|
لم يكن سوى قلة قليلة من أعضاء الحكومة العراقية وكبار المسئولين العراقيين يدركون حقيقة ما يجري وما يحاك من مؤامرات ضد العراق ، والسبب هو أنه طوال ما يقرب من عقد من الزمان ، شهدت المنطقة الكثير من الشد والجذب دون أي مؤشرات لأي فرصة تفاهم بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية حتى في اللحظات الحاسمة ، غير أن هذه الأطراف كانت في ذات الوقت تسعى جاهدة لإبقاء الوضع كما هو عليه .
ويبدو أن خطة المواجهة كانت تقتضي مثل هذا الموقف من العراق ، وعندما بدأت الأمور تتوضح وتـنكشف كان العراق يدرك أن شيئـًا ما يدبر حوله بجدية هذه المرة وقد عجل الموقف ضد العراق أيضـًا النكسة القاتلة التي تعرض لها نظام جورج بوش بما عرف بأحداث سبتمبر "أيلول" .
لو تمعن المراقب بتطورات الأحداث المتسارعة فسوف يدهش عندما يكتشف أن الرصاصة القاتلة لنظام صدام حسين تسير في طريقها إلى فوهة المدفع .. ورغم كل ما أثير حول مشاركات الجانب الأوروبي في العمليات الأمريكية وما أثير أيضـًا حول مشاركة أطراف حليفة لأمريكا خرجت واشنطن بإحصائياتها وإدعاءاتها المعهودة لتقول للعالم أنها تقاتل صدام حسين باسم سبعة وثمانين دولة .. ثم تتكشف العديد من الحقائق منها الادعاءات الخاصة بأسلحة الدمار الشامل التي قالوا أن العراق يمتلكها ، وبعد البحث الطويل خلال أكثر من شهرين بعد احتلال العراق ثبت من جديد أنه ليس هناك دليل واحد على تملك العراق لأسلحة الدمار الشامل ، وأن التقارير التي وضعتها المخابرات المركزية الأمريكية كانت مفبركة وكاذبة .
لقد تـنامت الأحداث وتصاعدت يومـًا بعد يوم وتصادف هذا مع تراكم المشاكل التي تثبت عدم وجود أي خطة جدية وفعالة لمواجهة متطلبات الاحتلال من تأمين المعيشة اليومية للشعب العراقي وإرساء الاستقرار والأمن إضافة إلى وجوب تأمين الطرق والسبل لتعجيل عمليات بناء إعادة الإعمار التي تفرضها القوانين الدولية بينما القوات الغازية تمطر المواطنين رصاصـًا وقتلا واعتقالا .. وتضيع صور عناصر المعارضة التي تبين حتى لمن لا يعرفها مدى ما وصلت إليه من ميوعة وعدم مسئولية وتـنافس غير متوازن .
إن من أهم عناصر الاستقرار ، لاسيما إذا ما كان استقرارًا بعد حروب ، هو الضمان الأمني وهذا ما فشلت في تحقيقه القوى الغازية إذ تركت البلاد مع أكبر فجوة للعديد من الضرورات الأساسية وعدم الاستقرار والأمن .
لقد دفع الشعب العراقي الكثير ثمنـًا لما اعتبره تضحية من أجل تحرير بلدهم من حكم الرئيس السابق ليجدوا أنفسهم تحت رحمة استعمار جديد في مرحلة وعصر لم يعد فيهما وجود لأي شكل من أشكال الاستعمار .
إن المتابع للأحداث التي شهدها العراق لأكثر من شهرين يدرك مدى ما وصل إليه الحال من درجة الغليان التي هي ردة فعل طبيعية ترصد للتحرك الحقيقي للشارع العراقي في موقفه ورفضه للاستعمار الجديد .. ومن هنا بدأ العراقيون بممارسة حقهم الطبيعي في حماية بلدهم وأعراضهم وأموالهم وهذه كلها ليست جديدة على المواطن العراقي الأبي فبدأت جيوب المقاومة المسلحة بالظهور كمرحلة تبدأ بها موجة من المقاومة المخطط لها كما لاحظ المراقبون مؤخرًا من خلال تعدد المواجهات والهجمات اليومية وأمام هذا الواقع لا بد من أن يجري البحث عن أدوار بدأ الحديث عنها بصوت عال بعد أن كان همسـًا حيث تـنقل تقارير متعددة عن توزيع جديد للأدوار من حيث المقاومة وأسلوبها الذي يتوجب نهجه ، ولعل من أهم نماذج هذه المقاومة عمليات تفجير أنابيب النفط والغاز الثلاثة خلال ثمانية وأربعين ساعة ليكون ذلك مؤشرًا ورسالة صريحة وقوية ومباشرة بأن النفط العراقي لن يتدفق إلى إسرائيل ، وأن القوات الأمريكية لن تجد لها مكانـًا آمنـًا في العراق .
إن شرعية المقاومة تنبع من إيمان الجماهير بعدالة قضيتهم ويشعر العراقيون أن عليهم مسئولية كبيرة في هذا الشأن ويشعرون أيضـًا أن هناك مسئولية على الدول والأقطار العربية بالدعم والتأييد ، ومن هنا يتوجب البحث عن إقامة صيغة جديدة لذلك الدعم . والتعاون المطلوب هنا لا يتوقف عند حدود الوحدة العراقية الوطنية بل يتعداها إلى الإطار الجغرافي القومي وبدون هذا الدور القومي سوف يكون من الصعب جدًا على المقاومة العراقية أن تقوم بالدور المنوط بها في طرد قوات الاحتلال من أراضيها .
إن ما حدث في العراق لاسيما بعد أن أطيح بنظام الحكم فيه بطريقة غير شرعية وأسفرت القوات الأمريكية عن وجهها القبيح بإعلانها على أنها قوات احتلال وليست قوات تحرير كما ادعت عندما غزت العراق يستوجب على الدول العربية التي سكتت وصمتت آن ذاك التصدي لهذه القوات بتقديم العون المادي والمعنوي لمقاومة القوات المستعمرة التي احتلت العراق بالرغم من التهديد والوعيد الذي تكيله الولايات المتحدة الأمريكية لدول الجوار .
إن دعم ومساعدة العراق لا يجب أن يقف عند حدود الكلام والشعارات الرنانة لأن هناك مسئولية تاريخية تحتم على الدول والشعوب العربية المساندة الفعلية لشعب العراق ولضمان كافة احتياجاته وهو يخوض المواجهة في ظروف ليست سهلة ولا هينة حيث يواجه الشعب العراقي أشرس قوات احتلال في العصر الحديث دخلت البلاد تحت شعار إزالة نظام صدام حسين وتحرير الشعب العراقي من ظلمه وطغيانه .
إن العراق وشعبه يتطلب منا جميعـًا أن نقف وقفة صدق وشرف معه ، فالتاريخ سيسجل لنا مواقفنا في هذه المرحلة الصعبة ولن تغفر الأجيال القادمة سكوت بل مساعدة بعض الدول العربية للولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق وسلب خيراته وتدنيس أرضه وكسر إرادة شعبه ، وإذا كان الأمر حذرًا أو تخوفـًا فإن الوقت قد حان ليخرج فيه الإنسان العربي من شرنقة الذل والمهانة وأن يقول لكل طامع في أرض العرب أن لا مكان لكم بيننا . |