|
وقف أبو الطيب المتنبي على أعتاب القرن الرابع الهجري، ذلك العصر الذي اشتدت فيه الفتنة وتأصلت عوامل الفرقة والاختلاف التي كان انقسام الدولة العباسية إلى دويلات صغيرة أحد أهم مظاهرها، ولم يكن الانقسام السياسي أهم المظاهر على الإطلاق وإن بدا كذلك، فقد كان انتشار الشعوبية والأفكار الغريبة أشد وأقسى على الأمة من التشرذم إلى دويلات، لأنها لم تجد لنفسها هذه المكانة السامية بين الأمم إلا بالعقيدة، نقول وقف أبو الطيب المتنبي على رأس ذلك العصر المشحون بالخلاف وأنشد قصيدته الميمية الشهيرة التي ضمنها قوله:
ومن البلية عذل من لا يرعوي عن جهله وخطاب من لا يفهم ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقد رأيت أن أبا الطيب الذي عاش عصر الفتنة واكتوى بنارها كان يلمح من خلال هذين البيتين إلى من نفذوا تفجيرات الثاني عشر من مايو في مدينة الرياض الآمنة، فهم ليسوا أجانب، ولكنهم خوارج جدد شقوا عصا الطاعة وخالفوا الجماعة وشردوا عن القطيع فرأى فيهم الذئب صيدا ثمينا فنصب الشرك في رؤوسهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، فأصبح إفهامهم أو إلقاء اللوم عليهم مصيبة أخرى.
انقض الذئب على الأغنام الشاردة فرسخ في أذهانها أفكاره الغريبة التي تتمحور حول تكفير المجتمع المسلم، وألبس هذه الأفكار أثوابا ذات ألوان مختلفة، ولكن نسيجها واحد فتارة تأخذ اسم التكفير والهجرة وتارة تأخذ اسم الموحدين وتارات أخرى تكتسي بأثواب وأسماء عبثية توحي للقارئ أن هؤلاء المارقين هم وحدهم ورثة الإسلام والإيمان وأن من سواهم مجرد كفار لا يستحقون العيش.
إننا نؤمن أن الفكر لا يرده إلا الفكر، ونؤمن بديمقراطية الحوار وحرية الرأي، ولكن إذا وصل الفكر إلى هذا المستوى من الشطط اللامنطقي، فإنه بلا شك في حاجة إلى رد فعل لا منطقي مساو له في القوة ومضاد في الاتجاه (كما تقول النظرية الميكانيكية الشهيرة)، بل قد يتطلب الأمر تدابير أكثر قوة لأنه استهدف ترويع الآمنين ومحاربة الله في الأرض وهما غاية وجود الإنسان في الحياة، فلا بد إذن من رده لصوابه أو ردعه أو قمعه، لذا كانت الكلمات النارية التي أطلقها الأمير عبد الله بن عبدالعزيز غاية في الاعتدال والحكمة، فالذي فجر نفسه طائعا مختارا في ممتلكات سعودية وبين مواطنين سعوديين ومقيمين عرب وأجانب ومن جنسيات وأديان متعددة لا يحتمل سوى أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هذا المتطرف قد أدرك بعد أن أعلن الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية أسماء المتطرفين وصورهم أنه قد ضاقت عليه الدائرة وأصبح كالفأر الذي أطبقت عليه المصيدة فلم يجد مفرا سوى أن يضرب جدار المصيدة برأسه على أمل أن يكسر الجدار أو يكسر رأسه أو يكسر الاثنين معا لأن النتيجة في كل الأحوال واحدة.
الأمر الثاني : أن يكون هذا المتطرف قد شرد عن القطيع مبكرا، فتلقفه الذئب المتربص بهذه الأمة، واستطاع بألاعيبه الشيطانية أن ينفذ الى عقل هذا المتطرف ومن ثم الى قلبه وتمكن من الاثنين معا حتى أقنعه أن الموت على أسوار "غرناطة" يضمن له إحدى الحسنيين إما فتحا جديدا للأندلس أو شهادة تجلسه في الجنة الى جوار عبد الرحمن الغافقي والصديقين والشهداء، فأقدم باختياره الى مصيره الأسود.
والأمر في هذه الحالة جد خطير، فمن العبث أن تخاطب هؤلاء أو تقدم على إفهامهم كما أشار المتنبي لأن الحديث معهم حماقة تصل الى حد البلية أو المصيبة كما قال أبو الطيب، والحل يكمن في أمرين معا:
الأول الحزم الشديد مع هذه الخلايا السرطانية التي يمكن أن يستفحل خطرها إذا تركت ويشترك في هذا الحزم أو الإجراء المواطن العادي Average Citizen مع كافة الجهات التنفيذية والحكومية.
الثاني سد الثغرة التي نفذ منها الذئب الى تلك الغنم الشاردة ومعرفة سبب شرودها ومعالجته في حينه وهو موضوع المقال القادم. |