|
حتى لا تتحول الإتصالات والمفاوضات الجارية إلى مطالبات فلسطينية تنظر فيها الحكومة الإسرائيلية وتقرر التجاوب أو عدم التجاوب معها، وفق إعتباراتها الأمنية والداخلية، وحتى لا يتحول إعلان الهدنة الفلسطيني إلى خطوة في الهواء، أو إلى خطوة أحادية الجانب بلا مقابل، فمن الضروري ان يوحد الجانب الفلسطيني مواقفه وخطته السياسية وان يحدد هدفه السياسي المباشر وخاصة ما يتعلق بالمرحلة الثانية من خريطة الطريق وعما إذا كنا نريد دولة ذات حدود مؤقتة قد تتحول مع الوقت إلى حل طويل الأمد للقضية الفلسطينية ؟ وهل يمكن دفع الثمن المطلوب إسرائيليا لقيام مثل هذه الدولة؟...
إن تقديم الإجابة على هذين السؤالين من شأنه أن يحدد أيضا طبيعة التعامل الفلسطيني الرسمي مع المرحلة الأولى من بنود هذه الخريطة، ولا سيما بعد أن إتضحت أكثر فأكثر النوايا والمطالبات الأمنية الإسرائيلية التي لا تفترض إلا خياراً واحداً ألا وهو دفع الفلسطينيين إلى الإقتـتـال الداخلي تحت شعار تفكيك ما يسمى بالبنية التحتية للإرهاب ! وتشترط معالجة القضية الفلسطينية بإعتبارها قضية داخلية إسرائيلية، وليس قضية شعب يتوجب منحه حقه الطبيعي في التحرر من الإحتلال!
لقد برزت مقدمات هذا النهج الرسمي الإسرائيلي في التحفظات الـ14 المضافة إلى خريطة الطريق، وفي عدم عرضها للإقرار في الكنيست الإسرائيلي وبعدها في عدم إلتزام شارون بإعلان إفتتاحي ينص على وقف العنف بجميع أشكاله ضد الفلسطينيين وعلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة كما تضمن النص الحرفي لهذه الخريطة.
وفي إطار هذه السياسة الإسرائيلية تواصلت الإجراءات التوسعية وكأن الأمور قد بقيت على حالها مثـلما كان الحال قبيل الإعلان الرسمي عن الخريطة، وشهدنا إستفزازات متزايدة في المسجد الأقصى، ومصادرات واسعة حول القدس، وإستكمال العمل بطريق الطوق الشرقي الذي يصل مستوطنتي معاليه أدوميم وجبل أبو غنيم وإستعدادات لبدء العمل في المقطع الثالث من الجدار الفاصل، وإستمرار حملة الإعتقالات، وتشديد الحصار حول مدينة بيت لحم وجميع المدن الفلسطينية الأخرى، وغيرها من الإجراءات التي ترمي إلى إستدراج ردود أفعال عنيفة من الفلسطينيين تحمِّلهم مسؤولية نسف العملية السياسية الجارية.
وعلى الصعيد العملي، تجدر الإشارة إلى أنه في إطار الإجتماعات والإتصالات الرسمية الفلسطينية – الإسرائيلية الجارية تكررت المطالبة الفلسطينية بنفس المطالب تقريباً ألا وهي وقف الإجتياحات والإغتيالات والإعتقالات وعمليات الهدم والتجريف، وسياسة الترحيل والإبعاد إلى غزة، ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وعن الرئيس أبو عمار، وإطلاق سراح جميع المعتقلين دون تمييز، وكذلك تجميد الإستيطان تجميداً كاملاً ووقف العمل بالجدار الفاصل وإعادة فتح المؤسسات المغلقة في القدس؛ وكانت الإجابات الإسرائيلية تتراوح بإستمرار ما بين الدراسة والفحص وبين التأجيل والمماطلة أو الرفض.
وعلى سبيل المثال فبالنسبة لإزالة البؤر الإستيطانية وعددها يتجاوز المئة، فقد إكتفى شارون بإبداء الإستعداد لإزالة بؤر استيطانيه غير مصرح بها وفق القانون الإسرائيلي. وبالفعل فقد قام الجيش الإسرائيلي بإزالة بعض البؤر الإستيطانية الفارغة، ولكن مقابل كل بؤرة إستيطانية جرى إزالتها أقام المستوطنون بؤرة جديدة، أي إن شيئاً ملموساً لم يحصل في هذا المجال؟ ويبدو أن هذا الأمر يتماشى مع موقف شارون السياسي وخطته التفاوضية التي تعتبر أن موضوع الإستيطان هو قضية داخلية إسرائيلية وليس تعدياً على حقوق وأراضي شعب آخر. وفي هذا المجال يمكن العودة إلى رسالة شارون لمجلس المستوطنات حول البؤر الإستيطانية التي قسمها إلى أمنية إستراتيجية سيبقيها، وأخرى ليست ذات أشكال وسيبقيها أيضاً، وثالثة يمكن إزالتها وعددها لا يتجاوز العشرين. ومثال آخر يتعلق بالمطالبات الفلسطينية بإطلاق سراح المعتقلين حيث وضعت الحكومة الإسرائيلية حسب صحيفة يديعوت أحرنوت 10 شروط لإطلاق سراحهم على الشكل التالي:-
1) لن يفرج عن سجناء ملطخة أيديهم بالدماء. 2) لن يفرج عن سجناء أعضاء في حركتي حماس والجهاد أو في الجبهة الشعبية. 3) لن يفرج عن سجناء تقدر المخابرات الإسرائيلية بأنهم سيعاودون القيام بعمليات. 4)سيفرج في المرحلة الأولى عن معتقلين إداريين أو عن معتقلين حكموا لفترة 6 أشهر. 5) سيفرج عن معتقلين ليس لهم أية علاقة بالإرهاب وحكموا لمدة قصيرة. 6)سيفرج عن سجناء مرضى وقاصرين. 7)سيطلب من المفرج عنهم التوقيع على تعهد بعدم ممارسة الإرهاب. 8)قائمة المفرج عنهم ستعرض على الجمهور الإسرائيلي وعلى عائلات ضحايا العمليات التفجيرية قبل 48 ساعة. 9)سيعطى المجال لمن يرغب منهم التوجه إلى القضاء الإسرائيلي للإعتراض على ذلك. 10)سيجري إطلاق سراح السجناء على مراحل متعددة وذلك وفقاً للأداء الأمني الفلسطيني. وبالنتيجة فإن قضية الأسرى الفلسطينيين هي أيضا حسب موقف شارون السياسي وخطته التفاوضية تعتبر قضية داخلية إسرائيلية تخضع للإعتبارات الأمنية وليس إلتزاماً سياسياً وإستحقاقاً يترتب عليه تقديمه مقابل الهدنة. وبالإضافة إلى هذه العراقيل والعقبات والمماطلات فإن حكومة شارون تضع شرطين تعجيزيين للإنتقال إلى المرحلة الثانية من خريطة الطريق ولإقامة الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتـة. الشـرط الأول: ضرب ما يُسميه بالبنية التحتية للإرهاب أو بكلمات أخرى دفع الفلسطينيين بإسم الأمن الى نفق الإحتراب الداخلي مما يقدم الذريعة لحكومة شارون للتوقف عن تنفيذ أي إلتزامات مهما كانت بحجة إنعدام الأمن. وهنا يمكن العودة إلى تصريحات آفي ديختر رئيس الشاباك التي قال فيها "إذا لم تقم السلطة بنزع سلاح حماس والجهاد في غزة فلن تسلمها إسرائيل الصلاحيات الأمنية في الضفة". والشرط الثاني: إبراز قيادة فلسطينية جديدة أي عدم إعادة إنتخاب الرئيس عرفات، وهذا يعني منع إجراء الإنتخابات الفلسطينية العامة. على ضوء هذه الوقائع وغيرها نستنتج بسهولة بأن لا جدوى من إقامة دولة بحدود مؤقتة بالثمن والمواصفات التي يريدها شارون وأن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني باتت تقتضي كسر المسار الإسرائيلي لخريطة الطريق، والخروج من الدائرة التفاوضية الحالية التي تريد فرضها إسرائيل وفق المعادلة التالية: إلتزامات فلسطينية أمنية إجبارية مقابل خطوات إختيارية إسرائيلية في المجال الإنساني، وبدون إلتزامات سياسية أو جدول زمني أو رقابة دولية، وبناء على ذلك فقد يكون من المفيد إتخاذ عدة خطوات للخروج من هذه الدائرة التفاوضية المفرغة: 1. تعزيز الحوار الوطني الشامل وصولا إلى التوافق الوطني مهما كلف ذلك من جهد ووقت، وإذا لم يكن بالإمكان الإتفاق على ما نريد، فبالإمكان الإتفاق على ما لا نريد، أي على خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها من قبل الجميع. ومسألة الإتفاق الوطني هي قضية هامة وضرورية لمواجهة الإشتراطات الأمنية الإسرائيلية والواردة في خريطة الطريق. 2. الإنتقال إلى مفاوضات الوضع النهائي دون المرور بمرحلة الدولة ذاتها الحدود المؤقـتة في حدود 28/9/2000 وبالثمن والمواصفات الإسرائيلية باعتبارها قطعة حلوى ستزيد مضارها على فوائدها. وهذا يتطلب الإصرار على عقد مؤتمر دولي بصلاحيات واضحة ومحددة للبدء في بالمفاوضات النهائية. 3. الإصرار على وضع جدول زمني للتنفيذ المتبادل والمتوازي للإلتزامات تحت إشراف ومراقبة دولية. لإخراج المفاوضات من كونها مجرد مطالبات فلسطينية تخضع لمشيئة الحكومة الإسرائيلية وإعتباراتها الأمنية والداخلية.ومن الضروري تحديد جدول زمني للإنسحاب الإسرائيلي ورفع الحصار خلال فترة لا تتجاوز الشهرين وتحديد موعد للإنتخابات الفلسطينية العامة بعد ذلك. 4. شن نضالات جماهيرية واسعة من أجل وقف الإستيطان والجدار العازل وإطلاق سراح جميع المعتقلين وتدعيم موقف المفاوض الفلسطيني في هذا المجال. 5. البدء بحملة دبلوماسية فلسطينية مكثفة وشاملة على الصعيدين العربي والدولي لشرح الموقف الفلسطيني. وكذلك القيام بحملة واسعة لتعبئة الجمهور الفلسطيني بطبيعة الوضع الناشئ دون مبالغات، وتمنيات تجمّل الواقع ولا تظهره على حقيقته. وبالمحصلة فإن تحديد هدف التحرك السياسي الفلسطيني في إطار الخطوات المذكورة، سيعزز الجبهة الداخلية ويوحدها، وسيؤدي إلى إحباط الخطة الإسرائيلية وإشتراطاتها الأمنية لتنفيذ خريطة الطريق. |