|

ليس في مقدور أي كلام تكتبه أقلام أن يعبر عن الخسارة الكبرى التي نزلت على الفكر الإنساني بعموم، وفكرة الحرية بخصوص، عندما غاب عن دنيانا ذلك المبدع الحقيقي والمتوهج إدوارد سعيد.
وإدوارد سعيد هو بالاختصاص أستاذ أدب مقارن في جامعة كولومبيا، لكنه بالالتزام مقدسي الهوية، ومع أنه لم يعش كثيرا في فلسطين، فإن قضايا وطنه سافرت معه إلى حيث ذهب، وانتقلت بجزء كبير من أثقالها معه عندما هاجر واستقر في نيويورك ويعلم، وأهم من ذلك يقاتل ويستميت.
وكتب إدوارد سعيد عن قضية الاستعمار و«المستشرقين» وتجلياتهما في الآداب والفنون الغربية، وذلك هو عمله الجامع عن «الاستشراق»، وإذا هو ينتزع اعتراف العالم كله من دون منازع بأن القضية التي طرحها حق وصدق، دالة وكاشفة.
وكان إدوارد سعيد محاضرا مؤثرا في دفاعه عن حقوق أمته وشعبه، وكان فيما كتب وقال نفاذا إلى الضمائر، مالكا لزمام التعبير، قادرا على جلاء الفكرة بسحر الكلمة، وكذلك وصل قوله وصوته أشعة من التنوير، وهزة تدعو إلى يقظة.
وتعرض إدوارد سعيد لحملة ضارية شنتها عليه جماعات مؤيدة لـ "اسرائيل"، أزعجها تأثيره، وظهرت لها ردود فعل تأثرت بما يكتبه ويقوله، ولم توقفه الحملات، فهو في صميم قلبه طالب سلام، شرط أن يكون سلاما حقيقياً مؤسساً على العدل وقابلا للبقاء.
وكان إدوارد سعيد أول من لمح الخلط الواقع في الصف الفلسطيني وشخصه، وشاركنا معا في اجتماع خاص في جنيف سنة 1988 هدفه بحث الخيارات المطروحة على القيادة الفلسطينية، مع لحظة تعرضت فيها لضغوط شديدة لكي تقدم ما يطلق عليه «تنازلات»، وكان مقررا أن تنقلنا طائرة خاصة من جنيف الى تونس لقضاء يوم واحد مع القيادة الفلسطينية بكافة فصائلها، وحين جاء موعد السفر أسر إليّ إدوارد بأنه سوف يعود مباشرة إلى جامعته في نيويورك ولن يذهب معنا إلى تونس، واستوضحت أسبابه بينما قضية عمره على منحدر، وكان رده باختصار أنني سوف أفهم موقفه أكثر عندما أذهب إلى تونس وأرى بنفسي.
ثم توافقنا فيما بعد بغير اتفاق على ردة فعل إزاء موقف واحد من اتفاقية أوسلو، وشرحت موقفي لأول مرة في محاضرة في الجامعة الأمريكية، لكن إدوارد في أمريكا كان يتحدث إلى العالم، فقد رفع صوته صافيا، متصاعد الإيقاعات، معبرا بحيوية خلابة، شاهدا بالحق على دور الموقف والمثقف، وحين يختار المعلم أن تصل ذخيرته إلى العالم الأوسع بسرعة دون انتظار التأثير البطيء في المحيط الأكاديمي، فهو يريد أن يلحق الحوادث ويلامس المستقبل، وكذلك يسبق موتاً يعرف أنه في انتظاره، وكان ذلك مشهدا جليلا من أي منظور تقع عليه عين أو يستشعره وجدان.
فمنذ سنوات طويلة كان إدوارد يعرف انه مصاب بسرطان الدم، وكان يقاوم ببسالة، يقعده المرض مرات، لكنه لا يلبث أن يقوم رافعا قامته بكبرياء، مجلجلا بصوته، كاتبا كلمته بتدفق مفكر، ومناضل، وفنان، وقبل وبعد كل شيء بكرامة إنسان، كأكرم ما يكون الإنسان، بحثا عن القيمة والمعنى والمعدن والجوهر في حياة الإنسان، وحواره المتصل مع الكون والحياة والخير والجمال.
وفي أوائل صيف هذا العام، كان إدوارد سعيد مدعوا لمحاضرة في الجامعة الأمريكية، ولقيته قبلها في الفندق الذي ينزل فيه، وأحسست به مرهقاً، وصحبته إلى محاضرته في قاعة «ايوارت» (بالجامعة الأمريكية)، وبعدها كان مستنزفا سواء بما لقي من حفاوة، أو بما بذل من مجهود، وفي اليوم التالي جاء ضيفا علينا ليوم راحة في بيتنا الريفي ومعه قرينته المحبة والحانية «مريم»، وقضينا يوما كاملا، ورغم أنه كان متعبا، ما أثار عندي إحساسا غامضا وحزينا بأن النهاية تقترب، فإنه مع ذلك ظل طوال الوقت يتكلم ويسأل ويناقش ويحاور، كأنه يريد أن يكون آخر نفس في الحياة، حياة في قلب الحياة!
وعرفت قبل أسبوعين أن إدوارد دخل المستشفى في نيويورك، وحاولت أن أتصل به، وكان لسوء الحظ في غرفة الإنعاش، وأحسست بانقباض يمسك أعصابي ويشدها، فقد راودني إحساس بأن أجراس السماء تدق.
وحين وصلني نبأ رحيله في نيويورك، وبيننا بحر ومحيط، تذكرت بيت الشعر المأثور عن المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت منه بآمالي إلى الـــــكذب
ومن سوء الحظ أنه لا الأكاذيب ولا الحقائق، ولا الشعر، ولا الدموع تكفي للتسليم بأن المقادير شاءت وحكمت، وجاءت وذهبت ومعها إدوارد سعيد إلى عالم بعيد.
ملاحظة: بقي أن أسجل أنني لا أحب كتابة المناسبة تهاني كانت أو تعازي، لكني في هذا الموقف أجد نفسي أكتب وفيما أكتب نوع من الاعتذار، عن تقصير الصحافة المصرية في نشر خبر رحيل إدوارد سعيد، وفي الحقيقة فإن ذلك التقصير خطأ مهني وفكري وإخباري لا يغتفر، فرحيل رجل مثل إدوارد سعيد لا يجب أن يذكر كأنه حدث عادي مما يجري كل يوم ثم ينسى في اليوم التالي، ولست أعتذر فقط، ولكني أطلب المغفرة للمهنة.. ومن قلبي! |