|
تاريخ القضية الفلسطينية تاريخ طويل ، يتخطى حرب 48 وقرار التقسيم عام 47 ، وثورة القسام عام 35 ، والانتفاضة الفلسطينية الحالية ، وإن كانت أطول وأعمق الانتفاضات وأكثرها تأثيرًا ، إلا أنها ليست الأولى ، ولن تكون الأخيرة ، فالطريق ما زال طويلا أمام الشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه ، وحتى لو أعلنت الدولة الفلسطينية المرتقبة التي تشير إليها خارطة الطريق ، فإن ذلك لا يعني أنها الدولة التي تلبي تطلعات الفلسطينيين ، أو أنها خاتمة نضالهم الطويل .
إن القضية الفلسطينية ليست قضية خلاف أو حتى صراع تقليدي بين دولتين ، على حدود مشتركة ، أو مصادر مياه ، كما أنها ليست حادثة نزاع إقليمي ، حول ملكية جزر ، أو منطقة صحراء أو آبار بترول ، تبحث عن تسوية ، وتـنازل من الجانبين يمكن أن يقود إلى السلام ، ولكنها قضية الصراع بين قوى الاستعمار العالمي ، وقيادته الحالية الولايات المتحدة الأمريكية ، والإرادة الوطنية والقومية في تلك المنطقة ، وحلبة الصراع هي الإرادة الحاكمة على الموقع الجغرافي ، والثروات التي تبطنها الأرض ، وليست إسرائيل في هذا الإطار سوى واجهة ، من جانب آخر لا بد من الإقرار بالحلم الصهيوني الخاص ، ونشاط اللوبي المتعاطف معه في الولايات المتحدة ، وخصوصـًا في دوائر اتخاذ القرار هناك ، والصراع في هذا الجانب صراع سياسي اقتصادي عرقي نفسي ، وهو باختصار صراع وجود وليس صراع حدود .
هاتان حقيقتان- تعبران عن الزواج اللا شرعي بين الصهيونية والإمبريالية العالمية منذ عام 1907م- لا تحتاجان إلى تأكيد ، بل تشهد عليهما كل التجارب التي خاضتها حركة النضال الوطني من أجل التحرر .
لذا يكمن الحرص الأمريكي البالغ على الأمن الإسرائيلي ، باعتباره الخط المتقدم لأمن المصالح الأمريكية بشكل خاص ، والغربية بشكل عام في هذه المنطقة من العالم ، ويضاف إلى ذلك الضغط الصهيوني ، وآثاره على مراكز القرار الأمريكي ، وبصماته المرتقبة في عملية الانتخابات .
إن كانت تلك حقائق معروفة وواضحة ، فالحقيقة الأكثر وضوحـًا أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الإمبراطورية الحاكمة في هذا العصر ، وهي واثقة أن المواجهة المسلحة المباشرة معها تعني الخسارة الحتمية للطرف الآخر ، مهما كان حجم الشراسة في المقاومة ، إلا أن التجربة أثبتت أن النصر العاجل ليس بالضرورة هو النصر النهائي ، كما أن المواجهة السياسية معها لا تحمل قدرًا محتومـًا بالهزيمة ، والدليل على ذلك أنها رغم كل وسائل الترهيب والترغيب لم تستطع أن تشكل تحالفـًا كبيرًا في عدوانها على العراق ، كما أن قاعات مجلس الأمن وأروقته شهدت سجالا عنيفـًا بين منطقها العدواني ، ومنطق معارضيها روسيا وفرنسا والصين وسوريا (وصف فاروق الشرع عدوانها بأنه سطو مسلح) الداعي للحلول الدبلوماسية .
ويمكن القول أن محاكمة قد جرت للسياسة الأمريكية وتسلطها على مرأى ومسمع من العالم كله ، وصحيح أنها قد تحدت الأمم المتحدة ومجلس الأمن ، وقبل كل ذلك الرأي العام العالمي كله الرافض لعدوانها على العراق ، وقامت بارتكاب عدوانها الذي يفتقد للشرعية ، ولكنها جريمة لن تفلت بلا عقاب ، لاسيما على المستوى الداخلي ، وتتفجر الاستجوابات الآن أمام بوش وبلير ، وتحاصرهما في البرلمان وفي أجهزة الإعلام في عقر دارهما ، كما أنها أصبحت تعاني من المشاكل في العراق ، وتجني ثمار غرورها . وحين يقف "أبو مازن" أمام بوش وشارون لكي يسمع عن رفاقه من الفصائل الفلسطينية ، الذين يتساقط منهم يوميـًا شهداء أبطال لا يهابون الموت ، وتدمر لهم بيوت ، وتخرب لهم مزارع ، إنهم حفنة من القتلة ، ولا يصدر عنه سوى طأطأة الرأس ، دون أن ينطق أو ينبس ببنت شفة ، فإنه يمزق العلاقة النضالية التي تربطه بتلك الفصائل ، ولا يمكن الظن أنها تقوية أمام بوش أو حتى شارون فكلا منهما له أجندته الخاصة ، وكلا منهما له مصالحه مع الآخر ، أما هو فليس له ظهير ولا رفيق سوى من دعاهم بوش أنهم حفنة من القتلة .
لقد كان ذلك المؤتمر في العقبة أول ظهور له ممثلا لشعبه كرئيس للوزراء ، صحيح أنه رئيس لوزراء دولة ، لم توجد بعد على الساحة الدولية ، كما أنه رئيس بالاختيار ، وليس بالانتخاب ، ولكنه في النهاية رئيس للوزراء لكيان يعد الأبرز الآن على الساحة الدولية من حيث تاريخه وحاضره النضالي ، ويعد الشعب الذي ينتمي إليه ويمثله ذروة البطولة والكرامة والعطاء في هذا العصر الذي نحياه ، إنه النموذج والمثل والقدوة ، للمعنى النبيل الذي تـنطوي عليه عبارة الفداء من أجل الوطن ، والسؤال يا سيدي هل كنت بالفعل جدير بتمثيل هذا الشعب في ذاك المؤتمر ؟
وبناء عليه هل يمكن أن تحدث معجزة وأن تكون المراهنة عليه صائبة ، أم أن الجواب يظهر من عنوانه كما يقول مثل مصري مشهور ، صدقني أن ترحاب بوش بك يثير حفيظة الكثيرين ، وتقدير شارون لك يثير تشاؤم العديدين ، يضاف إلى ذلك تصريحاتك المثيرة بتصفية عسكرة الانتفاضة تثير شكوك الأغلبية الساحقة من المتابعين ، وأيضـًا تلك السطور التي قرأتها في خطابك أمام بوش ، وتقول فيها : (لا نتجاهل عذابات اليهود على مر التاريخ وقد حان الوقت لإنهاء كل هذه المعاناة) ، من يا سيدي الذي يتعرض لأبشع أنواع المعاناة ، أصحاب الأرض أم المستوطنين المقتحمين على فوهة دبابة ؟ وهل هذه قناعاتك الحقيقية ، أم أنك كنت تغازل السيد الذي جاء بك في حضرته ؟ وأصر على استبعاد رئيسك المنتخب ، لكي ترضيه ، وتتمنى أن يساعدك في الحصول على ما تتصور أنه بعيد المنال ، من خلال المقاومة ؟ حاشا لله أن يتهمك أحد بأي اتهام شارد ، ولكن من حق البعض أن يقدر أن التعب ربما يكون قد نال من بعض القيادات ، التي قطعت ردحـًا طويلا من الزمن في خوض المعارك والمطاردة من بلد إلى بلد ، وانتظار الموت في لحظة ، بالإضافة إلى فقد الرفاق والأصدقاء ، وجثث المواطنين ، وأشلاء الأطفال ، وتجريف المزارع ، وهدم البيوت ، وكلها صور مروعة ، لا يمكن أن تكون محل جدل .
بالإضافة إلى أن العمل السياسي قد يغري بفتح المجال أمام المبادرات السلمية ، وهو مجال يمكن أن تساهم فيه الدبلوماسية الفلسطينية ، ولا يكون حكرًا على الأجانب أو الأخوة العرب ، وقد يكون ذلك صحيحـًا في مجمله ، إلا أن الثمن الفلسطيني قد تم دفعه ، ما بين الشتات وبين أوسلو ، ويكفي أن الحلم الفلسطيني قد تقزم إلى حدود عام 67 ، وتم الاعتراف بالكيان الصهيوني ، وبذلك سقطت أهم أوراق الضغط الفلسطيني ، ومن ثم لم يعد هناك مجال آخر للتـنازلات ، ثم إن إنهاء عسكرة الانتفاضة ، هو إلقاء السلاح بلا أي ضمانات ، وتعريض الوحدة الوطنية للانهيار ، وهي الطلقة الأخيرة للصمود الفلسطيني ، صدقني إن كان ثمة أمل من وجودك فهو أن يكون ما تقوم به أو تقوله نوع من توزيع الأدوار بينك وبين أبو عمار ، أما خلاف ذلك فعلينا أن ننتظر كارثة مروعة- من خلال منهجك- على أرض فلسطين ، قبل أن تغادر غير مأسوف عليك . |