|
ترددت كثيرا قبل أم أمسك بتلابيب قلمي وقبل أن أدفعه دفعا لاختيار أحد المواضيع الساخنة ليدلي برأيي أو برأيه أمام قراء الحقائق بعد أن تغيبنا معا، أنا وقلمي، عن الساحة لمدة زادت على الشهر بقليل لظروف قهرية بدأت بحادث سير كاد يودي بحياتي، وكانت أقل الخسائر ضياع نظارتي التي أتوكأ عليها وأهش بها على قلمي بخلاف السيارة التي تلفت تماما والرضوض والجروح والخدوش التي وسمت كل تضاريس جسمي بمرتفعاته ومنخفضاته، وأشكر الله تعالى على لطفه بي وأشكر أسرة الحقائق على متابعتها لي أثناء الحادث وبعده، رغم أن سعادة "مدير التحرير" تصور نفسه في "حرب التحرير" فطلب الإطلاع على مقالي بعد الحادث بيومين.
وكاد القلم يعصاني عند المفاضلة بين الموضوعات الساخنة التي طرحت نفسها على ساحة الأحداث خلال الشهر المنصرم ابتداء بقمة شرم الشيخ الى قمة العقبة الى خريطة الطريق الى تصريحات أبو مازن "العنترية" الى تصريحات شارون "الارتدادية" الى محاولة اغتيال الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي وانتهاء بعقرب الصحراء.
وقد توصلت مع قلمي الى حل وسط، أو قل الى حل جذري، في نهاية مشوار طويل من الجدل العقيم، فقد اكتشفنا معا أن هذه الأحداث ليست موضوعات مختلفة وإنما موضوع واحد تشعبت منه أطراف متعددة، منها الرأس ومنها الذيل ومنها الأيدي والأقدام، وبعد أن أوصلنا النقاش الى خلاف حاد، وجدت نفسي وقلمي متفقين تماما على وحدة الموضوع، وأنني كلما أجبرت قلمي على تلوين أحد الموضوعات بمداده الأخضر أخذني خلسة وانسل الى موضوع آخر، من هنا رأيت أن أستهدف الرأس وانطلق بعدها الى باقي الأعضاء رغم أن المتنبي حاول قلب هذه الحقيقة ذات مرة في مديحه لسيف الدولة عندما قال خير أعضائنا الرؤوس ولكن فضلتها بقصدك الأقدام، ولكن هل هناك من رجال عصرنا من توازي هامته ركبتي سيف الدولة حتى نقلب الحقيقة من أجله؟
رأس الأمر أن أصحاب المبادىء فينا لن يتفقوا مع وجود إسرائيل على أية بقعة من أرض فلسطين، وأننا نؤمن كعرب، مسلمين ومسيحيين، يمينيين ويساريين، شرقيين وغربيين، أن الوجود الإسرائيلي على الأرض المقدسة سوف يبقى وصمة عار في وجه هذا الجيل الذي قبل التفريط والتسويف والمماحكة والتزلف واستجداء فضلات الحل السلمي من موائد أوسلو ومدريد وشرم الشيخ، الجيل الذي رضي بالتنطع على عتبات قمة العقبة أو "عقبة القمة"، الجيل الذي وقف في انتظار أبو مازن كي ينضو عن نفسه ثوب حامد قرضاي، ذلك الثوب الذي وصفته وسائل الإعلام الغربية، بعيد إجلاسه على كرسي حكم أفغاني مستدق الطرف، أنه أجمل ثوب في العالم وأن قرضاي أشيك رجل في العالم، الجيل الذي اكتفى بالعزف المنفرد على أوتار شجب واستنكار الطلعات اليومية لطائرات الأباتشي واستهداف رموز المقاومة الفلسطينية.
رأس الأمر أن أمريكا واسرائيل تعلمان تماما أن حياة أصحاب المباديء تعني نهاية إسرائيل، وأن كافة فصائل المقاومة تؤمن تماما أن وجود إسرائيل غير شرعي، واسرائيل تدرك ذلك جيدا، لذا فإنها بعد التوقيع على أية معاهدة للصلح أو للسلم تقوم بحملة عسكرية على بعض فصائل المقاومة، وتقوم من حين لآخر بطرح بعض أنصاف الحلول كالحل السلمي والأرض مقابل السلام وحق الدولتين في العيش جنبا الى جنب وكلها مجرد استهداف لتمييع المواقف واسترضاء أنصاف الرجال أو أشباه الرجال.
فأنصاف الحلول غالبا ما تستهوي أنصاف الرجال، أما أصحاب المباديء فإنهم يعلمون علم اليقين أن المباديء لا تتجزأ، من هنا نصل الى أن القضايا والجزئيات الناتجة عن القضية الأصلية ليست سوى تشعبات لقطع الطريق على أصحاب المباديء من الموت دفاعا عن قضيتهم الأصلية بدليل أن الدكتور الرنتيسي قال الحمد لله بعد نجاته، ولو فارقت روحه جسده لقال أهله أيضا الحمد لله لأنه يموت في سبيل مبادئه.
لذا فإن أي اتفاق، والكلام موجه لأبو مازن بصفة خاصة، لن تحترمه اسرائيل لأنها تعلم أننا نؤمن بعدم شرعية وجودها، فاهدأ يا دولة رئيس الوزراء ولا يغرينك ببني قومك هذا الخصي الذي كلما تحسس موضع إصابته في حرب أكتوبر 1973 والتي أعجزته عن أهم واجبات الرجال، أدرك أنه أمام أمة من الخصيان عجز رجالها أن يكونوا مثل الرجال إلا في قص الشعر وإرسال الشوارب، وأن موظف السجل المدني خان الأمانة وسجل في خانة الجنس في شهادة ميلاد كل منهم "ذكر" لمجرد الشبه وحتى يضمن كل منهم عند توزيع الميراث مثل حظ الأنثيين.
واعلم، دولة الرئيس، أن مدة صلاحية أي رئيس وزراء فلسطيني في عرف أمريكا تنتهي بعد سنتين غالبا مثل كثير من المواد الغذائية والمعلبات غير الطازجة، أي في منتصف عام 2005م، وليتها تكتمل، فبلدية البيت الأبيض تقوم من وقت لآخر بمسح شامل للأسواق وفحص كل البضائع التي على الأرفف ومن ثم التخلص منها بمجرد وجود البديل بدعوى سوء التخزين، وبعدها تقوم بالبحث عن وجه جديد يحمل نفس الاسم ويقوم بنفس الدور بعد أن أجهدت عوامل الزمن وجه البطل القديم في مسلسل لا ينتهي.
لقد تعجبت كثيرا عندما سمعت إدانة أبو مازن للعمليات الاستشهادية الفلسطينية ووصفه إياها بالإرهابية مخالفا أبسط مبادئ مقاومة الاحتلال التي جعلته الآن أبو مازن وإلا لكان إسمه الآن أبو "ما أظن"، وتصورت أن بوش سوف يرقيه بعدها ليصبح رئيسا لوزراء إسرائيل، وعندما سمعته يدين محاولة اغتيال الرنتيسي برقة ونعومة ظننته موظفا في البيت الأبيض.
خلاصة القول إن إثارة شارون لموضوع التمسك بيهودية الدولة ورفض عودة اللاجئين والتمسك بالقدس عاصمة للدولة اليهودية ليست سوى مجرد "لغوصة" لتعكير الماء حتى لا يرى أنصاف الرجال بدا من قبول أنصاف الحلول، أما أصحاب المبادئ فلا يرون بدا من مقاومة الاحتلال وإعادة الحق المغتصب "كاملا" إن لم يكن اليوم فغدا، المهم الثبات على المبدأ والكف عن الركض وراء أنصاف الحلول. |