|
لن تجد الشعوب العربية –البائسة- ظروفاً أفضل من تلك المتوافرة حالياً للانتفاض من أجل المطالبة بالتغيير السياسي والتوجه نحو إرساء مفاهيم الديمقراطية والحرية التي ملت الاستماع إليها دون أن تنعم يوماً بممارستها.
كما أنها لن تجد من الدوافع النفسية والسيكولوجية المؤهلة للدعوة إلي الانعتاق من نهج العبودية والقهر الذي تجرعت مرارته منذ أن رحل الاستعمار عن ديارها، ودخلت تحت وصاية نظمها الحاكمة، أفضل من تلك التي وفرتها الحرب علي العراق وما صحبها من فشل عربي ذريع وقف عاجزاً عن الذود عن جزء من ترابه وكرامته.
وبالنظر لشعوب العالم عموماً فلن تجد اليوم شعوباً مغلوبة علي أمرها ومنقادة لما يقدره لها حكامها سوي الشعوب العربية المسلوبة الإرادة والمجمدة الفكر، والتي أصبح التغيير بالنسبة لكثير من أفرادها بمثابة درباً من دروب الخيال وحكاية من حكايات ألف ليلة وليلة، وكابوساً يراودها إذا فكرت يوماً في التعبير عنه أو حتي مجرد التلفظ به. ولذا لم يكن مستغرباً أن تسجل أعلي معدلات لانتهاك حقوق الفرد وآدميته في البلدان العربية، فضلاً عن ارتفاع معدلات الفساد السياسي والإداري لدرجة جعلت من النزاهة واحترام المواطن حلماً بعيد المنال لن يتحقق بزوال أولي الأمر فقط بل و يتطلب إحداث ثورة وانقلاب في الأفكار والثقافة والذوق العام.
وواقع الأمر فإن الشعوب العربية هي التي أوصلت نفسها إلي واقعها الحالي عبر تخليها عن الدفاع عن أبسط حقوقها، وسكوتها عن تدهور الأمور من السئ إلي الأسوأ، دون أن تحاول يوماً الوقوف في وجه أولي الأمر المتمسكين بتلابيب الحكم. كما أنها قد ساهمت بشكل أو بأخر في تدعيم الواقع السلطوي الفئوي لنظمها الحاكمة وأعطتها الشرعية –المفتقدة- كي تستمر في اعتلاء كراسي الحكم وتظل جاثمة علي صدور الشعوب، دون اكتراث بمطالب هذه الشعوب أو رغباتهم وتطلعهم نحو التغيير.
وهذه الحالة المزرية التي تغط فيها الشعوب العربية حالياً ليست وليدة اليوم بل نتاج لعقود طويلة من التحجر والجمود والرضا بالأمر الواقع والاستسلام لذوي السلطة والنفوذ بحيث أضحي النظام السياسي مجرد تعبير عن حكم التأله وعبادة الفرد كما كان الحال لدي الفراعنة الأوائل ولدي الشعب العراقي إبان فترة النظام السابق، كما أنه تعبير عن اختزال نادر الحدوث لمؤسسات الحكم بحيث يضحي الحاكم هو النظام والعكس صحيح، وهو ما قد نجم عنه نتيجتين كلتاهما أسوأ من الأخرى وهما:
أن التغيير لم يتحول إلي واقعاً يوماً بل وكان مجرد الهمس به جنون وتهور قد يودي بحياة صاحبه إلي الجحيم لذا فالسكوت أفضل والانصياع أسلم. والنتيجة الثانية-وهي مترتبة علي سابقتها- وتتلخص في أن الحكام العرب استغلوا حالة الخوف والخنوع المتولدة لدي شعوبهم وتمادوا في طغيانهم ولم يعيروا أي اهتمام لحال تلك الشعوب واحترام عقولهم وآراءهم.
وكما كانت الشعوب العربية هي السبب الرئيسي في الوصول إلي ما هي عليه الآن من ضعف وترهل واستنكار لأبسط الحقوق وهو حق الآدمية (حق الإنسان) وما ينطوي عليه من احترام العقل والفكر وحرية الاختيار، فهي التي يقع علي عاتقها مسئولية التخلص من هذا المناخ العقيم، وأن تنهض كي تنفض عن كاهلها غبار السنين العتيقة التي لم تتذوق فيها طعم الحرية ولم تستمتع فيها –يوما- بشمس الديمقراطية، وذلك علي غرار ما فعله الفرنسيون قبل أكثر من مائتي عام حين حطموا -وللأبد- حصون سجن "الباستيل" وحولوه إلي مزار تاريخي كي تعتبر منه الشعوب المتعطشة للتحرير والخلاص من نيران الاستبداد.
ولا أدري ما الذي تنتظره الشعوب العربية أكثر من ذلك كي تقوم بدورها المنوطة به، فالأوضاع الداخلية تسوء يوماً بعد يوم علي جميع الأصعدة بدءاً من عدم القدرة علي مجرد التفوه والتعبير عن الملل والازدراء لهذا الواقع، وانتهاء بهتك حقوق الإنسان-إذا كانت توجد أصلاً- واعتبارها من رفاهيات هذا الزمان. هل تنتظر الشعوب العربية ومثقفيها أن يأتي الإصلاح والتغيير من الخارج كما تروج له الولايات المتحدة ومن شابهها؟ أم تنتظر مفاجآت الغيب وأن تأتي الرياح العاتية كي تطيح بما لا تهواه الأنفس؟ هذه دعوة لمصارحة النفس ومواجهتها بمواطن ضعفها ومحاولة لاستلهام العقول وشحذ الهمم نحو ضرورة تحويل الأفكار إلي واقع والآمال إلي حقائق حتي تتمتع الأجيال القادمة ببريق الحرية الذي لم تره أعيننا يوماً ولم تنعم بنسماته أجفاننا. |