|
تأتي إدانة محمود عباس "أبو مازن" للعملية الاستشهادية في القدس بعد تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها بالعمل على ملاحقة فصائل المقاومة التي ستواجه الانتهاكات المتكررة للعدو الإسرائيلي للهدنة لتؤكد مرة أخرى على استهانة هذا الرجل بالدم الفلسطيني، ولتعطي دليلا ناصعـًا على شخصية هذا الرجل التي تصر الدوائر الأمريكية والإسرائيلية على وضعه كشاهد زور على شلال الدم الفلسطيني الذي يسفك يوميـًا بآلة الحرب والدمار الصهيونية، ولتؤكد مجددًا عن المواصفات الموجودة في هذا الرجل الذي أصرت الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية على تنصيبه رئيسـًا لمجلس الوزراء الفلسطيني.
فرغم ان أبو مازن كان "عراب" اتفاق اوسلو ومطل على كل التفاصيل، الاّ أنه لم يكن يشكل معضلة في السياق العام للعمليات السياسية في الإطار القيادي، ولذلك اختير محمود عباس ليكون الرجل المنفذ لأوامر القيادة السياسية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، وفي حركة فتح، رغم ان عملية اوسلو تمت من خلف إطار «م. ت. ف» ، ومتجاوزة إطارات فتح التنظيمية والسياسية، وما كان بامكان عرفات أن يعتمد على رجل تنفيذي أكثر من محمود عباس دون إثارة أية ملاحظات قد تؤدي إلى إعلان ما، عن العملية السياسية التي تمت في عتمة اوسلو ومن خلف ظهر الجميع حتى أجهزة أكثر الدول العربية الأمنية والإستخباراتية.
في كتابه (القضية أفاق جديدة) يفصح أبو مازن عن توجهاته الأساسية، ومنذ وقت مبكر ، فيما يخص العلاقة مع العدو ، ففيه يحتج على أولئك الذين يرفضون حتى التحدث مع يهود أو مع إسرائيليين ، معتبرا ذلك من قبيل التجهيل ، وبغض النظر عن الشائعات التي تبث ما بين الناس على انه ينتمي إلى الفئة البهائية، إلا انه كان من السباقين إلى طروحات فتح حوارات مع الصهاينة وهو ما أبقاه حيا في نظر الكثيرين. وفي عتمة أوسلو، وحسب رأي شاهد على أسرارها، أخذ الأمريكيين يهتمون به، وعملوا على ترويجه صهيونيا بعد أن لمع نجمه أمريكيا وعندها كان محمود عباس قد فاز بالرضا الأمريكي، حتى كان توقيع الاتفاق في حديقة البيت الأبيض في واشنطن، تتويجا لهذا الرضا، وتهيئته لدور مستقبلي، كونه حاز على درجة امتياز في التنفيذ من جهة ولتزكيته من شخصيات فلسطينية وصهيونية، ولأن المخابر السيكولوجية الأمريكية كانت قد درسته جيدا.. لقد لمع نجم أبو مازن في الليل الأمريكي، وأخذت تراهن عليه ليكون الرجل القادم ولمرحلة انتقالية بعد نزع أظافر عرفات الذي كرس نفسه زعيما بلا منازع. لأن أمريكا وبنصيحة صهيونية ان الرجل الذي يصلح لمرحلة تنفيذ ما يطلب منه هو ذلك الرجل الذي تمت تهيئته لخلافة عرفات.. وغمزت لها بالعين الساكنة، وطرحت في السوق السياسي اسم محمد دحلان، ورغم موافقة أمريكا إلا أنها رفضت رأي حكومة العدو ورأت أمريكا انه لا بد من مرحلة انتقالية لتهيئة الأوضاع لتصبح ناضجة، ولذلك استقبل كلينتون محمد دحلان في البيت الأبيض على انفراد رغم وجود وفد فلسطيني وهو مجرد عضو فيه.
إن أبو مازن شاهد زور أيضـًا على اعتقال الرئيس الفلسطيني في مقاطعة رام الله.. والذي أصبح رهينة بيد العدو الإسرائيلي، فلا يستطيع الخروج أو التنقل من مدينة الى أخرى من مدن ومناطق السلطة، والاستقالات المتكررة لعباس إنما تأتي في سياق إقالة عرفات، والتخلص من ثقله والأعباء التي أضحى يشكلها هذا الرمز الذي ما دأبت الأوساط السياسية الأمريكية والصهيونية تحاول التخلص منه ليس لأنه يعترض السياسات الأمريكية والصهيونية، ولكن كونه لم يعد يشكل الرجل الذي تحتاجه المرحلة، ومن هنا بات التخلص منه أمرا ملحا، لتنفيذ المراحل التي تحتاجها أمريكا لترتيب سياساتها في المنطقة والمحيط الإقليمي.
وها هو شاهد الزور يصدر تعليماته لوزير أمنه بتفكيك البنية التحتية للمقاومة، ونزع أسلحة قوى المقاومة في ظل تعنت إسرائيلي واضح باجتياحات يومية للأراضي الفلسطينية، وعدم الحديث عن قضية القدس، وعدم فتح أي حوار حول قضايا اللاجئين وحق العودة، والتخلي عن قضية الأسرى المعتقلين الذين تتهمهم حكومة العدو بالإرهابيين وارتكابهم أعمال جرائم حرب ضد المدنيين. فهل سيستمر أبو مازن في دوره المرسوم له أمريكيـًا وإسرائيليـًا أم سيعود إلى التغريد داخل السرب الفلسطيني.؟! هذا ما ستثبته الأيام القادمة. |