|
لم يكف الولايات المتحدة أنها لم تعد تلعب دور الوسيط-النزيه- بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي للعودة إلي طاولة المحادثات المطوية منذ أكثر من عامين، وذلك علي غرار ما قد يكون قد فهمه البعض عشية انتهاء قمة العقبة، بل علي العكس من ذلك تقوم الآن بالإنابة عن شارون ونفره بالضغط علي حركات المقاومة الفلسطينية خاصة حركتي "حماس" و"الجهاد" من أجل التخلص منها باعتبارها منظمات إرهابية تعوق عملية السلام وتنسف جهود استئناف المفاوضات الثنائية.
وواقع الأمر فإن الضغط الأمريكي علي الفلسطينيين لم يعد خفياً، بل وازدادت حدته مع وصول الإدارة الحالية لسدة الحكم في البيت الأبيض، وقدوم السيد بوش الذي آثر عدم الانخراط في قضية وصفها له البعض بأنها قضية خاسرة أمريكيا منذ البداية.
ولذا فقد بدا الضغط الأمريكي جلياً مع اختراع ما أطلقوا عليه "خارطة الطريق" والتي تنتصب في الأساس علي وأد المقاومة الفلسطينية بجميع أنواعها وأطيافها، وهم قد استبقوا ذلك بعزل الرئيس عرفات وتكبيله باعتباره حجر عثرة أمام جهود السلام مع الإسرائيليين.
وبدأ الرهان الأمريكي ومن خلفه الإسرائيلي علي أبو مازن وصحبه وعلي رأسهم محمد دحلان -البراجماتي- ولكن يبدو أن رهانهم لم يكن في محله، فلا أبو مازن استطاع إقناع المقاومة بالتوقف والحياد، ولا أفلح دحلان في تجريد أسلحة حركات المقاومة ولو بإغداق الأموال الأمريكية عليهك.
وقد أخطأ أبو مازن مرتين الأولي حين وافق – ضمناً- علي الاشتراطات الشارونية علي خارطة الطريق رغم جحافتها وأنكارها لأبسط الحقوق الفلسطينية، والمرة الثانية حين ظن أن الولايات المتحدة بحديثها المعسول حول الدولة الفلسطينية، سوف تلتزم بإقناع الإسرائيليين بوقف التدمير والقتل والتخريب والالتزام بالخارطة علي أسوأ الافتراضات. وتبدو الولايات المتحدة جادة في سعيها نحوعزل حركات المقاومة الفلسطينية عن مصادر دعمها المادي والمعنوي، وهو ما قد يتم من خلال عدة محاور أولها وقف الدعم المادي الخارجي الذي يتدفق لحركات المقاومة من خارج الحدود الفلسطينية خاصة من بعض المنظمات الخيرية الموجودة بالولايات المتحدة تحت دعوي أنها-حركات المقاومة- منظمات إرهابية مما يستوجب معه وقف أي تحويلات مالية مباشرة أو غير مباشرة لهذه الحركات. وثانيها الضغط الأمريكي الجاد علي مختلف الأطراف التي قد تدعم هذه الحركات بدءاً من إيران وانتهاء بالسودان، وهو ما وضح جلياً من خلال غلق القناتين السورية والإيرانية ووقف التأييد المعنوي الذي توفره مظلتيهما لحركات المقاومة وأوضحته زيارة كولن باول الأخيرة لسوريا فضلاً عن التحذيرات الأمريكية شديدة اللهجة التي تلقتها دمشق بضرورة وقف دعمها لحركات المقاومة الفلسطينية.
وثالث هذه المحاور يتم من خلال محاولة عزل حركات المقاومة إقليمياً من خلال إظهارها بمظهر الرافض لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما قد يجردها من الدعم الشعبي العربي الذي تحصده منذ اندلاع الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى" قبل أكثر من عامين ونصف.
ولكن ما الذي دفع الولايات المتحدة للضغط علي حركات المقاومة -خاصة حركة حماس- والقيام بالدور الإسرائيلي في تكسير عظام هذه الحركات بهذه الجرأة غير المسبوقة؟ يمكن انتزاع الإجابة علي هذا التساؤل من بين سطور البيان الذي ألقاه أبو مازن في قمة العقبة والذي اعترف فيه ضمناً بأن ما تقوم به حركات المقاومة الفلسطينية لا يختلف كثيرا عن الأفعال الإرهابية وهو ما يتوجب التصدي له لإكمال مسيرة الخارطة المشئومة. وهو ما فهمته واشنطن وتل أبيب –ولهما الحق في ذلك- علي أنه الضوء الأخضر لتصفية عناصر المقاومة الفلسطينية. ولذا لم تنتظر إسرائيل حتي يقوم أبو مازن بالحوار مع حماس وغيرها من حركات المقاومة ولم تتورع لأي إجراء فلسطيني قد يفضي إلي تهدئة الأوضاع، بل آثرت أن تقوم بهذه المهمة بنفسها وبادرت بمحاولة اغتيال فاشلة للرنتيسي، وهو مؤشر خطير في العلاقة بين الطرفين وذلك باعتبار الرنتيسي من كوادر الصف الأول في حركة حماس وهو ما ينقل المواجهة بين كلا الطرفين (حماس وإسرائيل) إلي مستويات أكثر دموية، وهو ما أكدته عملية حماس في اليوم التالي مباشرة علي محاولة الاغتيال، بل وهددت بأن يدها ستطول كل إسرائيلي بدءاً من شارون ذاته وانتهاء بأي شخص أخر قد تسول له نفسه النيل من المقاومة الفلسطينية، وهو ما يعني الرجوع إلي المربع الأول والنقطة صفر في المعادلة الأزلية بين الطرفين، وهو الصراع حول أحقية الوجود.
وإذا كانت واشنطن تنظر لعمليات حركات المقاومة الفلسطينية بمختلف أطيافها علي أنها أفعال إرهابية ضد اليهود "الأبرياء"، وتضع نتيجة لذلك حركتي حماس والجهاد علي رأس قائمة المنظمات الإرهابية العالمية، فإنها قد نجحت أيضا ومعها تل أبيب في إصباغ هذه الصفة علي تلك الحركات مستندة في ذلك إلي خطاب أبو مازن سابق الذكر، كما أن الرأي العام العالمي بات مهيئاً للاقتناع بهذه النظرة الأمريكية الإسرائيلية لحركات المقاومة الفلسطينية.
وبذلك تكون تل أبيب قد كسبت مرتين الأول حين جعلت مجرد انتزاع الموافقة علي "قاطعة الطريق" أمل يهفو إليه أبو مازن وغيره من المنتفعين من عملية السلام المخدر، ولما لا توافق إسرائيل علي الخارطة وقد أعطتها الحق في ملاحقة قيادات حركات المقاومة باعتبارها المعوق الرئيسي لتنفيذ الخارطة. والمرة الثانية حين جعلت أبو مازن يقر بعدم مشروعية المقاومة الفلسطينية وهو ما يعني ضمناً أن يتولي شارون وفرقته العسكرية مهمة القضاء علي مختلف أشكال المقاومة، بل وأعطي إسرائيل فرصة ذهبية لتشويه سمعة حركات المقاومة باعتبارها ترفض كل يد تمدها تل أبيب للسلام، وهو ما قد يوقف معه الدعم المعنوي عن المقاومة الفلسطينية بشكل عام.
ويبدو أن الولايات المتحدة لديها حساسية تجاه كل ما هو إسلامي فهي تنظر لحركتي حماس والجهاد الإسلامي تحديداً باعتبارهما حجر الزاوية في حالات الاستياء العربي من التصرفات والأفعال الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، وهو ما يشوه صورة الولايات المتحدة في المنطقة خاصة بعد احتلال العراق، بل وتبدو واشنطن علي يقين من أن هاتين الحركتين هما المعوق الحقيقي لأي تسوية قد تتم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس أدل علي ذلك من التصريح الذي أدلي بي آري فليشر المتحدث باسم البيت الأبيض وذلك حين أشار صراحة إلي أن (القضية هي حماس.. الإرهابيون هم أعضاء حماس) علي حد وصفه.
ولذا فإن واشنطن ترغب في إزالة هاتين الحركتين من الوجود وتصفيتهما كلياً عبر مختلف الطرق والوسائل، ولا تجد غضاضة في أن يتم ذلك عبر أياد فلسطينية كما هو الحال في إيعازها لحكومة أبو مازن للقيام بذلك عبر السيف الدحلاني.
ويبدو الأمر وأنه تمثيلية محبكة الخيوط استطاعت تل أبيب وواشنطن إقناع أبو مازن بها، حيث تخيل هذا الأخير أن التخلص من حركات المقاومة هو الضمانة الوحيدة لقيام "الدويلة" الفلسطينية وأنه جواز المرور نحو حل قضية الشرق الأوسط الأزلية وهو ما قد يحمل في طياته مجداً شخصياً لأبو مازن لم يستطع أن يحققه نيسلون مانديلا ذاته في صراعه ضد البيض في جنوب أفريقيا.
ولذا لم يكن مستغرباً أن تصر الولايات المتحدة علي وضع شرط وقف العمليات الفلسطينية ضد الإسرائيليين في ديباجة خريطة الطريق وذلك تحت مسمي تحقيق الأمن لهم، وماذا عن أمن الفلسطينيين؟ ولم يكن مستغرباً أن تتبني حكومة واشنطن تعديلات تل أبيب علي الخارطة وتعتبرها مشروعة في ظل عمليات القتل المستمرة للإسرائيليين وفق المنظور الأمريكي.
وخلاصة القول فإن الضغط الأمريكي علي الفلسطينيين سوف يتزايد من الآن فصاعداً وسوف تنوب واشنطن عن تل أبيب في بتر أيدي حركات المقاومة الفلسطينية، والعمل علي تصفيتها بشكل أو بأخر، وغير مستبعد أن يتم هذا صراحة ودون مواربة، ما دامت هذه الحركات تعمل مكشوفة ومن دون غطاء عربي أو حتي حكومي داخلي يقيها شر الضربات الأمريكية، ولله الأمر من قبل ومن بعد. |