|
اشتدت المعارك هذه الأيام حول القدس بعد القرار الإسرائيلي الاستفزازي بإنشاء مستوطنة جديدة في جبل أبو غنيم الواقع بين جبل المكبر وقرية أبو ديس، وعند الحديث حول القدس والخلاف الفلسطيني الإسرائيلي عليها، فنحن ـ أي الفلسطينيين ـ نقصد شرقي المدينة الذي كان قبل حرب 1967 جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، أما غربي المدينة، فالإسرائيليون والفلسطينيون والعرب والعالم الإسلامي والمسيحي وربما البوذي متفقون على كونه جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، وهو غير خاضع للنقاش أصلاً، مع العلم أن كثيراً من الأحياء والبيوت العربية القديمة لا زالت آثارها ماثلة حتى اليوم تصرخ أنها عربية، في وقت لم يسمع صراخها أحد لأنه ضاع في خضم الضجيج والعربدة الإسرائيلية، وغطت عليه أصوات الجماجم الفلسطينية وهي تتحطم تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية.
احتلت إسرائيل مدينة القدس (القسم الشرقي) عام 1967 بعد حرب استمرت (6) أيام فقط (يا للخسارة)، هرب فيها الجيش الأردني من دون رجعة، بعد أن استبسل في الدفاع عن المدينة بأسلحة فاسدة اشتراها له الملك حسين من (بريطانيا العظمى))، ولم يكتف بذلك بل طالب من تبقى من الشعب الفلسطيني بالدفاع عن المدينة.. كيف؟.. بأسنانهم وأظافرهم..(كذا)!!
الحكومة الإسرائيلية أعلنت حربها حول مدينة القدس منذ احتلالها في حزيران 1967، إذ كان أول عمل قامت به، حتى قبل إعلان ضمها لإسرائيل ، هو إرسال الجرافات الإسرائيلية لحائط البراق في حارة المغاربة قرب المسجد الأقصى، لتهدم جميع البيوت العربية هناك بعد أن أنذرت سكانها بالرحيل فوراً دون أن تمنحهم أية مهلة لنقل ما يمكن نقله من أثاث أو أمتعة شخصية، ولم يمض أكثر من يومين حتى أصبحت حارة المغاربة مثل ملعب كرة القدم، واختفت والى الأبد حارة المغاربة، وعقبة بومدين، وشردت عائلات كثيرة لم تجد لها مأوى، وباختصار أصبح ذلك الجزء من البلدة القديمة مجرد ذكريات طفولة لكثيرين من أبناء شعبنا. لم يمض وقت طويل حتى بدأت السلطات الإسرائيلية حملة طرد (بقوة القانون) للسكان المحيطين بحائط البراق وساحته، وشملت الحملة (حارة الشرف) أو ما كان يسمى بـ (حارة اليهود) و (حوش الغزلان) و (حوش الشاي) حتى باب السلسلة.. أي حوالي ثلث البلدة القديمة.. ولكي تعطي إسرائيل إجراءاتها القمعية صفة قانونية، فقد خيرت السكان المطرودين بعد طردهم طبعا بين أمرين اثنين: إما قبول التعويض، أو تبليط البحر، ودق الرأس بالحيط!!.. ولأن شعبنا ، آنذاك ، كان من الجهل والغباء ما فيه الكفاية، متوهمون ان الجيش الاردني والجيوش العربية ستحررهم بعد سنوات قليلة ولغياب الوعي السياسي الموجود حالياً، فقد قبل معظم الناس مكرهين فكرة التعويض، وقبضوا (للأسف) ثمن بيوتهم أو جزء من ثمنها الحقيقي ليبنوا بها بيوتاً جديدة في مشارف القدس وهو ما يعرف اليوم بـ (ضاحية البريد) و (الرام).
شخصان اثنان فقط من سكان حارة اليهود والمنطقة المحاذية لها لم يقبلوا التعويض، وظلوا على رفضهم له الى يومنا هذا..
اثنان فقط رفضا التعويض، طُردا مع أسرتيهما من بيوتهما بالقوة، وحل اليهود بدلاً منهما.. لم تنفع كل إغراءات مسؤول التعويض الإسرائيلي (عزرا) في إقناعهما ويقال أنه عرض عليهما أخيراً ـ ربما من باب جس النبض ـ شيكاً مفتوحاً، إلا أنه فشل في الحصول على أي جواب.
المواطنان المذكوران هما أحمد الزغيّر (أبو هاشم) الذي انتخبه المواطنون مؤخراً عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني، وحسناً فعلوا لأنهم اختاروا من يمثلهم بصدق. والثاني الحاج عبد العفو مسودة صاحب محلقة ـ صالون حلاقة ـ قديمة في باب السلسلة بالقدس، ليس صاحب جاه أو عضواً في سلطة، ولكنه يملك إيماناً لا يتزعزع بمدينته المقدسة التي وهبها كل حياته.
وإذا كان الحاج (أبو هاشم الزغيّر) ميسور الحال حالياً وسابقاً ـ وهذا لا يقلل من موقفه أبداً ـ فإن الحاج (مسودة) كان فقيراً جداً لدرجة أنه عندما طُرد من بيته في البلدة القديمة لم يجد سوى أحد مساجد القدس الصغيرة لينام فيه مع أسرته حيث سدت أمامه كل السبل، حتى المصلين ضاقوا ذرعاً بالحاج مسودة وهم يعلمون أن لا مكان يأوي اليه وطالبوه بترك المسجد. صمود الحاج عبد العفو مسودة لم يذكره أحد، ولن يدون في سجل التاريخ، لأنه ليس محسوباً على عرفات أو أبو مازن، مع أنه يجب أن يكون مع (أبو هاشم) رمزين للدفاع عن عروبة ما تبقى لنا من القدس التي لن يعيدها لا اتفاق أوسلو ولا زيارات عرفات المكوكية الى البيت الأبيض.
عندما عاد عرفات الى غزة، كان من أولى إنجازاته الاجتماع بالمخاتير وأصحاب (الضمائر الحية) الذين كانوا حتى وقت قريب من رموز الاحتلال وأعوانه، طالباً منهم إعلان الولاء والبيعة واعداً إياهم بجنات نعيم تجري من تحتها ومن فوقها الانهار، أما أهل القدس الأحرار أمثال الحاج مسودة فقد ظلوا على الهامش، لم يسأل عنهم احدا ابدا .
اخوتي القراء .. لست زعيماً في حزب أو سلطة، ولست من المحسوبين على عرفات أو اليسار او الوسط او التيار الاسلامي، فهل تسمحوا لي باسمكم وباسم أن نعلن معاً تقليد وسام القدس (للحاج عبد العفو مسودة).. لماذا مسودة بالتحديد؟.. لأن أبا هاشم تذكره الناس عندما انتخبوه للمجلس التشريعي، أما الحاج مسودة، فيقيناً أنه لم يسمع به أحد سوى معارفه، فهل نعيد لهذا الرجل اعتباره؟.. أليس في تكريم هذا الرجل تكريماً للقدس وتأكيداً لعروبتها؟! * كاتب فلسطيني – الولايات المتحدة
|