|
في الأمس القريب جلس الرئيس المصري أنور السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن في مدينة الإسماعيلية يتباحثان استكمال مسيرة السلام وتـنفيذ إسرائيل ما تم الاتفاق عليه في كامب ديفيد ، وخرج السادات من الاجتماع بانطباع متفائل فأضفى على رئيس الوزراء الإسرائيلي لقب "صديقي بيجن" لكن كان بيجن يدخر للسادات مفاجأة من العيار الثقيل ، ففي اليوم التالي للاجتماع ضمت إسرائيل القدس لسيادتها ، واستشاط السادات غضبـًا فقد أوقعه بيجن في حرج شديد مع الزعماء العرب والمعارضة في الداخل .
وأذكر أن صحيفة الشعب ، التي كنت ضمن فريقها ، أفردت عددًا كاملا شديد اللهجة في نقده للرئيس المصري ووصفه لرئيس الوزراء الوزراء بـ"صديقي بيجن" .
فقد أراد بيجن أن يعطي انطباعـًا بأن اتفاقـًا قد تم مع السادات على ضم القدس لذلك كانت ثورة السادات عارمة ، واستدعى السفير الإسرائيلي وأبلغه احتجاجه الشديد على هذه الوقاحة الإسرائيلية .
وتساءل : كيف يكون بيجن بالأمس مع السلام ، واليوم يأخذ قرارًا بالحرب ؟! والبارحة .. يتكرر نفس المشهد ونفس المعنى ، وكأن التاريخ يعيد نفسه بنفس السيناريو ، فأثناء اجتماع رئيس المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس لمحاولة استئناف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني بعد رفض المقاومة الإسلامية إلقاء السلاح أو التخلي عن المقاومة المسلحة ، قامت الطائرات الإسرائيلية بضرب صاروخي لسيارة الزعيم الإسلامي بحماس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ، لكنه نجا بسلام من محاولة الاغتيال ، واشتعل الموقف من جديد .. واستطاع شارون أن يفسد على عمر سليمان محاولته لاستئناف الحوار بين الفصائل الفلسطينية بل وأد محاولته ، وكل ما استطاعه سليمان هو استمرار حكومة "أبو مازن" وانـتشالها من الفشل .
هكذا تلجأ إسرائيل إلى حرق من يتعامل معها وخصوصـًا من يجبرها ، بفعل الضغوط الدولية ، على التوقيع على اتفاقيات تلزمها بانسحاب من الأراضي التي احتلتها وتقترف أعمالا من شأنها إحراج من وقع معها اتفاقـًا ، فكما تفعل الآن مع "أبو مازن" من حرقه وإضعافه بين شعبه بإشعال الموقف وتأزيمه والوصول إلى التهديد بقتل شارون ، ردت إسرائيل بالتهديد بقتل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس بل وسحق حماس بالكامل ، كما فعلت أيضـًا مع السادات من قبل لدرجة كانت تساوره الشكوك في أواخر حياته وقبل ستة أشهر على انسحاب إسرائيل من الجزء المتبقي من سيناء من افتعال إسرائيل أزمة حتى لا تـنسحب وتبرر عدم انسحابها بعد انزواء هذه الأزمة ، لكن الموت كان سباقـًا وخطف السادات قبل أن تفتعل إسرائيل أزماتها ، فالسياسة الإسرائيلية قديمة في افتعال الأزمات حتى لا تفي بالتـزاماتها وتعهداتها .
ورغم ذلك انزلقت حماس مع ما تريده إسرائيل وردت بعنف على محاولة اغتيال إحدى قياداتها وقامت بعملية داخل الأراضي المحتلة وطالبت برأس شارون نفسه .
والآن أصبح مصير "خريطة الطريق" ملبدًا بالغيوم ، وكل المحاولات والجهود التي بذلت من أجل إنجاحها يبدو أنها ستذهب سدى بعد التوتر الناشب الآن ، وأي حديث حاليـًا عن مستقبل خريطة الطريق هو حديث في الوقت غير المناسب حيث لا يصح أن يكون الحديث عنها والأجواء مشحونة بشكل غير مسبوق ، ولغة التهديد تستخدم لأول مرة بشكل علني لقتل شارون وسحق حماس بالكامل في الخطاب السياسي لكلا الطرفين .
لكن يجب ألا نصمت عن امتلاك حماس حق الرفض لإلقاء السلاح وإعطاء سلطة أبو مازن فرصتها الحقيقية لتـنفيذ مشروعها بوضع الدبلوماسية في المقدمة بعيدًا عن أصوات الرصاص والتفجيرات .. وأتفق مع ما قاله أبو مازن في اجتماع المجلس المركزي الذي عقد لمناقشة اتفاق غزة- أريحا أولا في أكتوبر 1993م بتونس : "إن ما تم التوصل إليه يحمل في بطنه دولة أو تكريس الاحتلال ، وهذا يتوقف على أسلوبنا في التعامل معه ، عقل الثورة غير عقل الدولة ، علينا أن نلبس ثوبـًا جديدًا" !!
السلطة الفلسطينية اختارت عقلية إدارة الدولة من أجل تكوينها من بين أنياب الاحتلال ، واختارت المقاومة المسلحة أن تستمر في طريقها المسلح لإزالة الاحتلال لكنها في النهاية كرست الاحتلال وأعطت السلطات الاحتلال المبرر للإجهاز على كل ما قامت ببنائه السلطة الفلسطينية والتواجد المتواصل في المناطق التي كانت تسيطر عليها السلطة .
"اتفاق أوسلو" أجهض قبل أن يكتمل نموه بعد أن رفضت المقاومة المضي قدمـًا مع السلطة في بناء كيان الدولة وإن كان ناقصـًا اليوم .. فغدًا يمكن استكماله ..
لكن أن تستعاد أرض فلسطين بالكامل "حتة واحدة" في ظل الظروف والواقع الفعلي فهذا أمر صعب المنال الآن ، ومع هذا الجيل العربي الذي يخرج من فشل إلى فشل حتى أضحى الإحباط ملازمـًا له أينما ذهب .
والآن "خريطة الطريق" سيكون مصيرها ومآلها نفس مصير اتفاق أوسلو .. وأن طريق المفاوضات والحل السياسي انسدت معه كل السبل .. طالما ترى منظمتا حماس والجهاد أن حقهما في المقاومة والرهان على الحل العسكري هو الخيار الوحيد لإجبار الاحتلال على مغادرة فلسطين ، ولكن المقاومة في نفس الوقت ليس من حقها أن تسلب حق الفلسطينيين في السلام ، حتى لو كانت فرصة السلام ليست في مستوى طموح الفلسطينيين .
فعلينا الاتعاظ من التاريخ وتجاربه منذ عام 1948م حتى اليوم فالفرص تضيع وتتضاءل رويدًا رويدًا حتى أصبحت الآن "وطنـًا مؤقتـًا" وليس من حقها أن تشارك في وأد التجربة الجديدة والاتفاق الوليد مع سلطات الاحتلال التي تحاول الهروب من التـزاماتها .. وتقف في وجه السلطة والحكومة من العمل والإنجاز على أرض الواقع .
وقد أعلنت حماس منذ أول لحظة من الاتفاق أنها ستفشله وتئده لأنه ليس في مستوى طموحاتها وطموح الشعب الفلسطيني .
وليس من حقها- أيضـًا الرهان على الحل العسكري الذي لم يردع إسرائيل حتى الآن ، وهي التي تملك من القوة العسكرية التي جعلتها في الرتيب الثالث عالميـًا .
كما أن أجساد الشهداء لم توجع إسرائيل بالشكل الكافي والمؤثر ، صحيح أن أي حركة تحرير لا بد لها من مقاومة واستبسال ، لكن لا بد أن يتلازم معها عمل سياسي يعطي للمقاومة مكاسب على الأرض .
إن الإحباط والبؤس يعمان الشعب الفلسطيني في الداخل ويجب ألا تستغل المقاومة ذلك فإقناعهم أنها الطريق الوحيد لاستعادة أرضهم وحريتهم . إن مهمة أبو مازن ليست في إقناع قوات الاحتلال بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة بل إنها مهمة مضاعفة في إقناع قادة الفصائل الفلسطينية بإلقاء السلاح حتى يتسنى إقامة الدولة ووضع اللبنة الأولى في بنائها ، وحتى تتحقق هذه المهمة الشاقة والصعبة جدًا سنظل نعيش أنشودتين :
أنشودة الشاعر اليهودي ديفيد سمعوني عام 1928م التي تحولت إلى أغنية شعبية : "رغم كل شيء سنبقى متمسكين بأرض إسرائيل ما دام يصرخ في العالم صوت يهودي وينبض فيه قلب يهودي" . وبين أنشودة نزار قباني 1967م التي تحولت لأغنية شهيرة : "القدس لنا والأقصى لنا عيوننا إليك ترحل كل يوم" . |