|
عشر سنوات وأبو علي على هذا المنوال. من العمل إلى البار. حيث يلتقى أصحابه هناك. في هذا المكان يُفرغ كل واحد منهم ما في قلبه من آهات وأوجاع دفينة من ماض مشترك ... حرمانهم من الوطن الذي سلب منهم ... ويبقى الأمل في الرجوع إليه ... حلم يسكنهم في نومهم وفي يقظتهم، وعندما يلعب الخمر في رؤوسهم، يصبحون كالزجاج الشفاف... فترى العيونُ تُكشف ما بداخلهم من هم وألم وعناء وتتعاظم الأوجاع والجراح في أوصالهم وتزيد احتراقا في ضلوع الليل وفي نبض المنام ... ملاذهم تلك السويعات التي يخلون فيها ببعضهم ... يستقرئون على جبين الليل كل له قصائد أوجاع ذلك الماضي وتجربةٌ حبِّ لعشيق اسمه "الوطن" ذاك الذي أمسى في قلبهم حطام. كل يحاول أن يسكبَ ما بداخله من حكايات مع الزمن الجلادِ ليصبح كبقايا الخمرِ الفائضة عن الكؤوس الممتلئة. لعله يرمي عن كاهله ذلك الثقل الذي يحمله في قلبه وروحه وجسمه.
من ضمن هذه الشلة، ابو علي الوحيد الذي كان يشتغل طوال إقامته في أسلو. شخصية متميزة. نشيط، ذكي، طويل القامة، قوي الوجه، خمري اللون، يميل إلى السمرة، عيناه نافذتان وغائرتان، لهما أهداب طويلة ينغلق جفناهما وينفتح ببطء، وبؤبؤان بلون عسل النحل يبرقان حنينا حزينا تتوق لرؤية الوطن. له حضور وجاذبية، أنيق الملبس وحذائه دائما لامع السواد. في كل صباح، عندما يكون أبو علي في عمله المضني، يكون أصدقاءه يغطون في نوم عميق، لا يستيقظون إلا على رائحة الفطور. يجلس الواحد منهم مع زوجته ويطيل الجلسة حول المائدة ويبدأ معها الحديث حول معارفهم من الجيران والأهل والأقرباء. لا يستثنون رجلا أو امرأة أو طفلا، ينتقدون، يتأففون، يستاؤون، يضحكون، يستهزؤون، وأحيانا يبكون على ماض الوطن والأهل، آملين أن يرجعوا بأبناهم إليه عندما تتوفر لديهم إمكانيات مادية....بالتدبير والحنكة والإقتصاد والتقشف من ذلك المبلغ الزهيد الذي يحصلون عليه من الضمان الإجتماعي.
دعى أبو علي كلّ أصدقاءه ليشربوا على نفقته وبين صمت الكؤوسِ وضجيجِها وفكرةُ الخمرِ وجنونِها انفجرَ بركانهُ الرّابضُ في أعماق قلبهِ فكان في تلك اللحظة، المتحدث والراوي والفيلسوف، يروي تاريخه، معاناته وآهاته. تحدّث عن قصته التي طالما تردّد في البوح بها. قال لهم كل شيء حتى القصةَ الدفينةَ التي كانت مختفية وراء ستار ماض أليم، حزين .... شرب أبو علي حتى الثمالة فلم يعد هناك ما يفصلُ بين عقله وقلبِهِ. التحم كلُّ بالآخر فبدأ القلب يشكو العقلَ والعقلُ يملي على لسان أبي علي ... الذي بدأ يقذف ُ كلمات قصته الحزينة كالرصاص الملتهب. فروى لهم قصتَه التي لطاما تردد في البوح بها. قال لهم كل شيء، ولم يبق شيئا آخر إلا هذه القصة الوحيدة التي كانت ومازالت تؤلمه، ولطالما خجل أن يبوحَ بها ... لكنها تعذبه، تنهشه ... تميته موتا بطيئا. كان الكل يسمع إليه بإصغاء وكان هو يتحدث وحقد دفينُ ُ يتملّكُهُ على ساديةِ أبيهِ يكشف عنه فيصير كبركان لطالما حاول أن يتفجر دون جدوى ....
" كلكم تعرفون يا أصدقائي الجوع والفقر الذي عشناه بالمخيمات ... لن أنسى انفصال والدي عن أمي... لن أنسى حياتي وحياة أختي والتعسف الذي عانينا منه، من جراء تسلط أبي وزوجته، التي كانت تحرمنا من الأكل وتُقفل علي باب الغرفة وتضربني حتى يغمى عليّ ... أما أختي فكانت خادمتها المطيعة. لن أنسى وأنا في الخامسة عشر من عمري، صرختُ في وجهها لتكف عن إلإساءة لأختي. وشَت لأبي فلحِقني بالمسدس ساعتين بشوارع المخيمات ... أطلق علي أربعبين رصاصة. لولا عناية الله التي أنقذتني منه.
ضحك ضحكة مجلجلة مختلطة بالبكاء ... يملأها حزن يَحرق قلبه ودموع تذرف من عينيه لأول مرة في حياته ثم أضاف مُظهرا ابتسامة مصطنعة.
تصوروا يا إخواني وأنا في التاسعة من عمري، وقتها كانت ظروفنا المادية جد مزرية. أرسلني أبي لكي اشتري الشاي والسكر. وبينما الدكاني كان يهيء لي غرضي، وقعت عيناي على كعك طاجز رائحته تجعل الأمعاء تتحرك ومنظرها يجعل لعاب الجائع يسيل ...وكنت حينها جائعا من كثرة التقشف الذي كان لايفارقنا... كان الدكاني مشغول بتجهيز طلبي وكنت انا أراقبه بعيني بينما يدي تتسلل ببطىء حتى تمكنت من الكعك وبسرعة كالبرق أخفيتها داخل قميصي ولم أخرجها حتى وضعت زوجة أبي الشاي والخبزالحاف على الطاولة. أبصرني أبي، فوقف بسرعة وكأن خبرا عاجلا استلمه من رئيس المنظمة التي ينتمي إليها. كنت أراه طويلا، ضخم الجثة ... مازلت قاعدا حول تلك المائدة الصغيرة المستديرة. أنظر إليه ... كان يزمجر واللعاب يخرج من فمه ويقع على وجهي ... عيني ... وعلى فمي المفتوح. من اين لك بالكعك يا ولد ... كيف حصلت عليها ... من أعطاها لك ... ولماذا .... ألم تخجل من نفسك ....؟ هل ينقصك شيئا يا عديم الحياء ... تساؤلات تنزل متتالية ... لم يترك لي الفرصة لكي اجيبه استطردني صارخا أتدري ايها الغبي أن السرقة حرام ...؟ أتدري أن صاحبها تقطع يداه ...؟
أمسكَ عضدي وبدأ يركلني متجها بي إلى المحل الذي اشتريت منه الشاي والسكر. وكلما أحاول الوقوف يركلني برجليه طيلة الطريق إلى أن وقفنا أمام الدكان. كان الدم يسيل من جسمي. فتح الدكاني العجوز فاه مذعورا من منظري الذي يثير الشفقة ...
صرخ في وجه أبي:
أليس في قلبك رحمة؟ ماذا فعل لك الصبيُ لكي ينال منك كل هذا الضرب؟
لقد سرق منك كعكا، وعلي أن أربيه وأعلمه أن السرقة حرام.
وبدأ يضربني باللكمات على وجهي ... وعنقي ... وظهري ...
كان الدكاني العجوز ينظر إلي مرتعدة فرائصة .... حزينا ... يريد إنقادي لكن كيف له أن يقترب من ليث جائع يأكل طريدته!! عيناه ترتعشان لرؤية دموعي الممتزجة بدمائي ... أصرخ من ألم الضرب الذي كان يجلد ضهري كأنه طعم علقم أو كأنه مرارة صبر في حلقي.
كف عن ضربه حالا. أليس في قلبك رحمة؟ دعه يأخذ ما يشاء من الدكان.
لم يسمع أبي رجاء الدكاني ولا توسّله ... استمر في الضرب واللطم والشتم، بعدها لم يحتمل الدكاني منظري فصرخ في وجه أبي بعصبية.
أنا الذي أعطيته الكعك فلماذا تضربه؟
توقف أبي عن ضربي هنيهة، نظر إلى الدكاني وقال له بامتعاض وخزي:
أنت لم تعطه الكعك، فلا تزيدَ الطين بلة. إن الله لا يحب السرقة ولا الكذب. قال كلامه ذاك وجرني إلى البيت كما يُجَرّ ُ الخروف المذبوح للسلخ. بمجرد أن رأتني أختي على ذلك الحال انفجرت باكية، مشفقة على منظري، فانهال عليها أيضا يضربها وزوجة أبي تنظر إلينا بشماتة قاتلة، راضية، لأنه يربينا لكي نصبح جيلا صالحا. كانت زوجة أبي صغيرة في السن، جميلة لباسها يختلف عن لباس أمي ... عن كل نساء المخيم ... كانت تقضي النهار في خياطة فساتينها بنفسها. تلبس الفستان فتراه عليها كنساء المجلات، يدور نسيج الفستان ملتصقا بخصرها وبطنها وفخديها، سابغا حتى ساقيها، مشقوقا من جانبه، عيناها فيهما نظرة غاوية متيمة. وكان أبي يغرقها بكلمات الغزل بالليل والنهار كنت أسمعه لأن بيتنا كان صغيرا كقفص الدجاج. عندما كانت أمي معه كان ينهال عليها بالضرب المبرح منذ فقدت رجليها تحت لغم وتشوه وجهها. ولم تعد قادرة على القيام بأشغال البيت. ينظر إليها بتقزز ونفور فلم تعد تستطع المكوث معه غادرت ... فأرسل لها ورقة الطلاق.
الساعة الثالثة والنصف صباحا ...
مازال أبو علي يفجر ألمه الدفين وزمرته تستمع إليه في صمت إلى أن وقف ابنه أمامه ووشوش له في أذنيه. وقف أبو علي مذعورا ثم استأذن أصدقاءه وغادر إلى البيت. لاقته زوجته بالصراخ والبكاء.
لماذا يا أبو علي؟ ماذا فعلنا لك حتى تمرغ سمعتنا في التراب. وأنا التي كنت أفتخر بك وبجديتك ونشاطك في عملك ونزاهتك!؟ الشرطة يبحثون عنك. لقد انتهت حياتنا يا أبا علي ... انهيتها أنت ...
بدأت تغصّ بالبكاء، ضمها ابنُها إلى صدره، ناظرا إلى أبيه باحتقار قائلا:
لقد كشف البوليس مسروقاتِك التي كنت تخبئها بالمخزن.
لم يتحمل أبو علي نظرة ابنه ... شعر بالخزي والعار ... رياح وعواصف من الغضب هبت من روحه بعد طول السكون ... فانهال على ابنه بالركل والضرب كما فعل له ابوه يوم سرق الكعك. كانت الأم تصرخ، سمع الجيران الصراخ فتلفنوا إلى مركز الشرطة، فما هي إلا دقائق حتى وقف البوليس أمام الباب. فتحت الأم الباب بسرعة لكي ينقذوا ابنها من براثن ذلك الهزبر العجوز الذي يدافع عن الحلال ويضحض الحرام.
وضع احد الشرطيين يدي أبي على في الاصفاد وقاداه إلى مركز الشرطة، وكان هو يصرخ في وجهيهما: طفولتي سُرِقت مني ... حياتي ... وطني ... لا أحد تكلم ... ماذا سرقت أنا؟ تلك الأثواب البالية والقطع الكهربائية؟! إنها ليست أكثر قيمة من الكعك .....!
تلاقت أعين الشرطيين المندهشة وهما يرددان كلمة الكعك دون أن يفهما شيئا. |