|
أعتذر عن العنوان مقدمـًا ، وأحتمي بالآية القرآنية : {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظـُـلم وكان الله سميعـًا عليمـًا} (النساء 148) . والحاصل في الأراضي الفلسطينية هذه الأيام هو أعلى درجات الظلم .! لا أحد ينكر الحملة التي تقودها القوى المعادية للنيل من صمود الشعب الفلسطيني ، ولكن الغريب والمستهجن أن يشارك "صناع أوسلو" في هذه الحملة ، وهي مرحلة التمويه على إرادة الشعب الفلسطيني ، والعمل على تطويقها والنيل منها ، متجاهلين كل قوانين التاريخ التي تؤكد أن أبرز حقوق أي شعب من الشعوب في ظل الاحتلال هو حقه في مقاومة الاحتلال ، ولذلك فإن الإدارة الأمريكية التي ترفض حق شعب فلسطين في المقاومة أثناء مرحلة الاحتلال ، إنما ترفض كامل حقوق شعب فلسطين في حالتي السلم والحرب. فاستقالة رئيس الوزراء من عضوية اللجنة المركزية لحركة فتح "وليست رئاسة الوزارة أو اللجنة التـنفيذية" ، وما سبقها من تهديدات "كلما حك الكوز في الجرة" بالاستقالة في محاولة بائسة وسخيفة للابتـزاز والضغط على الرئيس عرفات ، وكأن الشعب الفلسطيني سيباد عن بكرة أبيه إذا استقال هذا الرجل ، والعودة عن الاستقالة بوساطة مصرية تذكرنا بالعلاقة السورية- اللبنانية .! ليست الظلم الوحيد الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني الذي يتابع مجريات هذا المسلسل الذي يفرض عليهم بين الفينة والأخرى في ظل التصعيد الدموي الإسرائيلي ضد أبنائه ، وليست المشهد العبثي الوحيد في الزمن الفلسطيني ، لكنها حلقة في مسلسل اللا معقول المعروض علينا منذ الاجتياح الإسرائيلي لمدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية في 29 مارس "آذار" من العام الماضي .!
والمشهد الآخر الذي لا تكاد تصدقه العين ، ولا أحسبه يخطر على قلب أحد من أسوياء الشعب الفلسطيني فضلا عن عقلائهم ، ذلك المشهد الذي خرج فيه "أشاوس" الأجهزة الأمنية الفلسطينية في حملة لجمع السلاح في قطاع غزة ، وما واكب هذه الحملة من تصريحات لـ"كذاب السلطة" الذي أعلن بأن حملة جمع السلاح هي مطلب شعبي ، وتأتي ضمن عملية حفظ النظام وأن فوضى السلاح يجب أن تتوقف .!
لا نريد التعقيب على تصريحات قادة الأجهزة الأمنية الذين سمحوا لـ"مغاوير" الأمن باقتحام البيوت وتفتيشها وجمع السلاح وما يترافق ذلك من إهانات واعتقالات للمواطنين ، ولا نريد أن ننكأ الجراح ونـتساءل مع الآخرين : لماذا لم نر أي أثر لهؤلاء المغاوير الأشاوس في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية اليومية لمدن قطاع غزة ومخيماته وقراه ، وما يرافق هذه الاجتياحات لأعمال قتل لعائلات بأكملها ، ونسف بيوت المدنيين على رؤوس ساكنيها ، واختطاف المواطنين من أسرتهم .؟! ، ولماذا لا تظهر بنادق الأمن الفلسطيني إلا في مواجهة أبناء شعبهم في حين تخلى المقرات ويلزم الجميع بيوتهم عند الهجوم الإسرائيلي .؟!
فللأسف الشديد فقد اختلت البوصلة عند بعض قادة هذه الأجهزة ، وكأن هناك إصرار من بعضهم على التحول إلى "لحديين" ، والدخول في مواجهة شاملة مع جماهير الشعب الفلسطيني إرضاءً للعدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية التي تمني نفسها بحرب أهلية فلسطينية ، وظهر ذلك جليـًا من خلال ممارسات بعض قادة هذه الأجهزة تجاه أبناء شعبهم في السنوات السابقة- حتى في ذروة الانتفاضة الشعبية المباركة- من إطلاق النار على طلاب الجامعات والمتظاهرين ، وحملات الاعتقال للمجاهدين والمناضلين ، وما صاحب هذه الحملات من إذلال ومهانة لقادة العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني ، ومطاردات لنشطاء وكوادر الانتفاضة وما يتخللها من إطلاق الرصاص على المارة ، واعتقال أقارب المطلوب لهذه الأجهزة حتى يتم تسليم نفسه ، وتسليم بعض خلايا المقاومة للعدو الإسرائيلي ، قد وضعتهم في خانة مشتركة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي .!
لقد كان هناك إصرار غريب من بعض قادة الأجهزة الأمنية على إتباع خطوات الاحتلال ، وأن تبقى زنازين المعتقلات والسجون التي كانت رمزًا للظلم والطغيان الإسرائيلي طوال فترة سنوات الاحتلال البغيضة ، تبقى رمزًا جديدًا لظلم الفلسطيني لأخيه الفلسطيني .!
ولكن نعود اليوم إلى "كذاب السلطة" الذي يسوق التبريرات تلو الأخرى في محاولة ممجوجة للقضاء على انتفاضة الشعب الفلسطيني سبقه إليها من وضعه في هذا المنصب لعل وعسى أن يحوز على رضى الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية لتعيينه في منصب رئيس الوزراء القادم .!
هذا الرجل كان لسبع سنوات- قبل الانتفاضة- لسان حال السلطة ، ونجم الفضائيات الأوحد الذي يكيل عبارات المديح لاتفاق أوسلو الذي جلب الخراب والدمار والقتل للشعب الفلسطيني ، ويلصق التهم جزافـًا لكل من يعارض أو يحاول أن يدلي برأيه في هذا الاتفاق المشؤوم .!
وفجأة هبط الوحي عليه ، وأصبح من أبرز وجوه- إن لم نقل من أشرس- "معارضي الساعة الأخيرة" ، بعد أن كان صاحب الحظوة حتى الأمس القريب ، فقد قدم استقالته بعد إعادة العدو الإسرائيلي احتلال للضفة الغربية في خطوة دراماتيكية لم تعرف أسبابها في ذلك الوقت ، مرددًا كالببغاوات كلامـًا أمريكيـًا- إسرائيليـًا بأن عرفات غير ديموقراطي ، وبالتالي غير مؤهل لقيادة السفينة الفلسطينية نحو الكارثة المطلوب أن تصل السفينة إليها بأسرع ما يمكن.! ومبررًا استقالته بأنه يريد إصلاح مؤسسات منظمة التحرير التي "تم تذويب دورها ، وإلغاء قدراتها ، ومصادرة عناوينها ، وحتى شخصيتها وتقاليدها وذلك لعدم قدرتـنا على فهم مشروعنا" .!
وبدأ بتوجيه رسائل للرئيس ياسر عرفات في الصحف محملا إياه القسط الأوفر من الإخفاقات التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ أوسلو ، ومنـتقدًا فيها ممارسات السلطة "التي تخلت عن أهم أحد أسلحتها وهو بناء المؤسسات القادرة على نيل ثقة الفلسطينيين" .!
واعترف في إحدى رسائله بأن "سلطة أوسلو" قد دمرت مؤسسات منظمة التحرير ، وحركة فتح ، ومؤتمراتها ، وأقاليمها ، ولجانها ، ومكاتبها الحركية ، وأنها تعاملت مع شعبها بروح وعقلية اقتسام الغنائم .!
وطالب الرئيس الفلسطيني بأن يعترف بأن فشلا مروعـًا قد حدث في زمن السلطة ، وأنه يجب على السلطة الاعتراف بخطأها الكبير في حق شعبها .! وفي ظل الدور المرسوم مسبقـًا بدأ هذا الرجل في حملة إعلامية هذه الأيام لتبرير حملة الأجهزة الأمنية في جمع السلاح الفلسطيني في محاولة منه للطلب من الشعب الفلسطيني بإنهاء ثورته الشعبية المتمثلة في انتفاضته المباركة ، ورفع شعار "حماية الذات" .!
أي بمعنى صريح وواضح أن ينجو كل فرد برأسه ، أي أن لا يقاوم أحد العدو الإسرائيلي ، وأن يضيع هذا الصمود الأسطوري الذي اقترب على ثلاث سنوات .!
بمعنى أكثر وضوحـًا أن تتحول "حماية الذات" إلى "حماية إسرائيل ذاتها" .! إن كل ما يهدف إليه هذا الرجل هو زيادة إرباكنا ، وجعلنا نخطئ في ترتيب الأولويات ، ونخطئ في البديهيات .
وتـناسى في جملة تبريراته التي تـنظر للاستسلام والانبطاح بأن المنطق التجريبي الذرائعي قد سقط بالممارسة أمام عدو صهيوني توسعي يرفض التراجع عن معتقداته التوسعية ، وأن الاستسلام له هو وحده المطروح ، وأنه لا بديل للاحتلال إلا بالقتال ، والنضال ، والجهاد .
إنه أحد قوانين التاريخ أيضـًا الذي طالما سبق وأكدنا عليه هو : أنه عندما يقع الاحتلال تسقط الشرعية الرسمية داخل الوطن وتصبح الشرعية للمقاومة وحدها ، ومقاومة الشعب الفلسطيني للمحتل كانت وستبقى حتى النصر لا تقاس بحجمها الحالي ، ولا بظروفها الحالية ، وإنما تقاس بحجمها المستقبلي وقدرتها على الاستمرار .
ومن هنا فإن الذين يقاومون الاحتلال ويرفضونه هم وحدهم المعبرون عن الشرعية الوطنية ، فهؤلاء لم يحملوا السلاح لهدف ترتيب لقاء مع "مادونا" مثلا ، وإنما حملوا السلاح لأجل قدسهم وأرضهم وشعبهم .!
وهذا يعني أنه ليس من حق طبقة أو فئة أو مجموعة لا ترفع السلاح في وجه الاحتلال والصهيونية أن تدعي تمثيل شعب فلسطين . أما الذين يتعاونون مع الاحتلال الإسرائيلي ، ويسوقون التبريرات لشعبهم لإنهاء الانتفاضة بحجة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" من حقوق الشعب الفلسطيني فإنهم ليسوا خارجين عن تمثيل الشعب فقط ، بل إن الحكم عليهم هم الحكم ذاته على الاحتلال ، وموقف المقاومة منهم هو موقفها ذاته من الاحتلال .
فليس من حق أي فلسطيني ، أو طبقة فلسطينية ، أو حركة فلسطينية ، المساومة على حقوق شعب فلسطين ، فالقرار في حقوق شعب فلسطين هو قرار الأجيال الفلسطينية السابقة التي قارعت الصهيونية منذ العشرينيات من القرن الماضي ، وهو أيضـًا قرار الأجيال الصاعدة التي لا يمكن أن يكون ميدانها الإبادة أو الضياع أو العار ، وكل واجب القيادات والأجيال الفلسطينية الحاضرة إن لم يكن حسم قضية فلسطين لمصلحة المقاومة ، فهو تسليم الأمانة للأجيال الفلسطينية المقبلة .
وإذا كان التـنازل والمساومة والتفريط تبدو وكأنها ردود فعل طبيعية في هذه المرحلة ، فإنها تبدو كذلك لأنها من طبيعة مرحلة الاحتلال ، ولا يعيب الشعب الفلسطيني أن يكون بعض متـنفذيه ضالعين في ردود الفعل هذه ، فلقد ظهرت في حالات احتلال الأوطان عبر التاريخ فئات تـنازلت وساومت وفرطت ، ولم يكن الجنرال "بيتان" أولهم ولا آخرهم في التاريخ المعاصر ، ولكن الشعوب تعود فتطلب الثمن من كل هؤلاء مهما تأخر الزمن ، ولذلك فإنه أنفع لهؤلاء أن يقرأوا التاريخ في هذا الوقت بدلا من الانشغال في تسويق الاحتلال ، فخلفهم النصر الذي حققته حركات المقاومة في التاريخ وأمامهم النصر الحتمي لمقاومة وجهاد شعب فلسطين . |