|
"خارطة الطريق" .. قبول إسرائيلي شكلي، وفخ كبير للإيقاع بالفلسطينيين
هل قبلت إسرائيل –حقاً- بخطة "خارطة الطريق"، رغم عنادها السافر ورفضها الواضح الذي بقي شاخصاً حتى أياماً قليلة خلت؟! وهل سيعتري المشهد الفلسطيني-الإسرائيلي تغيّرات أساسية، تطوي صفحة الوضع الراهن وتؤسس لمرحلة جديدة أكثر أمناً وهدوءاً واستقراراً كما يزعم البعض؟! وهل تنسجم "خارطة الطريق" مع مشروع شارون السياسي ورؤياه المستقبلية؟!
تساؤلات هامة، وبالغة الخطورة، تتصدر فكرنا واهتماماتنا وتحليلاتنا بين يدي الموافقة الإسرائيلية الرسمية على "خارطة الطريق"، المشروطة بإلغاء حق العودة، والتي أعقبت التزام الأمريكيين بقبول معظم التعديلات الإسرائيلية وتنزيلها عملياً حال التطبيق. ومع ذلك، يبدو القبول الإسرائيلي بخارطة الطريق شكلياً، سطحياً، لا يعبر بحال عن حقيقة التعاطي مع الإسرائيلي إزاء الشأن الفلسطيني، وطبيعة المشروع السياسي المستقبلي المعتمل في ذهن شارون الذي يقود دفة الحياة السياسية داخل إسرائيل.
أسباب الاعتراض الإسرائيلي
تتنوع أسباب الصدود والاعتراض الإسرائيلي لخارطة الطريق، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أولاً : رفض تجميد الاستيطان:
لا ريب أن التنصل من" خارطة الطريق" وإحباطها يعفي شارون من أية متاعب نفسية حيال قضية الاستيطان التي يعتبر شارون نفسه أباها الروحي، ويمكّنه من تجاوز أية استحقاقات حيال تجميد بناء المستوطنات وتفكيك البؤر الاستيطانية التي تنص عليها "خارطة الطريق"، ويريحه من أية مواجهة أو مماحكات مع المستوطنين. ويكفي معرفة أن تطوير الاستيطان يشكل أهم الخطوط الأساسية لحكومة شارون الثانية، حيث يؤكد برنامجها الأساسي على ضرورة تقوية وتدعيم وتوسيع وتطوير المستوطنات في كل أنحاء إسرائيل، إضافة إلى رفع وزيادة معدلات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وجعلها المهمة الأسمى للحكومة. ذلك كله، يجعل من موافقة شارون وأركان حكومته على مطلب تجميد الاستيطان أمراً مستحيلاً، لقناعتهم أن المشروع الصهيوني يرتكز أساساً على الأرض واستمرار احتلالها والتوسع فيها، وأن أي طرح يستهدف حجزهم عن مواصلة هذا المخطط إنما يهدد استمرارية مشروعهم، ويضع علامات استفهام حول مستقبل وجودهم كما يزعمون.
ثانياً: المحافظة على استقرار الائتلاف الحكومي:
ليس من قبيل الصدفة أن يمتنع شارون عن قبول "خارطة الطريق"، ويصر على تعديلاته المقترحة قبل إقراره لها، فالحكومة التي نسج شارون خيوطها من أحزاب اليمين والوسط ليشكل مزيجاً ائتلافياً متناقضاً لا يُتوقع أن يتساهل في إضعافها أو تعريض عقدها للانفراط لقاء عيون خطة كخارطة الطريق. فالمحافظة على وحدة الحكومة واستقرار الائتلاف الحاكم بعيداً عن عوامل التصدع أو الشقاق يبقى هدفاً أسمى لدى شارون، الذي بذل جهوداً مضنية أثمرت مخاضاً صعباً للتشكيلة الحكومية الراهنة، التي استطاع شارون إدارة دفتها، بكل خبث ودهاء، في مواجهة كل العقبات والتحديات. لهذا، يدرك شارون أن المتاعب والانشقاقات ستمتثل في وجهه من أقرب مقربيه، وسيقودها أعضاء حزبه (الليكود)، ناهيك عن الأحزاب اليمينية الأخرى التي تضم الغلاة والمتشددين الذين لا يتورعون عن التهديد بإسقاط الحكومة حال إقدامها على أية خطوة حقيقية تجاه تجميد الاستيطان أو التسوية مع الفلسطينيين.
ثالثاً: رفض التدخل الدولي:
تفرض "خارطة الطريق" تدخلاً دولياً، مما يتناقض مع موقف شارون الذي يصر على الاحتكام للإشراف الأمريكي، وتجنب الاحتكام لآليات اللجنة الرباعية الدولية. والواقع أن الإسرائيليين بشكل عام يشعرون بحساسية بالغة تجاه أي تدخل دولي، تنبع أساساً من اعتقادهم أن وجهة النتائج المتمخضة عن أي تدخل دولي حيال أي مسألة ستصب في المصلحة الفلسطينية والعربية مما يسبب حرجاً وإرباكا كبيرين للسياسة الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي. فلا ريب أن الخضوع للمرجعية الأمريكية فقط في ثنايا التنفيذ ستتيح لإسرائيل العبث بما تشاء من بنود الخطة، وتفسيرها حسب رؤيتها الخاصة، بل والتنصل مما لا تحبذه من التزامات، في ظل المجاملات الأمريكية لها، وتبريرها لسلوكياتها ومواقفها، انسجاماً مع تجارب المبادرات والطروحات الأمريكية السابقة.
رابعاً: الهاجس الأمني:
تعتقد إسرائيل أن الأمن التام والاستقرار الكامل لن يتأتى إلا بالقضاء المبرم على المقاومة الفلسطينية واجتثاثها من جذورها. وفي هذا الإطار فقد استنفرت المؤسسة الأمنية والعسكرية والاستخبارية الإسرائيلية كافة إمكانياتها لتحقيق هذا الهدف عبر أشكال القتل والهدم والتجريف والتخريب، إلا أن المقاومة الفلسطينية كانت تخرج بعد كل ضربة أصلب عزيمة وأشد إصراراً على المواصلة والاستمرار.
ومع نشر "خارطة الطريق" بشكل رسمي، وما تحويه من تهدئة كاملة، فإن الثقة الإسرائيلية في قدرة السلطة الفلسطينية على العمل ضد قوى المقاومة تبدو هشة ومترنحة إلى حد بعيد، باعتبار أن أجهزة أمن السلطة لن تنجح في التصدي لقوى المقاومة ذات القوة الكبيرة والشعبية المتصاعدة، وتحقيق ما عجزت عنه إسرائيل بكل أشكال قمعها وبطشها وعدوانها، وأن أقصى ما يمكن أن تحققه السلطة لا يتجاوز إقرار هدنة زمنية مؤقتة أو ضغوطات محدودة بعيداً عن أي صدام حقيقي ومسّ جوهري بالتشكيلات المقاومة كما تطمح إلى ذلك دولة الاحتلال.
وتبدو الخشية الإسرائيلية على أشدها إزاء حقيقة الهدنة التي ترمي السلطة إلى تحقيقها مع قوى المقاومة الفلسطينية، إذ ترى الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والاستخبارية أن الهدنة المطروحة –رغم هشاشة الطرح الخاص بها إثر إعلان حماس قطع حواراتها مع أبو مازن- لن تصب في الصالح الإسرائيلي على المدى المتوسط، وأنها ستشكل استراحة حقيقية لقوى المقاومة، وفرصة لالتقاط الأنفاس، وتنظيم الصفوف، وإعادة بناء وترميم الخلايا المفككة التي تلقت أعنف الضربات في الضفة الغربية، والتهيئة والتجهيز لمرحلة جديدة من العمل المقاوم، وهو ما ترى فيه إسرائيل خطأ استراتيجيا سيكلفها ثمناً باهظاً للغاية.
وبناء على ذلك، من الواضح تماما أن مفهوم الهدنة ووقف إطلاق النار لن يكون مقبولا إسرائيليا على الدوام، بمعزل عن التصدي الفلسطيني السلطوي لبنى وتشكيلات المقاومة رغم القبول الإسرائيلي الأخير لمفهوم الهدنة التي لا تتجاوز عدة أسابيع، وأن جيش الاحتلال سيواصل -ولو بعد حين- نشاطاته العدوانية ضد الفلسطينيين.
وبقراءة لحقيقة النوايا والمواقف الإسرائيلية فان أقصى ما يمكن أن تقبله إسرائيل يتمثل في الاستعداد لمراعاة ضعف السلطة الراهن، والموافقة على مفهوم مراكمتها أدوات القوة شيئاً فشيئاً في ظل أجواء الهدنة المفترضة، والمعالجة التدريجية لقوى المقاومة على أساس محلي.
خامساً: إحباط أي أساس -ولو كان هشاً- لقيام دولة فلسطينية:
يرفض شارون بشدة أية محاولة لإنشاء دولة فلسطينية مهما كانت هشة، أو حتى على ذات الطراز أو المواصفات التي تقبل بها إسرائيل. وتنص "خارطة الطريق" على ميلاد دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة تتلو تنفيذ المرحلة الأولى منها ذات البعد الأمني، فيما ستحدد المرحلة الثالثة من الخارطة الحدود النهائية للدولة في إطار مفاوضات التسوية النهائية، وهو ما يتناقض مع مشروع شارون التسووي الذي يتأسس على تسوية مرحلية بعيدة المدى، وإبقاء الوضع الفلسطيني على هيئة كيان إداري بعيداً عن لوازم الأمن والسيادة والسيطرة الحقيقية. لذلك، فان الدوران في فلك المرحلة الأولى من "خارطة الطريق" ذات الشق الأمني، ومحاولة إبطالها بشتى الوسائل، ستبقى المعالجة الأمثل أمام شارون لضمان إغلاق وسد المنافذ أمام أية آفاق سياسية محتملة يمكن تلمسها عقب تنفيذ المرحلة الأولى ذات الالتزامات الأمنية.
موقف الشارع والأحزاب الإسرائيلية
تتراوح المواقف الإسرائيلية إزاء "خارطة الطريق" ما بين التأييد والتأييد المشروط، والرفض القاطع. ففي الوقت الذي أعرب فيه 65% من الإسرائيليين حسب متوسط الاستطلاعات الأخيرة عن تأييدهم لتطبيق الخطة، بشكل يعكس مدى اليأس الذي بلغه المجتمع الإسرائيلي جراء التدهور الأمني، وأمنيته في العيش بعيداً عن الأشلاء وأصوات الإنفجارات والعمليات الإستشهادية، فان الأحزاب الإسرائيلية بنت مواقفها على أساس أيديولوجي مبدئي وثيق الصلة بالموقف المبدئي حيال عملية التسوية. فاليمين الإسرائيلي بشكل عام يعارض الخطة، ويشترط إقرار التعديلات لإيجازها وتمريرها، فيما يبدي الوسط واليسار تأييداً واضحاً لها. ورغم الموافقة التي حظيت بها الخطة رسمياً عقب أخذ غالبية التعديلات الإسرائيلية بعين الاعتبار، فإن الأمر لا يعدو مناورة سياسية في نظر وزراء اليمين الإسرائيلي، الذين أعربوا، غير ذي مرة، عن عدم قلقهم من التطورات على الساحة السياسية بشأن "خارطة الطريق"، لأنهم مقتنعون أن إسرائيل لن تصل أبداً إلى اللحظة التي تكون فيها مطالبة بحلّ كل المواقع الاستيطانية غير القانونية، وتجميد البناء في المستوطنات، والانسحاب من مدن الضفة الغربية كما تقتضي المرحلة الأولى من "خارطة الطريق"، لأنهم يعتقدون أن الفلسطينيين لن يفوا بالتزاماتهم واستحقاقاتهم الخاصة بالخطة.
موقف المستوطنين
يشكل المستوطنون أحد أهم العقبات في وجه مسيرة التسوية بشكل عام، وما ينتج عنها من مبادرات، لأنهم يدركون أن نذر الإخلاء لبعض بؤرهم أو مستوطناتهم قد تطاولهم في إطار أية مبادرات أو حلول مطروحة للنزاع، مؤقتة كانت أم دائمة. وبالرغم من أن "خارطة الطريق" لا تتحدث عن أي إخلاء للمستوطنات، أو وقف نهائي لسرطان الاستيطان، بل عن تجميد الاستيطان وإزالة للبؤر الاستيطانية غير القانونية، فإن المستوطنين ينحون منحى متشدداً في مواجهة الخطة، ويطلقون التهديدات تلو التهديدات بإفشالها والتصدي لها. وفي هذا السياق تنشط المنظمات الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة والقطاع في إطار الرد على المصادقة الحكومية الرسمية على "خارطة الطريق، حيث تتركز نيتها على تنظيم سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية الواضحة التي تعبر عن موقف صلب غير قابل للتنازل أو المساومة كما يؤكد قادة المستوطنين.
لذا، يبدو أي تفكير في إخلاء المواقع والبؤر الاستيطانية، ولو كانت غير قانونية، محكوماً باعتبارات حساسة ونتائج قد تكون صعبة ومعقدة، فبمعزل عن نية شارون وتشجيعه للاستيطان، فان أية إمكانية عملية لتنفيذ أية عملية إخلاء لأية بؤرة استيطانية لا تبدو واردة في الحسبان، فأغلبية الجنود في الفرق العسكرية التي تخدم في الضفة والقطاع يسكنون مع أقاربهم في المستوطنات، وسيكون من الصعب تكليفهم بمهمة قمع المعارضين للإخلاء من المستوطنين، فضلا عن أن كافة المنظمات الاستيطانية قد أعلنت حالة الإستنفار عقب إقرار حكومتها لخارطة الطريق، وأعلنت نيتها تنظيم سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية، وهذا ما دفع دانييلا فايس إحدى غلاة المستوطنين للتأكيد بأن لا فرصة أمام شارون وبوش لإزالة أي موقع استيطاني واحد.
حدود الموقف الأمريكي
لم تجد الإدارة الأمريكية أي غضاضة في قبول التعديلات الإسرائيلية للخطة باستثناء تعديلين، وأخذها بعين الاعتبار حال بدء التطبيق. ومع ذلك، فإن الإدارة الأمريكية لن تمضي بعيداً في سياق تطبيق الخطة، ولن تمارس أية ضغوط حقيقية على شارون لتجاوز تنفيذ الشق الأمني من المرحلة الأولى لاعتبارات تتعلق بالصوت الانتخابي اليهودي الفاعل في الانتخابات الأمريكية المقبلة، وستكتفي بتطبيق الفلسطينيين لالتزاماتهم الأمنية مما يضمن لواشنطن التهدئة الميدانية المطلوبة وغياب المقاومة الفلسطينية إحدى أهم مهيجات وعوائق السياسة الأمريكية في المنطقة، ولن يضير الإدارة الأمريكية -بعدها- مزيداً من الانتظار للمسألة الفلسطينية-الإسرائيلية في ظل استتباب الوضع الأمني.
مشروع شارون السياسي
" هذا شأن في غاية الحساسية، وكل تفوه من جانبي يسرب، ولهذا فإنني أفضل البحث مع نفسي ومع نفسي فقط حيال هذا الموضوع". لم تكن هذه الكلمات ذات المغزى الكبير التي تفوه بها شارون لصحيفة يديعوت (11/5/2003) حيال مشروعه السياسي ورؤاه المستقبلية، مجافية للصواب أو مجافية للواقع. فالرجل الذي اعتلى سدة الحكم داخل الكيان الإسرائيلي، لم يكن واضحاً في يوم من الأيام، ولم يبلور لنفسه خطاً سياسياً مفهوماً ورؤية مستقبلية علنية محددة، حتى أن تصريحاته كانت تتضارب وتتناقض بين الحين والآخر، مما قذف الحيرة والاستغراب في نفوس الكثير من مراقبيه والمتابعين لنهجه وأدائه.
لكن استقراءً حقيقياً لمسار ومواقف شارون، واستشفافاً لما بين سطور معالجاته السياسية والأمنية، يبيح لنا القول بذكاء الرجل ودهائه السياسي، وامتلاكه مشروعاً سياسياً واضحاً، لكنه مشروع لم ينبت إلا في عقله هو، ولم يعلنه على مرأى ومسمع من الناس، في سياق سياسة أحسنت التعاطي مع الواقع الإسرائيلي الداخلي، والتعامل مع الأحزاب القائمة، والاستفادة من التجارب والأخطاء السابقة، مما يفسر بوضوح سر تفرده بامتلاك ناصية الحياة السياسية في إسرائيل، وطول عمره السياسي دون عراقيل حتى اليوم.
ومع ذلك، يمكن تحديد أهم المعالم الاستراتيجية في مشروع شارون السياسي على النحو التالي:
أولاً: فرض الاستسلام النهائي على الفلسطينيين: وقد تبدى ذلك في الوحشية العارمة التي انتابت قوات الاحتلال إبان الانتفاضة الراهنة، وعدم ادخار أية وسيلة عسكرية كانت لسحق المقاومة وإنهاء وجودها بغية فرض الاستسلام النهائي على الفلسطينيين، والقبول بالشروط الإسرائيلية دون قيود. لذا، فإن شارون غير معنيّ على الإطلاق بأية جهود تصب في اتجاه التهدئة مع الفلسطينيين، ولا يدخر وسعاً في انتحال الأعذار والمبررات لمواصلة وتصعيد عدوانه ضد الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى تحقيق حلمه بانهيار المجتمع الفلسطيني. من هنا، فان إبقاء الأمور على حالها دون أي تغيير، ستبقى هدفاً أساسيا لن يتوانى شارون في إنفاذه والسعي لتحقيقه، كونه الرابح الأكبر، إسرائيليا، جراء استمرار الأوضاع الراهنة، التي تتيح له دوام الهيمنة السياسية على الساحة الإسرائيلية، والاستمرار في ضرب ومحاربة الفلسطينيين حتى الركوع والاستسلام من زاوية نظره ومخططاته، وضمان إغلاق الآفاق السياسية أمام أية مبادرات تناقض رؤيته لصراعه مع الفلسطينيين.
ثانياً: تحقيق تسوية انتقالية بعيدة المدى: لعل تحقيق هذا الهدف مرتبط أساساً بفرض الاستسلام على الفلسطينيين، وإحداث انهيار في المجتمع الفلسطيني، يمهد الطريق للقبول برؤية شارون التي تقوم على تجاهل معالجة القضايا الكبرى كالقدس واللاجئين والحدود، والابتعاد عن أية إشارة لقيام دولة فلسطينية، واستمرار مظاهر السيطرة الإسرائيلية على المعابر والحدود، والسيادة الأمنية على البر والبحر وجزء كبير من البر الذي لن تتعدى السيطرة الفلسطينية عليه نسبة 50% في أفضل الأحوال، بعيداً عن مظاهر التسلح الحقيقي، والعلاقات السياسية الخارجية. باختصار، فان شارون يطمح للوصول إلى حكم إداري ذاتي موسع دون دولة فلسطينية، كتسوية مرحلية بعيدة المدى، لا يُعلم حدود نهايتها أو مداها الزمني، إن لم تتكرس لتستحيل تسوية دائمة غير قابلة للتطور أو الاعتراض، وهذا ما دفع زئيف شيف أحد أكبر الخبراء الأمنيين والاستراتيجيين في إسرائيل (هآرتس 23/5/2003) للقول أن نوايا شارون الحقيقية تنصب على تحقيق حلول صغيرة وجزئية بعيدا عن أية نية لتطبيق "خارطة الطريق"، وعدم السماح للفلسطينيين بالوصول إلى أي كيان سياسي جدي.
ثالثاُ: استمرار المناورة والدهاء السياسي: ويتجسد ذلك في اللعب على مختلف المسارات، والعزف على وتر جميع التناقضات، بأسلوب ذكي وبراعة متناهية. فعلى الصعيد الإسرائيلي الداخلي استطاع شارون استثمار أجواء الرعب الناجمة عن تدهور الأوضاع الأمنية، واللعب على عواطف الإسرائيليين، والتماهي مع تفكيرهم الأمني الميداني الصرف إزاء خطر عمليات المقاومة الفلسطينية، مما جعل منه أكثر الزعامات شعبية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وعلى الصعيد الحزبي استطاع شارون توليف كثير من التناقضات في بوتقة الاحتكام لزعامته، فكان يتحدث مع كل حزب بلغته الخاصة التي يفهمها، بشكل تضليلي، أكسبه قدرة على تجاوز الكثير من العقبات التي تحفل بها الساحة الحزبية الإسرائيلية، وتشكيل حكومات من أحزاب غير متجانسة فكرياً وسياسياً، لا زالت تتمتع بالهدوء والاستقرار بعيداً عن نوازع الشقاق والافتراق.
وعلى الصعيد الخارجي نجح شارون في امتصاص اندفاع وحماس الإدارة الأمريكية وغيرها، عبر انتهاج سياسة المناورة المتكررة، التي تستهدف تفريغ المبادرات المطروحة من مضمونها، وإلحاقها بما سبقها من مبادرات و طروحات، حيث قبل بالخارطة المعدلة متيقّنا من تنكر الفلسطينيين لالتزاماتهم الكاملة أمنيا، مما أعفاه من أية توترات سياسية مع الإدارة الأمريكية، وبدا أمامها كشخص متعاون لم يتسبب في إفشال مبادرتها السياسية.
خلاصة
لا ريب أن المنطقة تشهد تحولات هامة، استثماراً لأجواء النصر الأمريكي في العراق، تبغي إغلاق ملف آخر من ملفات الصراع، عبر مبادرة أمريكية بغطاء دولي حيكت أساساً لإنقاذ إسرائيل، لقاء فتات سياسي قد لا تتلمسه السلطة الفلسطينية يوماً من الأيام. ومن هنا، فان التحدي الأكبر أمام السلطة يكمن في إدراك حقيقة اللعبة السياسية والفخ الكبير الذي نصبته لها حكومة شارون عبر مصادقتها على"خارطة الطريق المعدلة" وانجرافها إلى تبني الرؤية الإسرائيلية في قمة العقبة، والتيقّن أن أي مساس بالجبهة الفلسطينية الداخلية، حالياً أو مستقبلاً، كفيل بتحقيق أفكار ورؤى ومشروعات شارون الحقيقية، وإعادة القضية الفلسطينية عشرات السنين إلى الوراء.
|