|
لم يكن مفاجئاً أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إرئيل شارون عن موافقته علي خارطة الطريق، كما أنه من الصعوبة بمكان اعتبار هذه الموافقة تغير في موقفه المتشدد حيال الصراع مع الفلسطينيين. والأجدر بالفهم أنها مناورة سياسية وتكتيك جديد يحاول شارون من خلاله تهدئة الأوضاع بهدف الاستعداد للمرحلة القادمة من المناورات السياسية المزمع بدءها مع العودة لطاولة المفاوضات –بافتراض حدوث ذلك- وفقاً علي خريطة الطريق.
وربما تعود مناورة شارون -غير المعهودة- في حقيقتها لعدة عوامل، أولها الظروف الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي والتي كان أخرها الإضراب العام الذي نظمه اتحاد نقابات العمال (الهيستدروت) وأدي إلي شل الحياة العامة في إسرائيل علي مدار عدة أيام وكلف إسرائيل أكثر من 220 مليون دولار يوميا. وهو ما يتطلب معه تخفيف الأجواء العامة المحتقنة داخل إسرائيل بشكل عام، بالإضافة إلي التخلص من نحو 3.5 مليون فلسطيني عالقين في رقبة هذا الاقتصاد، وهو ما ذكره شارون حرفياً. وثانيا: استنفاذ شارون لوسائله الدبلوماسية –القليلة أصلاً- ومحاولة الاستجابة الشكلية للضغط الأمريكي بتفعيل الخارطة المزعومة، انتظاراً لمكافأة أكبر خاصة مع اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وثالثاً: محاولة إحراج الفلسطينيين أمام الرأي العام العالمي وإظهارهم بمظهر المعرقل لاستئناف المفاوضات، وذلك في ظل رفض حركات المقاومة الفلسطينية بمختلف تنوعاتها للخارطة. ورابعاً-وهو الأهم- تشكيل عنصر ضغط علي الحكومة الفلسطينية الجديدة من خلال دفعها لخنق حركات المقاومة وتجريدها من أسلحتها، خاصة مع يقين شارون المطلق بصعوبة حدوث ذلك، وذلك لتحقيق هدفين: أحدهما يتعلق بإمكانية حدوث الوقيعة بين الفلسطينيين أنفسهم (الحكومة وحركات المقاومة) والأخر محاولة التخلص من صداع حركات المقاومة-بافتراض نزع أسلحتهم- الذي يقض مضاجع الإسرائيليين.
ولذا لم يكن مستعصياً أن يوافق شارون علي الخارطة لقطع الطريق علي الفلسطينيين في كسب أرض جديدة، فضلاً عن إبراء ذمته أمام الضميرين الأمريكي والعالمي. ومن الملاحظ أن موافقة شارون علي الخارطة قد جاءت بعد وعود أمريكية عديدة بتبني التعديلات الإسرائيلية علي الخارطة والتي قد تقضي بإفشالها أو علي الأقل تجميدها مثل سابقاتها.
وقد نجح شارون في إيهام الجميع بأن مجرد انتزاع موافقته علي الخارطة باتت بمثابة نصر فلسطيني يخدم القضية ويصب في مصلحة الفلسطينيين، في حين أن التعديلات التي أدخلها شارون علي تلك الخارطة تقوم علي "وضع العربة أمام الحصان" خاصة في ظل التبني الأمريكي القوي لتلك التعديلات.
كما أن موافقة شارون علي الخارطة لم تكن مطلقة بل مشروطة بشرط-لو تحقق- قد يصيب القضية الفلسطينية في مقتل وهو اشتراط نفي حق عودة اللاجئين الفلسطينيين والذين يتراوح عددهم من 5-6 مليون لاجئ، ولو وافقت السلطة الفلسطينية عليه تكون إسرائيل قد حققت بذلك أكبر مكسب استراتيجي لها علي الإطلاق منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية، لأنها بذلك تضمن التفوق العددي بعدما حققت التفوق النوعي.
كما أن هناك عامل آخر علي درجة كبيرة من الأهمية وهو أنه من الصعوبة بمكان أن يضحي شارون بمستقبله السياسي من أجل الفلسطينيين، خاصة في ظل رفض كتلة الليكود بشكل عام للخارطة من الأساس، وهو ما يعني أن شارون قد حسب خطواته جيداً قبل إعلان موافقته علي الخارطة، وقد تكون هذه الموافقة بمثابة نصر دبلوماسي لشارون في الداخل الإسرائيلي خاصة في ظل مراهنته علي تجميد الخارطة بسبب احتمالات الخلل الفلسطيني بها، وبحيث يضحي كل تقدم إسرائيلي علي الأرض الفلسطينية بمثابة حق مشروع ناجم عن رفض الفلسطينيين لإحلال السلام.
ورغم أن البعض يعتبر خارطة الطريق بمثابة "لغم أرضي" يتوقع له الانفجار في وجه الفلسطينيين في أي وقت، تظل هي بارقة الأمل -وربما تكون الوحيدة- أمام الخط الرسمي الفلسطيني لوقف نزيف الدم في الأراضي المحتلة، خاصة في ظل اختلال موازين القوة بين الطرفين. وهي نتيجة منطقية ووضع طبيعي لحالة الضعف الفلسطيني -ومن خلفه الضعف العربي- في مواجهة التعنت الإسرائيلي اليومي المتزايد.
وبهذه الموافقة الشارونية تكون إسرائيل قد ألقت بالكرة في الملعب الفلسطيني، وجاء الدور علي أبو مازن وحكومته لبدء التحرك، كما باتت هذه الحكومة في وضع لا تحسد عليه حيث وقعت بين شقي رحي الضغط الخارجي وقوي الرفض الداخلي، وهو ما يفترض معه أن تبدأ الحكومة الفلسطينية في لملمة أوراقها وتجميع خيوط اللعبة في يدها تمهيداً للدخول في حلبة المفاوضات بافتراض انتصابها.
|