|
دفعت التفجيرات الأخيرة في الرياض والدار البيضاء إلي عودة قضية العلاقة بين السلطة السياسية والحركات الإسلامية في البلدان العربية إلي الظهور علي السطح مجدداً، كما أعادت إلي الأذهان إشكالية الاحتواء والمشاركة بين الطرفين والتي ظلت محل خلاف كبير ساد المنطقة العربية طوال العقود الخمس الماضية وانتهي دون معالجة حقيقية.
وتشير الدلائل عموماً إلي حقيقة هامة وهي فشل النظم العربية في احتواء الظاهرة الإسلامية شكلاً ومضموناً، وعدم قدرتها علي استيعاب مشاعر المعبرين عنها إما للخوف من تعاطف الناس معهم وبالتالي زيادة دورهم علي حساب ذوي السلطة والنفوذ كما حدث في الجزائر أوائل تسعينيات القرن الماضي، وإما للرغبة في الإطاحة بأي محاولة قد تنال من الشكل النخبوي للحكم كما حدث في مصر طوال النصف الثاني من القرن الماضي.
وربما تعود الطبيعة المتوترة بين طرفي العلاقة (السلطة والحركات الإسلامية) نتيجة لانعدام الثقة بينهما وحالة الشك التي تعتري علاقتهما ببعضهما البعض، وذلك لانتهاج كل منهما أسلوب الخيارات المطلقة أو المباراة الصفرية والتي تقوم علي اختيارين لا ثالث لهما وهما إما الفوز بالسلطة أو خسارتها، وأي مكسب لأحد الطرفين يعني الخسارة للطرف الأخر.
وواقع الأمر فإن كلا الطرفين قد ساهم بشكل أو بأخر في توتر العلاقة وتأجيج درجة الخلاف مع الطرف الأخر، بحيث أضحت الفوارق الفاصلة أعلي من القواسم المشتركة. وفي حين كان الاستعمار سبباً رئيسياً في توحيد جهود الحركات الإسلامية مع بقية الاتجاهات في المجتمع، أصبح شكل المجتمع المرغوب في إقامته بعد الاستقلال هو عنصر الاختلاف الرئيسي بين تلك الحركات من جهة ومن اعتلوا كرسي السلطة بعد الاستقلال من جهة أخري، وهو اختلاف ليس في الرؤية فقط ولكن في المنهج أيضاً. وتعود أزمة الثقة بين الطرفين نتيجة لحزمتين من العوامل، الأولي حزمة ذاتية تتعلق بطبيعة النظم التي حكمت الدول العربية غداة الاستقلال والثانية تتعلق بطبيعة الحركات الإسلامية ذاتها ونظرتها الكلية للمجتمع، وبالتالي منهجها في التفكير. ويأتي في مقدمة العوامل الذاتية تلك الرؤية السلطوية الفئوية التي سيطرت علي تفكير النخب العربية وأدت إلي إغلاق دائرة النفوذ السياسي علي مجموعة معينة مع وجود صعوبة للحراك المجتمعي قد ينتج عنها تبدل المناصب أوتغير الشخصيات، وثانيها يتمثل في أسلوب القمع والقهر الذي اتبعه النظم العربية في التعامل مع الحركات الإسلامية بداية من الحقبة الناصرية وانتهاء بالحالة الجزائرية، وثالثها تلكؤ النخب العربية في العبور بشعوبها نحو ترسيخ مبادئ الديمقراطية وأهمها المشاركة السياسية واحترام حقوق الفرد والانتخابات النزيهة وذلك تحججاً بتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية فلا حققت هذا ولا ذاك، وهو ما ولد شعور بالظلم والقهر لدي مختلف فئات المجتمع ومنها -بالطبع-الحركات الإسلامية. وأخر هذه العوامل هو فشل الأيديولوجيات المتهالكة التي اتبعتها النظم العربية المختلفة في احتواء مشاعر الأفراد والتعبير عنها بما يتناسب مع الإطار الفكري والثقافي لهؤلاء الأفراد، وعدم تفكير أي من تلك النظم في اعتناق المنهج الإسلامي –المعتدل- في نظام الحكم وهي مفارقة تستوجب التوقف والتمحيص.
بينما تتلخص حزمة العوامل التي ساهمت من خلالها الحركات الإسلامية بمختلف أطيافها وألوانها في تعميق أزمة الثقة مع نخبها الحاكمة فيأتي علي رأسها النظرة الواحدية لتلك الجماعات لما ينبغي أن يكون عليها شكل نظام الحكم، حيث تري تلك الحركات أن نظام الحكم الإسلامي بمختلف عناصره هي النموذج الأمثل للحكم، وبدونه يصبح كل شكل أخر للحكم بمثابة ابتعاد عن الدين وأسسه، وهي تلك النظرة التي أدت إلي خروج العديد من الحركات المتشددة من تحت عباءة الحركات المعتدلة والتي يأتي في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمون ذات النهج الإصلاحي المتدرج والمتأني. وثاني هذه العوامل هو اعتناق المنهج العنيف المتشدد لدي بعض الحركات الإسلامية وهو ما شوه صورتها أمام مختلف فئات المجتمع فضلاً عن دفع النخب الحاكمة للعب علي هذا الوتر لتضييق الخناق علي هذه الحركات، وهي في ذلك لا تفرق بين متشدد ومعتدل فكل ما هو إسلامي في نظرها سواء. وثالث هذه العوامل ذلك المتعلق بعدم وضوح الرؤية الإصلاحية أو الرسالة السياسية لبعض هذه الحركات بالشكل الذي قد يكسبها التعاطف المجتمعي ويمنحها قوة المثابرة والاستمرار. ورابع هذه العوامل هو الجمود الفكري الذي أصاب بعض هذه الحركات، ودفعها للتمسك بالنصوص الدينية كما هي وهو ما ترتب عليه الوقوع في إشكالية النص والاجتهاد خاصة في القضايا المتعلقة بكيفية الجمع بين الأصالة والمعاصرة والتراث والتحديث، وهو ما زاد من ضعف الصورة الذهنية الدينية التي قد تعتنقها الفئات الشعبية بما فيها الفئة النخبوية، وهي قضية هيكلية في فكر أغلب تلك الحركات تستوجب الوقوف والتريث للتعاطي معها.
بيد أن النظم العربية تتحمل جزء كبير من الفشل في احتواء الظاهرة الإسلامية شأنها في ذلك شأن فشلها في احتواء أي اتجاه فكري مخالف لها في التوجهات والرؤى، وذلك نظراً لعدم رغبة النظم العربية في تحديث شكل الحكم بحيث يضحي أكثر تعبيراً عن الرغبات المجتمعية وما يعنيه ذلك من تفعيل قنوات المشاركة السياسية واحترام آراء الأفراد واختياراتهم.
وكان يمكن للنظم العربية الحاكمة أن تحتوي تلك الظاهرة من خلال توسيع قنوات المشاركة بحيث تجد تلك الحركات منبراً تعبر فيه عن آرائها وتوجهاتها شأنها في ذلك شأن أي تيار فكري أخر في المجتمع، ولذا سيظل رفض النخب الحاكمة لهذا النهج بمثابة دليل علي نجاح تلك الحركات –خاصة المعتدلة منها- في اكتساب الشرعية المفتقدة ودليل علي خشية النظم الحاكمة من اتساع القاعدة الشعبية لتلك الحركات وبالتالي احتمالات اقترابها من منصة الحكم.
وفي نفس الوقت تواجه الحركات الإسلامية –المعتدلة- تحديات جادة زادت حدتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي لم تفرق بين معتدل ومتطرف، ووحدت النظرة لكل ما هو إسلامي باعتباره منبع رعب وإرهاب للآمنين. ولذا فقد باتت الحركات ذات التوجه الإسلامي والتي استطاعت الوصول لمنصة الحكم كما هو الحال في المغرب، أو علي الأقل الاقتراب من دائرتها كما هو الحال في الكويت واليمن، في وضع صعب يفرض عليها مرونة أكثر وانفتاح أكبر علي المستويين الداخلي والخارجي.
كما كانت تفجيرات الرياض والدار البيضاء بمثابة الشرارة التي جرت خلفها خيط طويل من كرات اللهب تجاه مختلف الحركات الإسلامية، وهو ما قد يطول ليشمل كل ما له علاقة بلفظ إسلامي. ومهما تكن توجهات الفاعلين ومنطقهم، فقد أضروا بتصرفاتهم أكثر مما نفعوا وأخطئوا أضعاف ما أصابوا، نتيجة لتهورهم وضعف بصيرتهم. وهم بفعلتهم هذه أعطوا للنخب الحاكمة فرصة جيدة وذريعة قوية لاستئصال كل ما له علاقة بالإسلامي سواء فرادي أو جماعات، وبات علي الحركات المعتدلة أن تبذل جهوداً مضاعفة لإقناع المجتمع -قبل رجال الحكم- بسلمية أفكارهم واعتدال توجهاتهم.
|