؤية مشتركة للمستقبل القادم أولى وأحق بصرف النظر عن اختفاء أوراق وملفات وكتب تخص زمانها الذي يضيع - وإن لم يضع!
وحاولت شيئا من تلك المشاركة خلال مجلة “وجهات نظر” (التي طرحت نفسها منبرا رصينا يحاول أن يستكشف ويستطلع وشجعني أن مقالاتي فيها تنشر في الوقت نفسه بعدد من صحف العالم العربي) ثم طرأ أنني من الرغبة في توسيع نطاق البحث عن رؤية مشتركة - قبلت الظهور - بعد تردد - على شاشة قناة تلفزيونية مصرية (دريم) - وتقديري - بغير تزيد - أن يكون ذلك مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، والرجاء استثارة حوار يتصل في مصر ويتواصل عبر أوطان الأمة. ومنتهى القصد أن يساعد مثل هذا الحوار على تخفيف الشعور بالإحباط والركود والعجز ويشد إلى مشاركة واسعة في البحث - والكشف بحيث تتمكن رؤى حرة ومفتوحة من تجاوز مناطق الشك والخلط والعصبية وكان اعتقادي - دوما - أن الخطوة الأولى في أي حوار هي إعادة بناء موضوع الحقيقة بأقصى دقة مستطاعة - لأن أي اختلاف في الرأي مضيعة للجهد إذا لم يكن الموضوع عند المنبع واضحا محددا ومتفقا عليه وموصولا بالوقائع والدخائل وليس بالحكايات والحواديت! وبدا لوهلة أن بعض ما آمل فيه - ويأمل فيه غيري - قابل للتحقيق فقد سرى صوت الحوار مسموعا ثم إن هذا الصوت أخذ يعلو طبقة فوق طبقة.
وكان ظني أن رجلا في مثل سني يقر ويعترف أن مستقبله وراءه وإقراره مصدق عليه بختم السنين وعددها - لم يتبق له غير أداء الحق العام بل ولربما كان عليه أن يوجه إلى نفسه - وبحزم - ذلك السؤال الذي أجراه “شكسبير” على لسان أحد شخوصه: “إذا لم أتكلم أنا - فمن - وإذا لم أتكلم الآن - فمتى”. وكانت تلك مبالغة في التفاؤل - ربما!
أي إنه بحقائق الأشياء فإن الاعتراض على الحوار - كان واردا في المناخ السائد وبالتالي فإنه عندما وقع لم يكن صاعقة منقضة - لكن الأسلوب الذي تم به الاعتراض - بدا داعيا للاستغراب فيما يعنيه ويدل عليه وكان أسفي أنني لم أدفع ضريبة ما قلت بما يحتمله من صواب أو خطأ وإنما دفع غيري وجاء الدفع في موضع الوجع (ومرة أخرى لا أزيد)!
.................... ....................
وسمعت دعوات مخلصة لنقل الحوار الذي توقف إلى خارج مصر لأنه “موقف” و”قضية” - والمنطق أنني قادر على الوصول إلى العالم العربي والعالم الخارجي حتى أقاصيه، ثم إن لي سابق تجربة وخبرة في ذلك من قبل أيام الخلاف مع الرئيس “السادات” بعد حرب أكتوبر 1973 حول قضية السلاح والسياسة، ولم أكن نسيت تلك الموقعة لكني ذكرت نفسي بأن المسألة هذه المرة لها تكييف آخر، ففي المرة السابقة كان نقل الخلاف بمواصلة الكتابة خارج مصر - مقبولا لأن موضوعه يهم محيطا أوسع أوله العالم العربي في صراعه مع “إسرائيل” - ويليه العالم الخارجي في عموم اهتمامه بسلام الشرق الأوسط.
وأما هذه المرة فإن موضوع الخلاف أحوال مصر وأوضاعها ورؤاها ومواقفها وخياراتها وسياساتها في الداخل والخارج وإذا جرى اعتراض الحوار - بالخلاف - فوق أرضها فإن نقله خارجها ثقيل - على الأقل بالنسبة لي - وإذا عصيت مشاعري - فإن الأبواب المفتوحة على مصراعيها في العالم العربي والعالم الخارجي تدعوني إلى قول ما أريد وتحتفي به - ربما تتبدى أمامي حواجز معنوية أتردد قبل القفز عليها اعتبارا لكبرياء وطن وولاء مواطن.
وكذلك راحت الأسباب تتراكم وتتداخل ويمتزج بعضها ببعض حاضرة طول الوقت ومؤثرة! - وبقي في النهاية سؤال: “إذا كان الصمت حاضرا والكلام غائبا ومجمل الظروف ما سبق وما لحق والأحوال المصرية والعربية ما أرى ويرى الناس إذن ف: إلى متى - وإلى أين”؟!
ومع أنني لا أكف عن تذكير نفسي بحكمة عربية شهيرة تقول: لعل لهم عذرا وأنت تلوم - كما أعترف أيضا ب: “أن حبال الصبر تقصر مع طول العمر!” فإني - متمسكا بحدود لا أتجاوزها - لا أملك أن أقتنع إلا بما أراه مقنعا - أو أغالط نفسي فيما أقرأ وأسمع وأعرف - أو أصل إلى موقف لا يعود فيه عندي غير العجز والإيحاء بالإشارة إلى أنه “في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء!”. ويقتضي الواجب - مرة أخرى - تكرار أنه ليس سببا واحدا وإنما جملة أسباب تداخل فيها الخاص والعام والسابق واللاحق والمأمول والواقع والكبير والصغير والمعقول - وكذلك اللامعقول!
***
وتحدثت في الأمر مع الأقربين وتفهم بعضهم كما أن بعضهم كانت له تحفظات: * وكان رأي حبيبة القلب والعقل ونور الطريق والضمير في حياتي أن الاستئذان في الانصراف مفهوم ومعقول، لكنه قرار مرة واحدة، وذلك يدعو إلى إطالة التفكير - وكان القول صدقا. * وكان هناك رأي عزيز وغال يسأل عن داعي الاستئذان في مطلب هو في النهاية ملكي حين أشاء وكان جوابي أن أي شخص يعطيه الناس مساحة من وقتهم مدين لهم بقيمتها، وليس بمجرد حجمها، وبالتالي فإن عليه واجب الاستئذان.
* وأخيرا كان هناك رأي حنون وحريص يخشى أن التوقف عن العمل هو في العادة بداية عزوف عن الحياة، وحاولت أن أشرح أن الانصراف نيتي وليس الاختفاء بمعنى أنه الابتعاد وليس الغياب، فمازال لدي ما أريد أداءه ضمن جدول أعمال يكفيني - حتى وإن ظهر على شكل ملفات خام أصلية وأصيلة أو قد أفكر فيما هو معروض عليّ كحلقات تلفزيونية مصورة موثقة أتحدث فيها وفي الإطار وثائق أصلية تعزز ما أقول، وأملي أن بعض ما عندي إذا استطعت قد يضيف ويغطي ثغرات مازالت مثل ثقوب الفضاء مجهولة في حياة الوطن والأمة ومعظمها متصل بمرحلة كان للعرب خلالها دور فاعل في العالم والتاريخ، وظني أنه ربما يكون من شيء أقدمه فائدة لزمن قادم ولجيل لم يولد بعد - لعل هذا الجيل يتجاسر ويستدعي كامل همته ويقبل على المراجعة والفرز، دون رهبة من أباطرة السيطرة وقهرهم وغارات أمراء الانتقام وحرابهم وطالبي الثأر يطاردون الماضي دون أن يخطر لهم أنهم شردوا خارج التاريخ إلى التيه في قفار موحشة! يزيد على ذلك أن الانصراف ليس سقوطا في بئر الغيبوبة - ولا سجنا في قبو قلعة نائية وحول الرأس والرقبة قناع من حديد وحول الأيدي أغلال من صلب وفي الأقدام أساور تمسكها سلاسل محبوكة تجرح وتدمي إذا تحرك الأسير! أي إنه لايزال - على نحو ما - جهد الدارس الممارس ولكن من ركن ناء بعيد - هناك على طرف قصيّ. *** وفي خاتمة المطاف فقد استقر عندي أن الاستئذان في الانصراف وجب. وكذلك اتصلت بناشري في لندن ونيويورك أعتذر عن كتاب ثالث اتفقت معهم (مبدئيا) عليه، فقد كان اتفاقي الأصلي مع “هاربر كولينز” شاملا لثلاثة كتب - ظهر منها اثنان (أوهام القوة والنصر والمفاوضات السرية بين العرب و”إسرائيل”) - وكان الثالث الباقي عندي عن “الإسلام السياسي” وقد اختار له “أدي بيل” (رئيس مجلس إدارة “هاربر كولينز” وقتها) عبارة “السيف والهلال” رمزا مؤقتا أعمل تحته حتى أستقر عليه أو على عنوان غيره في اللحظة الأخيرة قبل موعد النشر. وفي نفس الوقت اتصلت بعدد من الصحف الأوروبية - بينها “الجارديان” البريطانية - بأنه الشكر والعرفان وكفى. وكذلك أبلغت رئيس تحرير مجموعة “يميوري شينبون” اليابانية - وكنت أكتب لها مقالا منتظما - (بلغ عدد الصحف المشتركة فيه أكثر من ثلاثة آلاف صحيفة منتشرة في بلدان شرق آسيا وغرب أمريكا) - أن يقبل اعتذاري عن عقد متجدد تفضل وأرسله إليّ. وكذلك اعتذرت عن محاضرتين كنت قبلت الدعوة إليهما مبدئيا: واحدة في الجامعة الأمريكية مرة أخرى (!) لافتتاح الموسم الثقافي الجديد، والثانية في مركز الدراسات الفلسطينية في بيروت - ديسمبر/ كانون الأول المقبل - لتكريم مفكر عربي بارز رحل قبل سنوات تاركا تراثا فكريا متميزا وهو الدكتور “قسطنطين زريق” أستاذ التاريخ العتيد في الجامعة الأمريكية في بيروت. ................... ................... وطوال ذلك كله كان بعض القريبين من عملي يتابعون ما أفعل وفي ملامحهم تعبير عن الدهشة - محاولين برقة ألا يثقلوا أو يتطفلوا! - وكان هؤلاء يرونني بينهم كل يوم وظنهم - بعيون الرضا - أن لديّ كفاية من صلاحية الجسد والفكر تكفل الاستمرار سنوات قادمة (يعلمها الله) - وكان ردي أن تلك في كل الأحوال بشارة خير وبركة، لكن صلب الموضوع أنه لا يحق لأحد تجاهل المؤشرات التي تقول بها قواعد الحساب وأحكام الطبيعة، وكنت أضيف: “أنني لا أرى بأسا في انتقال رجل من ومض الضوء إلى ظل الغروب (وليس عتمة الليل) - ومن متن الحياة العامة إلى هامشها (وليس الفراغ بعد الهامش) - في توقيت يترك عنده بقايا أسباب تعينه وتقويه لأن استمرار الحياة في حد ذاته منحة تستحق التكريم وتستوجب الاحترام”. ومن صدق تكريم الحياة ووجوب احترامها - أن الناس لا يصح لهم أن يتسمروا - حيث هم حتى آخر قطرة زيت في المشكاة، وإنما الأفضل أن تظل لديهم بقايا همة تسمح لهم - بعيدا عن الزحام - بالنظر إلى حركة التقدم الإنساني العظيمة ومتابعة حيوية التاريخ الهائلة قادرين على ذلك بأشواق تيسرها بقية من عافية وعقل - تحفظ لهم صلة ممكنة بعصور مذهلة (ومتوحشة!) تقوم الآن فعلا على تغيير الدنيا شكلا وموضوعا - روحا وحركة. وأضيف في النهاية: “أن مساحة البعد تمنح صاحبها فرصة أوسع للتفكر والتأمل والنظر إلى الوراء في أناة وروية، والنظر إلى الأمام بعقل وقلب مازال فيهما حس ونبض - خصوصا من رجل كان له حظ موفور مع الدنيا والناس، وذلك في حد ذاته يكفي وزيادة لمدد من الطاقة له سحر التجدد ولمسة من الحيوية - وربما الشباب - حتى عند الثمانين”.
نقلاً عن الأهرام القاهرية |