|
أعلن مناحم بيجن في أكثر من مناسبة ندمه الشديد على توقيع معاهدة الصلح مع مصر، وله الحق في ذلك باعتبار الطبيعة العدوانية التي قامت عليها الدولة الصهيونية، وباعتبار أن أية معاهدة تعد قيدا على رسغ الدولة التي ظلت لأكثر من نصف قرن تتطلع خارج حدودها، رغم أن الدولة الصهيونية لديها مبررات جاهزة لخرق أية اتفاقية أو معاهدة بل ولديها القدرة على إلباس مثل هذا الخرق ثوبا من الشرعية، وهو المبدأ الذي تبنته الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا في غزو العراق.
لذا دأبت إسرائيل على اختبار النوايا المصرية تارة بإجراء مناورات بحرية في المثلث المائي جنوب إيلات الواقع ضمن السيادة الإقليمية المصرية، وتارة بتجاوز الحدود أو إطلاق النار على مواطنين مصريين داخل الحدود المصرية. كل هذه تعتبر من قبيل الإجراءات الاستفزازية التي قابلتها الحكومة المصرية بتحذيرات متعقلة وروية شديدة جعلت القيادة الصهيونية تعتذر في بعض الأحيان، ولكن ما فائدة الإعتذار إذا كان الخطأ عمدا والإعتذار نفسه معد سلفا.
ولكن أكثر هذه الأعمال استفزازا لمشاعر مصر والمصريين ما أعلنته إسرائيل مرارا من أنها تدرس، أو درست بالفعل، مشروع إنشاء قناة توصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط مروراً بصحراء النقب. ورغم إعلانها مرارا أن القناة المزمع إنشائها ستكون لأغراض سياحية ولن تكون منافسا لقناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري، فإن الفكرة قوبلت برفض قاطع من كافة الدوائر المصرية الحكومية والشعبية، ليس فقط لكونها منافسا لقناة السويس ولكن لأنها تخترق أرضا مصرية بشهادة التاريخ، فمدينة عسقلان (إيلات حاليا) مصرية وصحراء النقب صحراء مصرية من أيام الفراعنة. والأمر في كل الأحوال اختبار جدي لردود الفعل المصرية على اختراقات إسرائيل لمعاهدة السلام والقانون الدولي الذي يسمح لمصر بإغلاق مضايق تيران، التي تقع بالكامل في مياهها الإقليمية، إذا استحدثت إسرائيل أية تغييرات من شأنها الإضرار بالمصالح المصرية، الأمر الذي يعني العودة إلى ما قبل يونيو 1967م.
تراجعت إسرائيل عن الفكرة مؤقتا، أو قل استدارت للبحث عن بديل للتنغيص على مصر كما تعودت، ولم تجد أنسب من إلباس المشروع ثوبا عربيا جديدا تكون الغاية فيه غاية عربية سامية حتى تقطع على مصر طريق الرفض، فأشارت على المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة بأهمية طرح مشروع شق قناة تصل بين البحر الأحمر والبحر الميت على المنتدى الإقتصادي العالمي الذي استضافته الأردن في غور البحر الميت.
قامت المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة بالفعل بطرح مشروع إنشاء قناة يطلق عليها اسم "قناة البحرين" بطول 180 كيلو متر بدعوى إنقاذ البحر الميت من الاندثار والاختفاء من جغرافية المنطقة بحلول عام 2050 لعدم تجدد مياهه، وبهذا الوصف تصبح القناة الجديدة أولا عربية وثانيا لا تضر بمصالح مصر بل تجلب منفعة على دولة عربية وشعب عربي شقيق. وتأكيدا لهذا المعنى فإن نفس المصدر صرح بأن طرح المشروع تم بحضور الأطراف ذات العلاقة وهي اسرائيل والفلسطينيين والولايات المتحدة الأمريكية، وطبعا تم إدراج الفلسطينيين "كمحلل" لهذا الزواج الذي تفوح منه رائحة الخيانة في فراش الزوجية (الأمريكية الإسرائيلية) مستغلين مساحة التسامح التي بلغت حدا كبيرا من التفريط من حكومة أبو مازن، لأن نفس المشروع كان قد قوبل برفض شديد من المجموعة العربية عندما عرض على قمة الأرض التي عقدت في جوهانسبرج العام الماضي، وكان الجانب الفلسطيني أكثر المتشددين الرافضين لمجرد طرح فكرة المشروع باعتباره مكافأة عربية لإسرائيل، ولا أدري إذا كانت إسرائيل قد أثبتت خلال تلك السنة حسن نواياها تجاه أبناء الشعب الفلسطيني فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه في البئر الذي ينضح بالدماء العربية التي أريقت على مدار أكثر من نصف قرن ثم قرر مباركة المشروع.
الوجه الآخر للحقيقة أن أحزاب المعارضة الأردنية لها موقف شريف من هذه القضية يكشف مدى افتعال إسرائيل لعملية "تمويت" البحر الميت، فقد أعلنت أحزاب المعارضة الأردنية أن السبب في تناقص مياه البحر الميت هو الاستعمال الإسرائيلي السفيه لمياه البحر في أغراض صناعية بعضها عدو للبيئة وبعضها غير مشروع فضلا عن حجزها لمياه بعض الأنهار الصغيرة التي كانت تصب في البحر الميت.
لقد تجاهل المشروع عمدا أطرافا أساسية لها علاقة بالمشروع أهمها مصر التي تملك حق إغلاق المضايق التي تقع في مياههما الإقليمية إذا استحدثت مشاريع أو تغييرات تضر بمصالحها، وأن إسرائيل والفلسطينيين ليسا أصحاب علاقة مباشرة بالمشروع إلا إذا كانت "قناة البحرين" كما أطلقوا عليها مجرد مرحلة أولى للمشروع الإسرائيلي الذي رفضته مصر من قبل عند طرح فكرة إنشاء قناة تربط البحرين الأحمر والمتوسط توازي قناة السويس مرورا بصحراء النقب، وأن المرحلة الثانية تمثل التفافا على الفكرة لتنفيذ ذلك المشروع الإسرائيلي المشبوه في سرية وتكتم بعد إلباسه ثوبا وعقالا عربيين ووضع الشقيقتين مصر والأردن في مواجهة بعضهما، بحفر قناة ثانية في مرحلة تالية من البحر الميت إلى البحر المتوسط كبديل تآمري لقناة السويس، وعندها لن تستطيع مصر الوقوف في وجه المشروع لأنها بالفعل ليست معنية.
فإذا كانت الرغبة الإسرائيلية صادقة في إحياء البحر الميت فلماذا لا تكون بحفر قناة تصل البحر الميت بالبحر المتوسط؟ وإذا كانت المرحلة الثانية من المشروع الإسرائيلي تدور بسرية تامة في فراش الزوجية الإسرائيلي الأمريكي المشبوه مع الزج بالمصالح الأردنية للإيقاع بين الشقيقتين، فلماذا لا نطلق على قناة المرحلة الثانية التي تدرس بتكتم شديد وتقع بالكامل داخل أراض تحت السيطرة الإسرائيلية إسم "قناة فالوب". |