|
هل مازالت الولايات المتحدة حليفنا الإستراتيجي؟
أستغرب كل هذه الضجة التي أثارتها تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة رغم كونها تأتي منسجمة مع الموقف الأمريكي ومواقف الرئيس الأمريكي وإن ذهب بعيدا هذه المرة ليمنح حقوقا للدولة الصهيونية تتناقض جملة وتفصيلا ليس فقط مع ما روجته ومازالت تروج له هذه الإدارة وماكينتها الإعلامية بل وحتى الكتاب وأجهزة الإعلام المرتبطة معها والخاضعة لنفوذها والمتبنية لأجندتها في العالم العربي, بل ومع القرارات الدولية والقانون الدولي. نحن نعلم إن الاعتراف الأمريكي بشرعية المستعمرات المقامة في الضفة الغربية تتعارض مع القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بقضايا نتائج الحروب والاحتلال, لكننا كذلك نعلم بأن ذلك لا يغير الشكل القانوني الحقيقي بأنه لا شرعية لا للمستعمرات والمستوطنات المقامة لا قبل وبعد 1948 ولا حتى تلك التي أنشئت بعد حرب 1967.
وحتما فإنه لا الولايات المتحدة الأمريكية ولا إدارتها تملك الحق بإلغاء القرارات الدولية رقم 194 و 338 و242 ولا أن تمنح الشرعية لجدار الفصل العنصري. وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه على المراقب يتلخص في موقف المجتمع الدولي والأمم المتحدة من مواقف الولايات المتحدة ومصداقية وعودها وعهودها ومشاريعها في المنطقة العربية. هل حقا مازال البعض يتوهم بأن الولايات المتحدة وإدارتها اليمينية المتصهينة تسعى إلى الاستقرار والديمقراطية وحقوق الإنسان؟؟؟ هل مازال هناك عاقل يتصور أنه يمكن أن يكون للديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان وجهان مختلفان بل ومتناقضان؟؟؟ هل من الممكن أن تنادي أمريكا وإدارتها اليمينية بالديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان في العالم العربي وهي التي مارست كل وسائل التضييق على الحريات وتكميم أفواه مثقفيها وطلائع شعبها لمصلحة قوى اليمين المدعومة من شركات النفط والشركات متعددة الجنسيات التي تمارس نهب ثروات الشعوب وتتعيش على استغلالها؟؟ أيها السادة يا من مازلتم تروجون للمشروع الأمريكي من خلال مواقعكم في النظام العربي الرسمي أو أجهزته الدعائية والإعلامية, إن الاستقرار الذي تنشده الإدارة الأمريكية في المنطقة العربية ينبع من حاجتها للتفرغ لنهب ثروات المنطقة ودعم توجهات وأجندة الصهاينة وليس من رغبتها في إشراك شعوب المنطقة في عملية صنع القرار أو تحقيق تنمية شاملة. فالإدارة الأمريكية وشريكتها الصهيونية ليس لهم حليف إلا مصالحهم وتحقيق أجندتهم وهم أول وأبرع من يحرق عملائهم ويتخلص من حلفائهم متى ما اقتضت الحاجة إلى ذلك. ولكم في صدام حسين وشاه إيران وغيرهم في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق أسيا أمثلة عديدة على ذلك. الإدارة الأمريكية تعلم علم اليقين بأن للشعوب العربية ذاكرتها الوقادة ومصالحها الوطنية والقومية ولا يمكن أن تسمح إلا بأنظمة تمارس أنواع من الخداع والتظليل على شعوبها وتقدم صور مشوهة للممارسة الديمقراطية والشفافية وسيادة القانون مطلية بألوان زاهية ومدعومة ببهرجة وأكاذيب إعلامية تنفذها وتشرف عليها القوى ذات المصلحة في إطالة أعمار هذه الأنظمة ودوام هيمنتها على مراكز صنع القرار وعلى تحكمها في الثروات الوطنية القومية لمصلحتها ومصلحة أسيادها في البيت الأبيض وإدارات الشركات المستبيحة لثروات الشعوب. إن الإصلاح والاستقرار والتنمية وسيادة القانون والشفافية وتجسيد المواطنة الحقيقية دون تمييز لا يمكن أن ينادي بها أو يمارسها لصوص الثروات الوطنية وبؤر الفساد ولا يمكن أن تنطلي على الشعوب كل هذه الحملات الترويجية التي تصدى لتنفيذها كتبة السلاطين والطامحين إلى تلقي المكرمات نقدا وعينا كانت أو كراسي ستهتز من تحت مؤخراتهم كلما فكروا مجرد التفكير في سوء ما آلوا إليه, أو تذكروا رفاق دربهم وشهداء أوطانهم. فالجواب على المشروع الأمريكي الصهيوني يملكه الذين مازالت بوصلة اتجاهاتهم تعمل وهم هناك في المدن والقرى الفلسطينية والعراقية.
النظام العربي الرسمي وسياسة الإنبطاح
عجيب أمر أنظمتنا العربية فهي عندما تتهاوى وتتخاذل من أجل الحفاظ على مواقعها ومصالح الفئات المهيمنة على القرار والثروة فيها, لا تعير مصالح شعوبها القومية والوطنية وثوابتها أي اهتمام. فبعد تصريحات وزراء مجلس الصم والبكم في العراق حول إعادة الحقوق والأملاك الخاصة باليهود الذي هاجروا إلى إسرائيل وبعضهم ساهم ليس فقط في اغتصاب الحقوق والأراضي الفلسطينية, بل كذلك في قتل وتشريد الشعب الفلسطيني وتجريف أراضيه واقتلاع زرعه وهدم بيوته, تفاجئنا بتصريحات الحكومة الليبية بنيتها عن تعويض اليهود الذين هاجروا من ليبيا وإعادة ما يدعون أنه ممتلكاتهم في ليبيا. هذا الكرم الحاتمي الذي هو استجابة وتخاذل أمام رغبات الإدارة الأمريكية يقابله ليس فقط تصريحات هذه الإدارة بحق الامتلاك و الاستحواذ الصهيوني على الأرض العربية التي تم احتلالها في يونيو 1967, بل ودعم الصهاينة في بناء الجدار العازل وعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة. النظام العربي الرسمي لم يكفيه ما أوصل هذه الأمة إليه فهو يمضي قدما لتهيئة الأرضية والأسس لمشروع إسرائيل الكبرى مقابل احتفاظ رموزه بمواقعهم وكراسيهم وهيمنتهم المطلقة على مقدرات ومستقبل الشعب العربي وفتات ثرواته التي تتصدق بها عليهم القوى الأمروصهيونية وشركات النهب والاستغلال المنظم التي تمثل أبشع ما أوجده النظام الرأسمالي العالمي. هذه الأنظمة لا تجرؤ على التساؤل إن كان لبعض مواطنيها الذين تخلوا عن جنسياتهم دعما للمشروع الصهيوني الذي يستهدف الحق والوجود والثروة العربية من حقوق وممتلكات فأين هي حقوق شعبنا العربي الفلسطيني ؟؟؟ ولا يمكن لرموز نظامنا العربي الادعاء بأنهم قد فاجأتهم التصريحات الأمريكية فقد كتب بن كسبيت مقالا تحت عنوان "عناق رئاسي" في معاريف بتاريخ 15 أبريل 2004 بالحرف " فالمصريون اطلعوا مسبقاً على أقوال بوش، ومع أنهم لم يتحمسوا لها إلا أنهم لم يستشيطوا غضباً. وأهمية صياغات الرئيس بوش أمس تكمن في أنها يمكن أن تخضع للتفسيرات في جميع الاتجاهات." بينما كتب ألوف بن في مقال بعنوان " لشارون أسباب كثيرة ليكون راضياً" نشرته هارتس يوم 15 أبريل 2004 قائلا " ستكون "رسالة بوش" من الآن الأساس لكل محادثات سياسية في مثلث إسرائيل ـ الولايات المتحدة ـ الفلسطينيين. لقد قبل الرئيس موقف إسرائيل باثنتين من المشكلات الرئيسية لاتفاق دائم مستقبلي هما: لن يطلب من إسرائيل الانسحاب الى الخط الأخضر في الضفة الغربية، وسيكون حل مشكلة اللاجئين في عودتهم إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى إسرائيل. تلقى حلم "حق العودة" الفلسطيني ضربة قاضية من بوش، بعد سنوات من تفادي الاشتغال فيه بحجة أنه مسألة ستحل في مفاوضات مستقبلية بين الطرفين." وأضاف " للمرة الأولى أُعلن أن الالتزامات الأميركية بأمن إسرائيل تشمل أيضاً "حدوداً آمنة وقابلة للدفاع". الدعم لحق إسرائيل "في الدفاع عن نفسها بنفسها" هو تلميح للمحافظة على القدرة النووية الإسرائيلية، وتكرار للوعود التي أعطيت لرؤساء حكومة سابقين. وهناك تلميحات لضمانات ستعطى لتطوير النقب." فإلى متى سيضل سدنة نظامنا الرسمي العربي وطباليه وزماريه من الكتبة المتأمركين والمتصهينين يرددون بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي حليفنا الإستراتيجي؟؟ إلى متى سيضل البعض يتهمنا بالإغراق في نظرية المؤامرة وكأن لا اتفاقيات سايس بيكو كانت مؤامرة إنجلوفرنسية ولا اغتصاب فلسطين وتوطين شتات الأرض والعدوان الثلاثي على مصر كانت مؤامرة غربية ولا التآمر على حق مصر للسد العالي كان مؤامرة أمريكية!!!! هل نواصل؟ فالقائمة طويلة حيث اقتطعت أراضي عربية ونهبت ثروات قومية ووطنية وحوربت خطط تنموية ومازال البعض يضن إننا غارقون في نظرية المؤامرة ويضربون لنا الأمثال في كيفية تحقيق النمو والتطور تحت الاحتلال الأمريكي في اليابان متجاهلين حقيقة أن اليابان كانت تصنع الطائرات والسفن وبها صناعة تأسست بالتعاون مع ألمانيا قبل أن تهدمها أمريكا وتسحق عنفوانها بالقنابل النووية.
أبعاد اغتيال الشهيد الدكتور الرنتيسي
أن يتم تنفيذ عملية اغتيال الشهيد الدكتور الرنتيسي قبل أن يجف دم شيخ المجاهدين الشهيد الشيخ أحمد ياسين يؤكد العديد من الدروس التي يجب أن تعيها وتتفهمها جماهيرنا العربية فالنظام العربي الرسمي أثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه عاجز عن الفهم, عاجز عن التعلم, وعاجز على الفعل , وعاجز بحكم مصالح المهيمنين عليه و مصالح مروجي إطروحاته (وهم منتشرين على امتداد هذا الوطن الكبير) عن تلمس وتبني مصالح شعوبه الوطنية والقومية. ويمكن إيجاز تلك الدروس فيما يلي:
1) إن حماس والتنظيمات الفلسطينية المقاومة هي التي تمتلك بوصلة صحيحة وواضحة وتتفهم عبر مقاومتها ورفضها لاتفاقيات أوسلو ومشاريع الاستسلام الأمروصهيونية طبيعة المرحلة التي يمر فيها عالمنا العربي وحقيقة المأزق الذي يعيشه النظام العربي الرسمي والسلطة الفلسطينية. 2) إن اتفاقيات أوسلو وجملة المشروعات الأمروصهيونية هي بالأساس برامج وأجندات مرحلية من أجل تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل وحاسم وتهيئة البيئة المناسبة للهيمنة الأمروصهيونية على المنطقة برمتها ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها. 3) إن تلك الاتفاقيات والمشروعات توفر الغطاء السياسي التام للممارسات الصهيونية وتعمل على تحييد الرأي العام العالمي في صالح الأجندة الأمروصهيونية. 4) إن الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها اليمينية المتصهينة شريكا كاملا مع سبق الإصرار والترصد. وإن استمرار العيش في وهم مقولة الشريك الإستراتيجي ووعود التنمية والاستقرار والديمقراطية ما هي إلا شعارات يرفعها النظام الرسمي العربي بكل أطيافه وألوانه مدعوما بماكينة الإعلام الأمروصهيوني ومندوبيه في المنطقة العربية من أجل تغييب الشعوب وخلط الأوراق وعدم تمكين الشعب العربي من فرز وتحديد أولياته. 5) إنه ليس أمام الشعب العربي على امتداد هذا الوطن الكبير إلا المساهمة الفعالة في عملية المقاومة التي تشمل تحقيق الإصلاح الحقيقي في دولها الإقليمية وتحقيق التنمية وتجسيد دولة المؤسسات وحكم الشعب ودعم صمود المقاومة الفلسطينية والعراقية في خطوط المواجهة ومحاربة كل ما هو أمريكي وصهيوني بحيث يشمل ذلك المطالبة بإلغاء القواعد والتسهيلات الممنوحة لأمريكا في دولها ومقاومة وجودها إن أقتضى ذلك.
هذه بعض الدروس التي أثبتتها التطورات الأخيرة وأفرزها انتقال الإدارة الأمريكية إلى مرحلة لم تعد تخفي أو تموه فيها لا مشاريعها ولا أجنداتها. وهي ماضية في توجيه الصفعات لنظام عربي أدمن عليها بفضل قياداته وزعاماته. |