|
في إطار التغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية لم يكن غريبًا أن يدعو الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الجمعة 9-5-2003 لإقامة منطقة تجارة حرة بين بلاده وبلدان "منطقة الشرق الأوسط"، يتم الانتهاء منها خلال عقد من الزمان.
المؤامرة الصّهيونيّة الكبرى: "منتدى دافوس-الأردن" 21-23 يونيو 2003 الهدف الأول لمنتدى دافوس-الأردن: سيطرة إسرائيل على ألإقتصاد العربي خليل العناني في إطار التغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية لم يكن غريبًا أن يدعو الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الجمعة 9-5-2003 لإقامة منطقة تجارة حرة بين بلاده وبلدان "منطقة الشرق الأوسط"، يتم الانتهاء منها خلال عقد من الزمان. وبالتوازي مع مبادرة الديمقراطية التي أطلقها وزير الخارجية كولن باول أواخر عام 2002 لإصلاح دول المنطقة سياسيا.. تأتي الطبعة الاقتصادية لهذه المبادرة كي يكتمل بذلك البناء الهندسي الأمريكي الجديد لمنطقة الشرق الأوسط، والتي أصبحت بمثابة حقل تجارب لفكرة "الإمبراطورية الأمريكية" التي أطلقها صقور التيار اليميني الأمريكي المتطرف عبر مشروع القرن الأمريكي الجديد. والسؤال المطروح: ما الأهداف الأمريكية من مبادرة التجارة الحرة؟ وهل سيكسب منها العرب أم لا؟ غير أنه قبل ذلك علينا أن نفهم مضمون المبادرة. مضمون المبادرة بدا الرئيس بوش بعد تسلمه للدكتوراه الفخرية من جامعة "ساوث كارولينا" واثقًا من نفسه وهو يعلن عن رغبته في إقامة شراكة اقتصادية مع بلدان المنطقة تتوج في النهاية بالوصول إلى "منطقة تجارة حرة كبرى" عام 2013، وتتلخص أهم بنود (شروط) هذه المبادرة -من وجهة النظر الأمريكية التي سيتم الكشف عن تفاصيلها في الأردن في شهر يونيو 2003- في الآتي: * تبني الدول العربية إجراءات عملية وإصلاحات حكومية لمحاربة الفساد والإرهاب. * حماية الملكية الفكرية، وتطوير مناخ يساعد على الاستثمار وتحرير التجارة. * توفير فرص جيدة للتعليم، وتمكين المرأة وحماية حقوق الإنسان. * تحقيق سيادة القانون. * توفير مناخ جيد للسلام بين إسرائيل والعرب.
ومن المتوقع أن يتم الوصول لهذه المنطقة الحرة عبر سلسلة من الخطوات التدريجية تبدأ بمساعدة الدول التي تجري إصلاحات (مشروطة) على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والتفاوض على معاهدات في مجالي الاستثمار والتجارة. وقد غلف بوش مبادرته بغلاف غامض لإقناع دول المنطقة بها، وذلك حين أشار إلى أن الهدف منها هو مساعدة دول الشرق الأوسط في النهوض الاقتصادي، والأخذ بيدها نحو الحرية والازدهار "الدول الشرق أوسطية تستحق أن تكون قادرة على المشاركة في الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به أجزاء أخرى من العالم". ولا تخلو المبادرة من الرائحة الصهيونية النافذة؛ حيث يشترط بوش في المبادرة أن تنعم إسرائيل بالسلام المطلوب، وتدخل في علاقات طبيعية مع جيرانها العرب كي يحل السلام في المنطقة، وإلا فلماذا لم يذكر السيد بوش أن المبادرة للدول العربية فقط، دون الإشارة إلى الشرق أوسطية التي يُفهم منها دخول إسرائيل ضمنيًا. أهداف المبادرة من القراءة الأولية لمضمون المبادرة نلاحظ أنها تنطوي علي تحقيق مجموعة من الأهداف التي تصب في النهاية في مصلحة الولايات المتحدة ومن ورائها وصيفتها إسرائيل، ويمكن تقسيم حقيقة الأهداف الأمريكية من وراء المبادرة إلى نوعين من الأهداف، كما يلي: * الأهداف الاقتصادية وأبرزها: - منافسة الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط؛ فمن المعروف أن الاتحاد الأوروبي يدخل في علاقات شراكة اقتصادية مع العديد من بلدان المنطقة، وذلك في سبيل تحقيق منطقة حرة بعد أعوام قليلة. - انتشال الاقتصاد الأمريكي من عثرته الحالية، وذلك من خلال فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأمريكية، وفتح مجالات لتدفق الاستثمارات الأمريكية لبلدان المنطقة بما قد يساهم في تنشيط الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني الكساد منذ مجيء الإدارة الحالية. - إسكات العرب وإبعاد أنظارهم عن النفط العراقي الذي استولت عليه الولايات المتحدة مع سبق الإصرار والترصد.
أما الأهداف السياسية فأهمها مكافأة العرب بعد الحرب الأمريكية على العراق، خاصة الذين ساعدوا أمريكا بشكل غير معلن، وإدماج إسرائيل في العالم العربي من خلال خلق مناخ جديد يقوم على العلاقات الاقتصادية كأساس، بعيدًا عن الخلافات السياسية التي تعوق قيام مثل هذه العلاقات. وكذلك إحياء فكرة الشرق أوسطية من جديد التي كان قد دعا لها من قبل شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي عقب اتفاقات أوسلو عام 1993، والتي تقوم على الاعتراف بإسرائيل، وإقامة سوق شرق أوسطية مشتركة (انظر تفاصيل أخرى عن الشق السياسي للمبادرة في مقال "الشرق أوسطية.. مسمار بوش في المنطقة العربية" مكاسب المبادرة لا نبالغ إذا قلنا بأن "منطقة التجارة الحرة" التي اقترحتها الإدارة الأمريكية لا تحقق أي مكاسب تذكر للاقتصادات العربية، بل تصب كلها في مصالح الجانب الأمريكي. وللتأكيد على هذا الكلام يجب التعرض لمفهوم منطقة التجارة الحرة الذي يشير إلى "إزالة كافة الحواجز والعوائق الجمركية بين دولتين أو أكثر؛ بحيث يتم تبادل السلع والخدمات دون قيود أو عراقيل"، وهي إحدى مراحل الاندماج الاقتصادي الكامل. ولكي تكون منطقة التجارة الحرة فاعلة ومفيدة للجانبين يجب أن يتوافر لها مجموعة من الشروط، أهمها أن يكون هناك تقارب في المستوى الاقتصادي بين طرفي المنطقة، وأن يكون هناك تقارب في المستوى الإنتاجي من حيث الكفاءة والجودة، فضلا عن تقارب المستوى التكنولوجي والفني بين الطرفين، وضرورة تحديد إطار زمني وخطوات تفصيلية للوصول لهذه المنطقة المرجوة. وباختبار هذه العناصر على المنطقة الأمريكية المقترحة يمكن القول بأنها لا تحتوي على أي منها، وبالتالي فهي تحمل في طياتها بذور فشلها، ويؤكد هذا ما ذكرناه سابقًا من أنها محاولة "لتنويم" العالم العربي أكثر مما هو نائم، وذلك من منطلق العوامل التالية: -
ليس هناك تكافؤ اقتصادي يذكر بين الولايات المتحدة ودول المنطقة مجتمعة أو فرادى؛ وهو ما يعني أن السلع الأمريكية ستنعم بحرية الولوج للأسواق العربية عكس نظيرتها من السلع العربية، وذلك نظرًا للفارق الكبير في مستوى الجودة والكفاءة بين الطرفين؛ وهو ما قد يترتب عليه نتيجتان، كلتاهما سلبية:
الأولى إغراق الأسواق العربية بالمنتجات الأمريكية دون رقيب أو حسيب، وهو ما قد ينجم عنه كساد المنتجات المحلية؛ نظرًا لعدم قدرتها علي منافسة نظيرتها الأمريكية، والثانية هي ضرب الصناعات العربية الناشئة في مقتل، وضياع مستقبلها في ظل المنافسة غير العادلة.
- اختلال موازين التجارة بين الولايات المتحدة من جهة والدول العربية فرادى من جهة أخرى؛ حيث تشير البيانات والإحصاءات إلى أن حاجة السلعة العربية إلى السوق الأمريكية تشكل ضعفي حاجة السلعة الأمريكية للأسواق العربية؛ وهو ما يعني عدم وجود قبول أمريكي كبير على السلع العربية؛ وهو ما يؤثر بالسلب على حجم الصادرات العربية للولايات المتحدة.
- انخفاض حجم المبادلات التجارية بين العالم العربي والولايات المتحدة بشكل عام، وهو ما أظهرته بيانات وزارة التجارة الأمريكية؛ حيث تشير إلى حدوث تراجعات مطردة في حجم المبادلات بين الطرفين، وذلك خلال الشهرين الأخيرين من عام 2002، وأدت في مجملها إلى انخفاض القيمة الإجمالية للتجارة بين الجانبين من 45.7 مليار دولار عام 2000 إلى 44.6 مليار دولار عام 2001، مسجلة تراجعا قدره 2.5% على حساب الصادرات العربية إلى حد كبير.
- عدم تنوع هيكل الصادرات العربية للسوق الأمريكية؛ حيث تتركز أغلب الصادرات العربية في النفط وبعض المواد الخام، في حين تتركز أغلب الصادرات الأمريكية في الآليات ووسائل النقل (الجوي والبري والبحري). وهو ما يشكل عقبة أمام التبادل السلعي العادل بين الطرفين.
- ارتفاع كفاءة المنتج الأمريكي أضعاف نظيره العربي؛ وهو ما يعني عدم تكافؤ الفرص بين منتجات الطرفين. خسائر المبادرة فضلا عن المحاذير السابقة يمكن القول بأن البلدان العربية قد تتعرض لعدة خسائر إذا لم تقم بدارسة هذه المبادرة (الفخ) دراسة جيدة وواعية، ولعل أهم هذه الخسائر ما يلي: -
تكبيل الاقتصادات العربية باتفاقات تجارية لا تتناسب والوضع الاقتصادي العربي الراهن، وهو ما يدركه جيدا بوش، وذلك حين أشار في خطابه يوم الجمعة 9-5-2003 إلى أن "إجمالي الناتج المحلي للعرب جميعا لا يتجاوز الناتج الإجمالي الإسباني وحده".
- ربط الاقتصادات العربية بالاقتصاد الأمريكي، وهو وإن رآه البعض جيداً فإنه في الحقيقة يعد بمثابة "السم في العسل"، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي حاليا.
- تنطوي هذه المبادرة على ما مارسه الاستعمار البريطاني في الدول العربية خاصة مصر، وذلك حين ربط الاقتصاد المصري بنظيره البريطاني دون النظر لخصوصية الاقتصاد المصري، وهو ما تحاول الولايات المتحدة عمله الآن، وكأن الزمن يعيد نفسه، ولِمَ لا وقد قامت الولايات المتحدة بتقسيم العراق إلى ثلاث ولايات على غرار الولايات العثمانية في القرنين 18 و19؟
- سوف تؤثر هذه المنطقة سلبا على اتفاقات التجارة الحرة التي عقدتها الولايات المتحدة مع كل من الأردن والمغرب، فضلا عن الاتفاقية المزمع عقدها مع مصر، وتماطل الولايات المتحدة في تنفيذها تذرعًا بعدم تحقيق الجانب المصري للالتزامات المطلوبة.
- سوف تؤثر هذه المنطقة المزمعة على اتفاقيات "منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى"، وفي الوقت نفسه على اتفاقيات "الشراكة الأوربية" مع مصر والأردن والمغرب وتونس، وفي الطريق سوريا ولبنان، فضلا عن أنها تحاول الالتفاف على منطقة التجارة الحرة العربية، وستكون على حساب التماسك الاقتصادي أو التضامن الاقتصادي العربي.
وخلاصة القول: إن المبادرة الأمريكية بشأن "إقامة منطقة تجارة حرة كبرى" مع العالم العربي ما هي إلا طعنة جديدة في خاصرة "الرجل العربي المريض"، وما خفي كان أعظم. |