|

الحقيقة التى لا مراء فيها أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد تفانت - ولا تزال - فى إصباغ المشروعية على الدولة العبرية، الاستعمارية، الاستيطانية، الاستئصالية والإحلالية، وتبارت هذه الإدارات فى كفالة وضمان أمن الكيان الصهيونى وحمايته من أى تهديدات وجودية تنال منه، واستمرارية ازدهاره، سياسيًا واقتصاديًا، ولم يكن العدوان العسكرى الأنجلو - أمريكى الأخير على العراق، واحتلال أراضيه، والسيطرة على ثرواته ومقدراته، وفق الأجندة الأمريكية، بمنأى عن هذا السياق.
وفى محاولة «للحصاد السياسى» للإنجازات العسكرية ما بعد إسقاط النظام الحاكم فى العراق، جهَّر المسئولون فى الإدارة الأمريكية الحالية، على مستويات عدة، بسرعة التهديدات الجلية بأن سوريا ستكون هدفًا عسكريًا تاليًا، تحت ذرائع مختلفة. ولاعتبارات ليست بخافية على أحد، تراجعت احتمالات الخيار العسكرى، مرحليًا، ضد سوريا، مع تكثيف وتصعيد الضغوط الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، والتى جسدتها وقتئذ جولة وزير الخارجية الأمريكى كولن باول للمنطقة، بهدف الترهيب والتخويف للقيادة السورية من مغبة الاستمرار فى سياسات معينة، وإضعاف سوريا واحتوائها، والنيل من صمودها، والتأثير فى قراراتها الوطنية ومواقفها القومية والتزامها مبادئ " الشرعية الدولية " ، وبما ينهى أى وجود للحالة الوطنية العربية، أى مزيد من الانصياع والاصطفاف ضمن منظومة «بيت الطاعة الأمريكى»، على خلفية إمكانية نقل النموذج العراقى إلى كل دولة ترفض الإذعان، وتطويع موقفها السياسى، بما يتناغم مع سعى الإدارة الأمريكية لرسم وتخطيط وترتيب الخارطة الجيو - سياسية فى الشرق الأوسط، وفقًا للمصالح والأهداف الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية . والعنوان الرئيس لرسالة وحدة التهديدات الأمريكية، فى توقيتها المبكر، وإن كان لا يخلو من مفاجأة ، أن تقبل سوريا «الواقع الجديد» وتعمل بطريقة «بناءة ومتعاونة» مع الولايات المتحدة، باستخلاص العبر مما حدث فى العراق، ومخرجاته، أى تهميش الدور الإقليمى السورى، دون أن يعنى الأمر بالضرورة تكرار الحالة العراقية بحذافيرها فى سوريا، ذلك أن ممارسة حزمة من الضغوط، ما دون الخيار العسكرى، من سياسية ودبلوماسية واقتصادية، يمكن أن ترى فيها الإدارة الأمريكية وسيلة يمكن أن تحقق الأهداف المرجوة، وإنجاز مكاسب ضخمة دون اللجوء للخيار العسكرى وأزماته. يمثل التبكير الأمريكى لتوظيف مفاعيل الحرب والعدوان واحتلال العراق ضد سوريا حقيقة الإدراك والقناعة بأن سوريا هى الحلقة الحاسمة المتبقية فى إضعاف المقاومة العربية للكيان الصهيونى، وللمشروع الإمبراطورى الأمريكى فى العراق، ورضوخًا لمشيئة حاخامات البنتاغون، أعادت الإدارة الأمريكية، والتى تضع سوريا على قائمة الدول الداعمة «للإرهاب»، حسب التسمية الأمريكية، منذ عام 1976، تصدير اتهامات جديدة قديمة، سابقة التجهيز، تحت ذرائع، أن القيادة السورية وفرت دعمًا سياسيًا وعسكريًا لنظام صدام حسين، حسبما أشار وزير الدفاع الأمريكى، بإرسال معدات عسكرية، عبر تمرير مناظير رؤية ليلية، أو أجهزة لدبابات روسية قديمة (قطع غيار)، وتوفير الملاذ والإيواء لأسلحة دمار شامل عسكرية عراقية محظورة، واستفادة عناصر وقيادات النظام العراقى السابق من الهروب الآمن عبر الحدود السورية، والتى تمتد لمسافة 600 كم، إضافة لشخصيات علمية وعسكرية، من علماء وكوادر متميزة فى الأسلحة البيولوجية والصناعات العسكرية العراقية . ناهيك عن ادعاء وجود «إرهابيين إسلاميين» فى الأراضى السورية، عطفا على تجديد اتهام دمشق بحيازة أسلحة دمار شامل، من امتلاك لصواريخ بعيدة المدى وأسلحة كيماوية. وامتدت الاتهامات لتشمل حرص القيادة السورية على عرقلة التحولات الديموقراطية والإصلاحات الداخلية المطلوبة، وفق المواصفات والمرجعية الأمريكية، وهنا تتبدى دلالة تأكيد وزير الدفاع الأمريكى على وصف ما يزعمه من دعم سوريا لحكم صدام حسين بأنه عمل عدائى، كذلك ما أكده ريتشارد بيرل - المستشار النافذ فى وزارة الدفاع الأمريكية - بأن سوريا ستكون هدفًا عسكريًا إذا تبين أن فى حوزتها أسلحة دمار شامل عراقية، ومطالبتها تسليم أى شيء قد يكون فى حوزتها، وفى حال التقاعس عن ذلك، فلا أعتقد بأن أحدًا يمكنه استبعاد استخدام أى شيء مما نملكه.
وبطبيعة الحال، بادرت القيادة السورية إلى نفى امتلاكها أسلحة كيماوية، أو إيواء رموز النظام العراقى، أو إخفاء أسلحة عراقية محظورة، وتأكيد إغلاقها للحدود المشتركة، إلا لأغراض المساعدات الإنسانية، وحرصت على تبيان أن الأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية الوحيدة فى المنطقة يملكها الكيان الصهيونى الذى يهدد جيرانه، ويحتل أراضيهم.
بيد أن الأمر الأكثر أهمية يكمن فى الاستياء الأمريكى من حدة الخطاب السياسى السورى، المناوئ للولايات المتحدة والدولة العبرية على حد سواء، خاصة فى ظل شعار بوش ومقياسه «من ليس معنا فهو ضدنا»، ومما لا شك فيه أن تكثيف النشاط السورى الدبلوماسى فى إطار الجامعة العربية ومجلس الأمن، اعتبرته واشنطن مناهضًا لتوجهات السياسة الأمريكية تجاه العراق، سواء على صعيد الانضمام إلى فعل الائتلاف الدولى الرافض الإسناد السياسى وإضفاء المشروعية على العدوان العسكرى على العراق، ورفض الأحادية الالتحاقية بواشنطن، أو على صعيد رفض دمشق تغطية الاحتلال الأمريكى للعراق، والاستيلاء على ثرواته ومقدراته ودولته وسلطته وسياساته، ووضعه فى خدمة المشروع الصهيونى، إقليميًا، والاستراتيجية الأمريكية، دوليًا.
وبالتالى تتبدى دلالة رفض سوريا هذا الاحتلال، وسلب إرادة الشعب العراقى الحر، والسطو عليها، بل ووضوح المطالبة السورية بضرورة انسحاب قوات الاحتلال من العراق لإفساح المجال أمام الشعب العراقى لتقرير مستقبله، ورفض أى حكم أمريكى له، وعدم الاعتراف بشرعيته، فى ضوء اعتبار سوريا أن أى حكومة أمريكية عسكرية ستكون حكومة احتلال، والتواصل فى إبداء القلق السورى على وحدة الأراضى العراقية وسلامتها، ومعالجة الأوضاع الكارثية كى يتمكن الشعب العراقى من اختيار حكومته بإرادته الحرة، دون تدخل أجنبى، وبالتداعى المنطقى، فإن ذلك يتعارض مع المسعى الأمريكى «لتأمين احتلال مريح» للعراق، ويزيد من صعوبات تطبيع الموقف العراقى، ومن ثم ممارسة وتصعيد الضغوط المكثفة التى تثنى سوريا عن مواقفها السياسية التى هى فى نهاية المطاف داعمة لمقاومة هذا الاحتلال الأمريكى . وتدرك واشنطن أن القيادة السورية تتوافر لها علاقات غير خفية مع عدد واسع ومتنوع من فصائل المعارضة العراقية، خاصة الشيعية، التى يمكن أن يتجه بعضها إلى ممارسة هذه المقاومة بعد سقوط النظام العراقى ، وتفعيل المقاومة ومزيد من التورط الأمريكى فى المستنقع العراقى .
والثابت أن النوايا الأمريكية الحقيقية من وراء الاندفاع لاحتلال العراق، وإسقاط نظامه واجهت حتمًا اختبار مصداقية من الشعب العراقى تفند مقولة «حرب تحرير العراق» وتوظيف ثرواته لصالح تطوره وازدهاره.
والإدارة الأمريكية، وفى رؤية استباقية، عندما تتهم دولاً أخرى، خاصة سوريا، فإنها تريد أن تغطى على تلك المصاعب والمتاعب، التى تولدها المقاومة العراقية ومن ثم الحيلولة دون التدخل السورى فى المسألة العراقية، والحيلولة ودون دعم حركة المقاومة الشعبية المسلحة فى العراق، ومبادرة تحميل المسئولية عنها لطرف خارجى، تحت ذريعة التدخل والتحريض، ولطمس جوهر وهوية هذه المقاومة الناجمة عن رفض شعبى لواقع الاحتلال نفسه.
كما أن الإدارة الأمريكية على يقين بأن أى حكومة عراقية مقبلة، أيًا كانت التسمية من دون اعتراف من دول الجوار، لاسيما سوريا وإيران، لا معنى لها، وستكون عبئًا على الولايات المتحدة، وفى هذا السياق تتبدى تحديات التحولات الجذرية فى السياسة الخارجية العراقية، فى مرحلة ما بعد الاحتلال، من زاوية تصنيع نظام سياسى عراقى جديد أكثر موالاة للغرب والدولة العبرية، أو حتى غير معادى لها، إضافة إلى أنه فى ظل وجود اتفاق سلام أردنى - صهيونى، فإن الجبهة الشرقية التى ظلت تهدد الكيان الصهيونى لم تعد موجودة من الناحية العملية، وإلى حين بروز معطيات مغايرة . ولا تقلل القيادة السورية من التداعيات السلبية لهزيمة النظام العراقى، والذى يعنى إفقاد دمشق قواعد خلفيتها الاستراتيجية ومحاولات عزلها عن الاتجاهات كافة، ولعل ذلك ما يفسر أن سوريا صاغت مواقفها المتشددة ضد احتلال العراق، انطلاقًا من مخاوفها من تداعياته على المصالح الإقليمية لها ، وهى مخاوف جدية فى ضوء خصوصية الموقع الجيو- سياسى لسوريا.
فى السياق الأشمل، حملت المطالب الأمريكية، فى زيارات المسئولين الرسميين لدمشق، بعد تراجع " مؤقت " لحدة التهديدات بالخيار العسكرى، وما أبدته سوريا من رغبة فى مواصلة «الحوار الإيجابى» مع الإدارة الأمريكية، ترجمة حقيقية لمطالب إسرائيلية، سبق أن حددها رئيس وزرائها إرييل شارون، وتتمثل فى: 1 - طرد وحل منظمات «الإرهاب» الفلسطينية الناشطة فى دمشق، فى إشارة إلى فصائل المقاومة والمعارضة الفلسطينية، خاصة «حماس»، و«الجهاد الإسلامى»، والتى تصنفها الإدارة الأمريكية «بالإرهابية». ومما لا شك فيه أن منظمات الرفض الفلسطينية تحتمى بالموقف السورى الرافض لإملاءات الكيان الصهيونى. 2 - طرد الحرس الثورى الإيرانى من سهل البقاع اللبنانى الخاضع لسيطرة سوريا المطلقة. 3 - وقف التعاون السورى مع إيران، وضمنه ما تزعمه من محاولات نقل أسلحة إلى السلطة الفلسطينية، وتحريض العرب فى إسرائيل (فلسطينيو 1948). 4 - نشر الجيش اللبنانى على الحدود مع إسرائيل، وطرد وحل حزب الله اللبنانى من المنطقة. 5 - إضافة لمساعدة سوريا فى تقديم معلومات عن جنود إسرائيليين مفقودين، وأسرى فى لبنان ولدى «حزب الله»، ووجوب تجريد سوريا من الأسلحة الكيماوية التى تكلف على إنتاجها.
وبناء على مدى التجاوب السورى مع هذه المطالب، وفى ضوء تسريبات إعلامية عن رئيس الوزراء الصهيونى، شارون، فإن حكومته على استعداد لإجراء مفاوضات سياسية مع سوريا دون «شروط مسبقة»!! وفى الموعد الذى تقرره دمشق.
ويشكل ملف «حزب الله» اللبنانى مكانة مركزية فى طبيعة الضغوط الأمريكية - الإسرائيلية على سوريا، من زاوية إزالة التهديد الذى يشكله الحزب وإبعاده عن جنوب لبنان وتجريده من القذائف والصواريخ، حيث تزعم إسرائيل امتلاكه نحو عشرة آلاف قذيفة كاتيوشا وعشرات الصواريخ البعيدة المدى القادرة على بلوغ شمال إسرائيل حتى مسافة 40كم من تل أبيب، إضافة لمنع وصول الإمدادات العسكرية إليه من إيران عبر الموانئ السورية.
ومما لا جدال فيه أن الحزب بات يشكل خطرًا مباشرًا ودائمًا على أمن الدولة العبرية، بيد أن الأهم يتمثل فى أن نجاح الحزب فى تحرير الجنوب اللبنانى كان ملهمًا للانتفاضة الفلسطينية الحالية ولقوى المقاومة المسلحة التى رفعت سقف أهدافها إلى دحر الاحتلال، وهو ما يمثل، إن حدث بالقوة والإجبار، تحولاً كبيرًا فى الصراع مع الكيان الصهيونى، ويكمن خلف هذه التجريدة لتفكيك وحل «حزب الله» اللبنانى، وتجريده من سلاحه وطبيعته العسكرية وإعادة هيكلته بإلغاء جناحه العسكرى، وحصر نشاطه بالأعمال السياسية، تراجعه عن خطه الجهادى، ووقف عملياته، أى التجميد الاضطرارى لمقاومة الحزب لجوهر المشروع الصهيونى، والنيل من دلالات وخبرات أمثولته المقاومة، عطفًا عن إقفال «ملف الجنوب» بشروط شارون، واستدراج لبنان إلى مفاوضات مباشرة حول مزارع شبعا، بعد تفكيك المقاومة، وقد رفض الحزب هذه الأطروحات.
فى ضوء مأزق الخيارات الصعبة للموقف السورى، وصعوبات اتخاذ موقف «متوازن» بين الحفاظ على الثوابت الوطنية ومنطلقات الخطاب السياسى الذى يرضى الجمهور العربى، وبين المصالح الاستراتيجية للنظام السورى بعدم الذهاب بعيدًا فى الخلاف مع الولايات المتحدة، سعت القيادة السورية إلى مواجهة الضغوط وتعطيل ما يمكن منها، فبداية أغلقت سوريا حدودها مع العراق، ورفضت إيواء رموز النظام السابق، مدركة أن الولايات المتحدة تتواصل فى مراقبة التحركات على هذه الحدود عن كثب للتحقق من أن دمشق تحترم تعهداتها، وأكدت دمشق عدم سماحها لفرق التفتيش بأن تكرر فيها التجربة العراقية، وبادرت سوريا بطرح مشروع قرار جديد فى مجلس الأمن وتفعيل قراراته الرامية إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل، وفى مقدمتها الأسلحة النووية، والطلب من مجلس الأمن الدولى حث كل دول المنطقة، دون استثناء، الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدات الحظر الشامل للتجارب النووية وحظر الأسلحة البيولوجية والكيماوية، وتأكيد عزم المجلس منع التهديد الذى يشكله امتلاك الجماعات الإرهابية أسلحة الدمار الشامل.
وعلى الرغم من أن سوريا لم تمض بعيدًا فى طرح هذا المشروع، إلا أنها أعادت تكثيف الأضواء على طبيعة امتلاك الكيان الصهيونى لأسلحة الدمار الشامل كافة، وما تمارسه الدولة العبرية من تحديات وتضرب بعرض الحائط الشرعية الدولية، وترفض المصادقة على أى من اتفاقات حظر تلك الأسلحة، وأكدت دمشق على وجوب إنهاء الاحتلال لئلا تكون هناك ذريعة لوجود منظمات رفض ومقاومة، والتى بدورها تدارست إمكانية اتخاذ إجراءات لتجميد مؤقت لنشاطاتها الإعلامية فى سوريا، فى خطوة منها لنزع الذرائع التى تعمل الإدارة الأمريكية على الاستناد إليها فى ممارسة الضغوط السياسية على دمشق.
وتدرك القيادة السورية وطأة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف ضخ النفط العراقى إليها، والتى تقدر مبدئيًا بنحو مليارى دولار، كانت تجنيها من أنبوب النفط الذى أغلقته قوات التحالف الأنجلو - أمريكية، ومن الانفتاح التجارى أيضًا، ومن المعروف أن العراق هو مورد النفط الرئيس لسوريا، ويحقق خط أنابيب الموصل - طرطوس فوائد حيوية لسوريا، فمن خلاله تحصل على احتياجاتها النفطية بأسعار زهيدة، فضلاً عن العائد الذى تتحصل عليه نتيجة مرور هذا الخط من أراضيها والمتمثل فى مقابل العبور، ثم الفوائد التى تدرها لصالح الاقتصاد السورى من تشغيل ميناء طرطوس، كميناء تصدير للنفط العراقى، وتسعى الإدارة الأمريكية إلى إجهاض الاقتصاد السورى للقضاء على عناصر الاستقواء السياسى لدى النظام بما يمكنها لاحقًا من فرض إرادتها دون حاجة للخيار العسكرى.
وفى السياق نفسه، تحرك عدد من أعضاء الكونجرس لإعادة إحياء مشروع قانون «محاسبة سوريا»، من خلال طرحه على اللجنة الفرعية المصغرة الخاصة بشؤون الشرق الأوسط، تمهيدًا للتصويت عليه قبل أن ينتقل إلى لجنة موسعة للمناقشة والتصويت عليه مرة ثانية، وفى حال إقرار المشروع الذى قد يفرض عقوبات إضافية على سوريا، سيحال على الكونجرس لإقراره نهائيًا وبدء تنفيذه، وكان البيت الأبيض رفض العام الماضى العمل باقتراحات مشابهة، ولمزيد من الضغوط على سوريا، ينص هذا المشروع على أنه يتوجب على سوريا الالتزام بعدة إجراءات لتفادى العقوبات الأمريكية، منها توقف سوريا عما تعتبره واشنطن مساندة للإرهاب الدولى، وسحب جميع قواتها الموجودة حاليًا فى لبنان، واحترام سيادة لبنان واستقلاله السياسى، والتوقف عن تطوير ونشر الصواريخ العابرة للقارات والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والموافقة على المضى قدمًا على مسار السلام بين دمشق والكيان الصهيونى.
وفى حالة عدم الاستجابة، فإن سوريا ستتعرض إلى مجموعة من العقوبات منها: حظر بيع أى منتجات أو معدات أمريكية إلى سوريا قد تستخدم لأغراض مزدوجة عسكرية ومدنية، ووقف أى صادرات أمريكية لسوريا باستثناء الأغذية والأدوية، ووقف أى قروض أو مساعدات فيدرالية للمشاريع الاستثمارية الأمريكية فى سوريا، وتقليص مستوى التبادل الدبلوماسى بين البلدين، وفرض قيود على حركة الدبلوماسيين السوريين فى واشنطن وأعضاء الوفد السورى لدى الأمم المتحدة، وتجميد الأرصدة السورية فى الولايات المتحدة.
وتأمل الإدارة الأمريكية أن تؤدى هذه الضغوط، وأن تسير على نحو يدفع بدمشق إلى الانكفاء عن التعامل المعارض (بحسب الرؤية الأمريكية)، سواء عبر نفوذها المباشر، أو عبر علاقاتها العربية مع الحلول التى تقترحها للأزمة العراقية وللقضية الفلسطينية، أى القبول بالصيغة الأمريكية - الإسرائيلية لخارطة الطريق، وتسهل التعامل مع توجهات حكومة أبو مازن، وتيسير الاحتلال أو الإدارة الأمريكية للعراق ، عبر صيغة " مجلس الحكم الانتقالى " ، أى تجرع النظام السورى شراب تسوية بتركيبة أو مواصفات إسرائيلية سبق رفضها من قبل، بمزيد من الاستفراد الصهيونى بالملف الفلسطينى، والضغط لإنهاء الصراع العربى - الصهيونى بشروط الدولة العبرية.
وفى ضوء محاولات الولايات المتحدة أن تفرض على العرب أن يتنازلوا عن كل ما يملكونه من عناصر القوة فى الموقف والسلاح لحساب الكيان الصهيونى، حتى لو كانت هذه القوة مجرد وهم من الأوهام فى الحسابات الإسرائيلية، تدرك القيادة السورية مدى ضخامة وقسوة الأعاصير وذوابع التغيير، ومسعى حذف المقاومة من المعادلة مع الدولة العبرية، فإن تجارب المرونة فى تاريخ القيادة السورية تبرز القدرة على المرونة فى التعاطى مع التهديدات، تحت سقف الاحتفاظ بالموقف السياسى المبدئى فى القضايا المصيرية، وبالتالى ومع تقدم ضرورات النظام السورى فى الحوار والتهدئة وانتظار معطيات مغايرة، وإلى أى مدى يمكن أن يذهب النظام السورى بهذا الشأن، تبقى حقيقة أن التخلى عن تحرير كامل الجولان والمواقف والدور الإقليمى العروبى لسوريا بمثابة خط أحمر، ما دونهما انتحار سياسى، ورفض استئناف المفاوضات مع الدولة العبرية من موقع المنتصر والرضوخ للإملاءات.
كما أن العلاقات السورية - الإيرانية علاقات استراتيجية، شأنها شأن ارتباط المصير المشترك بين سوريا ولبنان، وتدرك سوريا مخاطر إنسلاخ العراق الجديد عن محيطه وتغيير سياساته الخارجية، بحيث يكون أكثر ارتباطًا بإسرائيل وأقل انسجامًا مع خصومها. وقوى المقاومة العربية «حزب الله» اللبنانى، وحركتى «حماس»، و«الجهاد الإسلامى» فى فلسطين، تدرك أن دمشق وتد خيمة المقاومة، يتوجب المحافظة عليه من تلك الأعاصير، بيد أن ذلك لا يحول دون إعلانها استمرارية خيار المقاومة فى معادلة الصراع حتى دحر الاحتلال، وهى على يقين من ضراوة الضغوط على سوريا وما تفرضه من حسابات، وحيث إن للأنظمة ضرورات، فإن للشعوب خيارات متعددة، فى صدارتها خيار المقاومة المشروعة، بكافة أشكالها وصورها، ضد الاحتلال الأجنبى لأراضيها، ورفض تعمد خلط الأوراق مع «الإرهاب»، حيث إن المقاومة ينتفى وجودها فقط بزوال الاحتلال.. وباستمراره تصبح المشروعية وحدها للمقاومة، وبصرف النظر عن التهديدات والضغوطات . كما أن أبرز عَبر سقوط النظام العراقى فى ضرورة السعى إلى مزيد من الإسناد الشعبى فى المعركة مع العدو المركزى: الأمريكى - الصهيونى، وجعل الجماهير رقمًا صعبًا فى هذه المعادلة، فالأنظمة قد تسقط، ولكن الشعوب المتجذرة بالأرض والعرض والكرامة الوطنية خالدة وأبدية، لا تنال منها رياح عاتية، أو أعاصير هادرة، تلك عبرة التاريخ والجغرافيا. |