الإثنـين 12 يوليـو 2004

 Monday 12, July 2004

لا توجــد أخــبار اليــوم

الصفحة الرئيسية

 

 

 

الســـــامــر

د. السيد عوض عثمان

دينا أديب الشهوان

رامي دعيبس

سلطانة السنجاري

إبراهيم أبو الهيجاء

إبراهيم عبدالعزيز

أحمد أبو حسين

أحمد أبوزينة

أحمد أسد

أحمد الآفغاني

أحمد الحلواني

أحمد الريماوي

أحمد اليازجي

أحمد رمضان

أحمد سعدات

د. أحمد محمد بحر

أحمد منصور الباسل

أسامة سعد الدين

م. أسامة عليان

إسماعيل محمد علي

د. إلياس عاقلة

إلياس فضيل

أمية جحا

أمين الإمام

أمين الغفاري

أنور حمام

م. أوزجان يشار

أيمن الجندي

أ. أيمن اللبدي

أيـــــوب

الأسمر البدري

الجوهرة القويضي

الحقائق

الشهيد المهندس رامي سعد

الطيب لسلوس

المصطفى العسري

د. بثينة شعبان

برهوم جرايسي

بريهان قمق

بشار إبراهيم

بلال الحسن

تركي عامر

تيسير نصر الله

جاسر الجاسر

جاك خزمو

جهاد العسكر

جهاد هديب

حازم أبو شنب

حازم بعلوشة

حسن أبو حشيش

حسن العاصي

د. حسين المناصرة

حسين قبلاوي

حمدي البكاري

حمود المحمود

حنـا عميـــره

حياة الحويك عطية

د. حيدر عبد الشافي

خالد البلعاسي

د. خالد الخالدي

خالد المالك

خديجة عليموسى

خليل العناني

دينا سليم

رجا زعاترة

رشاد أبو شاور

رضا محمد العراقي

رمضان عرابي

رياض خميس

ريان الشققي

ريتا عودة

ريما محمد

زكريا المدهون

زكية خيرهم

سامح العريقي

سري القدوة

سري سمور

سعاد عامر

سعاد قادر

سعود الشيباني

سعيد شبير

د. سلمان أبو ستة

سليم الشريف

سليمان نزال

د. سمير أبو حامد

سمير جبور

سمير جبور

سمير حمتو

د. سمير قديح

سناء السعيد

د. سيد محمد الداعور

د. شاكر شبير

صلاح الدين غزال

ضياء ثروت الجبالي

طارق أبو زيد

طاهر النونو

عادل أبوهاشم

عادل سالم

د. عاصم خليل

عبد الرحيم جاموس

عبد الرحيم نصار

عبد السلام بن ادريس

عبد العزيز الصقيري

د. عبد الغني عماد

عبد الكريم الخريجي

عبد الله الحمد

د. عبد الله النفيسي

عبد الواحد استيتو

عبدالحكيم الفقيه

د. عبدالرحمن العشماوي

عبدالرحمن عبدالوهاب

د. عبدالستار قاسم

د. عبدالعزيزالرنتيسي

عبدالله القاق

عبدالله المعراوي

عبدالمنعم محمد الشيراوي

عبدالهادي مرهون

عبير قبطي

عبير ياسين

د. عدنان حافظ الرمالي

عدنان كنفاني

عرفان نظام الدين

عزة دسوقي

د. عزمي بشارة

عزيزة نوفل

عصام البغدادي

علاء بيومي

د. عماد فوزي شعيبي

غازي الأحمد

غازي السعدي

غازي العريضي

د. غازي القصيبي

غسان نمر

غنام الخطيب

فادي سعد

فادي عاصلة

د. فاروق مواسي

فاضل بشناق

فاطمة ناعوت

فتحي درويش

فتيحة أعرور

د. فوزي الأسمر

د. فيصل القاسم

ليلي أورفه لي

مؤمن بسيسو

مازن الزيادي

ماهر عباس

محمد الرطيان

محمد السائحي

محمد العطيفي

محمد بركة

محمد تاج الدين

محمد حسنين هيكل

محمد حلمي الريشة

محمد صلاح الحربي

د. محمد عابد الجابري

محمد عبدالرحمن عويس

محمد عبدالغفور الخامري

محمد عبدالله محمد

محمد عثمان الحربي

محمد كاديك

محمود درويش

محيي الدين ابراهيم

مراد البخاري

مشعل المحيسن

د. مصطفى البرغوثي

مصطفى شهاب

مصطفى عبد الوارث

مصطفى فتحي

معروف موسى

منذر أرشيد

منير أبو راس

منير أبو رزق

منير شفيق

منير صالح

موسى أبو كرش

ميثم عبدالرحمن عبيد

ميسر الشمري

نائل نخلة

ناجي ظاهر

نادر القصير

ناصر البراق

ناصر السهلي

ناصر ثابت

ناظم الشواف

نايف حواتمة

د. نبيل السعدون

نبيل السهلي

نبيل شبيب

د. نجم عبد الكريم

د. نجوى مجدي مجاهد

ندى الدانا

نزار قباني

نسيم زيتون

نصار الصادق الحاج

نضال حمد

نضال نجار

نضير الخزرجي

نعيمة عماشة

نفين أبو العز

نهلة المعراوي

نواف الزرو

نواف عثامنة

م. نور الدين عواد

د. هارون خالد

هداية درويش

هيثم أبو الغزلان

وجيه مطر

وحيد عبد السيد

وليد الفاهوم

وليد بن أحمد الرواف

وليد رباح

ياسر أبو هين

ياسر الكنعان

يحي أبو زكريا

يحي السماوي

يحيى عايش

يعقوب محمد


أمية جحا


نسيم زيتون


رياض خميس

 

  النص الكاريكاتور

يوميات أبي الحسرة الأيوبي


  الثقافية


  عدنان كنفاني

أيها الأخوة .......


  فاطمة ناعوت

النزهة......


  د.فاروق مواسي

أندلسيات


  ريما محمد

غسان كنفاني الحيّ أبداً...


  د.حسين المناصرة

طواحين السوس


  ليلى أورفه لي

إلى حبيبي في جنين


  سليمان نزال

الآن يصعد غسان ....


  بريهان قمق

غبار الطلع...


  وجيه مطر

أغنيات لرب أريحا


  دينا سليم

قصة قصيرة - عانس


  ناصر ثابت

تنويعات حاقدة .....


  نضال نجار

مأزق الوجود وذاكرة الذاكرة ...


  تركي عامر

خربشات على الغبار


  ريتا عودة

الحلم الأخير


  محمد الرطيان

شماغ الياور


  دينا أديب الشهوان

إدوارد سعيد وملامح لم تقرأ بعد ...


  عبد الواحد استيتو

يوميات زوج فاشل


  فتيحة أعرور

عائد إلى التيه ...


  صلاح الدين غزال

حائط الشجا


  أحمد الريماوي

زغردت فرحًا جنينْ...


  يحيى السماوي

بغداد ... يا أخت هارون


  عبد السلام بن ادريس

اعتزاز ونصوص أخرى


  أيمن اللبدي

العنوان يعتذر .!


  اصدارات

نهض الحجر


كـتاب الحـقـائق  |   الأرشـيف  |    للإتصال بنـا

  إستطلاعات الرأي

 

 

  د. سمير قديح

باحث في الشؤون السياسية و الأمنية - فلسطين

  5/19/2003

في ذكرى الاغتيال معلومات تنشر لأول مرة

 

الموساد تعترف باغتيال الابن المدلل للرئيس ياسر عرفات
رجل الظل ورجل الأمن الأول " عاطف فائق بسيسو "
والذي وصفه الرئيس عرفات بـ " البطل القومي "

شكل قتل الإنسان الفلسطيني إحدى الوسائل لإرهاب الشعب الفلسطيني وإجباره على مغادرة أرضه ووطنه. وقد تنوعت أسباب القتل ودوافعه عند المنظمات الصهيونية ودولة إسرائيل، ولكنها بقيت دائما تغطية للهدف الرئيسي وهو اقتلاع ذلك الشعب من جذوره ودياره، ولو تطلب الأمر إبادة الفلسطينيين حتى لا يعود لاسم فلسطين ومن ينتسب إليها ذكر أو وجود.
فقد كان مصير كل قائد فلسطيني يصل إلى قمة الشهرة والمجد بعد كفاح طويل وسجل حافل بالبطولة والتضحية أن تكون نهايته على يد القتلة أعضاء جهاز المخابرات الإسرائيلية " الموساد " . فهذا الجهاز الإسرائيلي الخطير كانت له اليد الطولى في نيل الكثير من رجال وزعماء منظمة التحرير الفلسطينية عندما ضيق عليهم الخناق وطاردهم في شتى إنحاء الأرض واخذ في تصفيتهم جسديا الواحد تلو الأخر … ولكنهم في النهاية قدموا حياتهم فداء وتضحية لوطنهم.

 "      في 8 حزيران 1992 انطلقت رصاصات غادرة في ليل باريس إلى رأس عاطف بسيسو ، من مسدس كاتم للصوت " ، غير أن الرصاصات التي لم يسمع أحد في الشارع أمام فندق " الميريديان " صوتها . دوت خلال ساعات في العالم كله لتتحدث وسائل الإعلام عن قيادي فلسطيني لم يسمع به كثيرون ، حتى أن شعبنا في الأرض المحتلة استقبل الحدث بدهشة ، والضجة التي ثارت حول اغتياله بدهشة اكبر ، فلم يكن وجهاً معروفاً لدى وسائل الإعلام ، اختار الظل طوال حياته ونضاله في الثورة الفلسطينية ، وحاولت إسرائيل طمس الحقيقة وابعاد الشبهة عن نفسها ، لكن الحقيقة ظهرت والخيوط أوصلت للجهة الحقيقية التي دبرت اغتيال عاطف بسيسو الذي وصفه " أبو عمار " بـ " البطل القومي " .

وتبقى جوانب وإنجازات عظيمة في حياة عاطف بسيسو ستجد طريقها يوماً للمعرفة العامة وللنور ، والذي يعتبر أسطورة أمنية فلسطينية يعترف بها الأعداء والأصدقاء ، آمن بحق شعبه بالحياة حتى قدم حياته بزهد المؤمنين كي يرى شعبه دولة مستقلة لم يستطع أن يراها بنفسه ، فكانت المرارة اكبر في نفوس أحبائه وزملائه في الرحلة الطويلة ، رحلة الشجاعة والإقدام في حرب الأشباح بلا هوادة إنطلاقاً من الأراضي الرملية المتحركة والصخرية الصلبة وفي كل الظروف نحو الهدف ، وبعد أن اعد عاطف بسيسو تصوراً للأمن الفلسطيني في ظل دولة فلسطينية ، تواصلت المسيرة برفاق دربه على الأرض الفلسطينية ، وكلما تعثرت الرحلة على ارض الوطن شعر الرفاق بحاجتهم إلى وجود " أبو اياد " و " عاطف بسيسو " بينهم ، لان فرحة إقامة الدولة بدونهم تبقى فرحة حزينة مكتومة بالدموع والآلام " .

بعد عام 1967 بدأت حركة " فتح " بتشكيل التنظيم الطلابي في لبنان، ولكن سرعان ما قام المكتب الثاني اللبناني بالقضاء على هذا التنظيم والقاء القبض على رموزه ، نتيجة لكون التنظيم لم يتخذ قواعد السرية المطلقة في عمله . فتقرر إعادة ترتيب الوضع التنظيمي لحركة " فتح " في لبنان ، وتقرر تأسيس اللجان
الطلابية ، حيث تم تشكيل لجنة طلابية بسرية تامة وعلى رأسها "عاطف بسيسو". وقامت هذه اللجنة بتشكيل التنظيم الطلابي لحركة " فتح " ، فأسست لجنة التنظيم للجامعة الأمريكية في بيروت ، ولجنة " جامعة بيروت العربية " . وقد شكلت نواة التنظيم السياسي من التنظيم الطلابي ، وكانت مهام التنظيم تحديد كوادر طلابية ، لمهام إعلامية مثل طباعة وتوزيع البيانات الصادرة عن قوات العاصفة على وسائل الإعلام بسرية مطلقة  فكان " عاطف بسيسو " يتولى تزويد ثلاث صحف ، وكان توزيع النشرات والبيانات على الصحف سراً دون احتكاك مباشر مع الصحافة ، حيث كان شعاره دائما " السرية التامة أساس العمل الناجح " . 

في أوائل عام 1968 وصل صلاح خلف " أبو اياد " إلى بيروت قادماً من عمان ومعه تكليف من اللجنة المركزية لحركة " فتح " بتشكيل جهاز أمن أطلق عليه اسم " الرصد الثوري وقد تم " ترشيح "عاطف بسيسو " ليفرز من التنظيم للعمل مع جهاز الرصد الثوري برئاسة  " أبو اياد " .

الأبن المدلل :

ولد عاطف بسيسو في مدينة غزة عام 1948 في بيت والديه بحي الرمال لعائلة فلسطينية ثرية ، يمتد تاريخها لاكثر من أربعمائة عام قبل مجيء مؤسس العائلة من الشام ، وكان لهذه العائلة " بسيسو " أملاك كثيرة في مدينة غزة وبئر السبع ، واشتهرت العائلة بالتجارة والمتعلمين الذين انهوا دراستهم الجامعية في استنبول بتركيا خلال الحكم العثماني لفلسطين وبلاد الشام .

كان خال والده " عاصم بسيسو " أحد مؤسسي " المنتدى الوطني " في تركيا  وهو تجمع وطني وقومي عربي ينادي باستقلال الامه العربية ، وحكم عليه بالإعدام . وكان " خليل بسيسو " جد والده رئيس البلدية وعضو مجلس مبعوثان " البرلمان العثماني " .

كان والده " فائق بسيسو " يعمل مديراً لبنك " الأمة العربية " في الخليل وغزة ، كما كان أميناً لـ " صندوق الأمة " الذي كانت مهمته إنقاذ ارض فلسطين من اليهود ، واعتقل والده ثلاث مرات خلال الانتداب البريطاني ، ونفي إلى طبريا شمال فلسطين ومرة أخرى إلى " عسلوج " جنوبها ، وكان من قادة الثورة الفلسطينية عام 1936 .

وكان والده يحب الصيد ، كما كان يأخذ معه " عاطف " إلى الصيد في قطاع غزة ، وعندما بلغ "عاطف" 12 عاماً ، اشترى له والده سيارة  " لاندروفر " مستعملة ، من قوات الطوارئ الدولية العاملة في قطاع غزة ، وكانت قوات الطوارئ الدولية تبيع أحياناً بعض سيارتها المستعملة ..
تركت هذه الهواية بصماتها لاحقاً على الشاب المدلل ، فنشأ يحب السيارات والصيد والمغامرة ، .. ولم يتخل عن هوايته طوال حياته وحتى استشهاده ..

وفي عام 1965 كان صخر بسيسو ، محافظ خانيونس سابقاً وحالياً محافظ شمال غزة ونائب أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح ، يحمل بعض نشرات العاصفة ، في مهمة تنظيمية لحركة " فتح " وتوجه إلى والد "عاطف" في غزة وسلمه النشرات ، فطلب منه صخر دعماً مالياً لحركة " فتح " فأعطاه في حينها مبلغ ألف
جنيه ..

وعاد صخر بالمبلغ إلى أحد رموز حركة " فتح " حيث سلم المبلغ مجدداً إلى " أبو صبري " ، في ذلك الوقت لم يكن " عاطف بسيسو " يعلم أن صخر عضو بتنظيم حركة " فتح " ، هذه الحادثة كانت منعطفاً في حياة عاطف بسيسو ، رغم انه لم يعلم بها في حينه ، ولكنه وجد نشرات حركة " فتح " في مكتب والده  فاطلع عليها واهتم بها واصبح يتابع أخبار حركة " فتح " ويتمنى الانضمام إليها فقد وجد ضالته " ..

وفي عام 1967 كان " عاطف بسيسو " يدرس الحقوق في جامعة بيروت العربية ، وكان لأسرته منزل في القاهرة في شارع عبد العزيز فهمي ، وهناك عرف بانتماء " صخر بسيسو " لحركة " فتح " . بعد أن غادر القاهرة إلى دمشق للتدريب العسكري في تشرين الثاني 1967 ، وبعد عودة " صخر " إلى القاهرة  تحدث عاطف عن رغبته بالمشاركة والتدريب في حركة " فتح " وقال لصخر انه قرأ النشرات التي كانت تصل إلى والده في مدينة غزة .
وافق " صخر بسيسو " على انضمامه لحركة " فتح " ورشحه أيضاً عام 1968 للانضمام لجهاز " الرصد " وكان " عاطف بسيسو " من أوائل الذين اعتقلوا في لبنان عام 1968 .

الرصد المركزي :

كلف نزار عثمان بتشكيل جهاز " الرصد الثوري " في لبنان ، وكان نائبه عاطف بسيسو ، فتولى " نزار عمار " الجانب المعلوماتي ، بينما تولى  " عاطف بسيسو " جانب تشكيلات قتالية ومجموعات تنفيذية ، وقام " عاطف " باختيار أفراد من داخل التنظيم للقيام بأي " عمليات تعرضية " تطلب من جهاز  " الرصد الثوري " في لبنان ، فقام بتدريب المجموعات السرية وتجهيزها ثم قام بتوزيعها على كل مناطق لبنان من شماله إلى جنوبه ،وهذه المجموعات تولت القيام بمهام صدرت إليها من قيادة الثورة ، مثل ملاحقة بعض العملاء الذين تعاونوا مع الأجهزة الاستخبارية المعادية للثورة الفلسطينية .

في منتصف عام 1968 انتقل " نزار عمار " من بيروت إلى الأردن  ليعمل مع المجموعة التي قامت بتأسيس جهاز الرصد الثوري " الرصد المركزي "  وبهذا فقد تولى " عاطف بسيسو"  قيادة جهاز الرصد المركزي في لبنان .

تميز أداء " عاطف بسيسو " في تلك البدايات بنشاط وفعالية واضحة ، حتى اصبح جهاز الرصد في لبنان رافد أساسي للجهاز المركزي في الأردن .
واثناء توليه قيادة الجهاز في لبنان ، حدثت خلافات بين جهاز الرصد وتنظيم حركة " فتح " فقام " عاطف بسيسو " بايجاد صيغة لحل تضارب المهام وتداخلها بين التنظيم وجهاز الرصد المركزي واستعان بخبرته بصفته احد القيادات الطلابية للتنظيم .

في عام 1971 خرجت الثورة الفلسطينية واجهزتها من الاردن الى   لبنان ، فتواجدت كافة قيادات جهاز الرصد في لبنان ، لتبدأ رحلة اثبات الوجود ..
في لبنان كانت مشاعر المرارة والغضب تتأجج ، فبرزت ظاهرة خروج   " ابو حسن سلامة " من قيادة جهاز الرصد المركزي ، وقيامه بتأسيس جهاز الرئاسة " القوة 17 " ، فقام ابو اياد باعادة تشكيل قيادة الجهاز وضمن التشكيل الجديد كان " عاطف بسيسو " احد اعضاء القيادة المركزية للجهاز برئاسة ابو اياد.

كان " عاطف بسيسو " من انشط العناصر في اختيار وتدريب وتجهيز المجموعات ، لتنفيذ مهام  المرحلة القادمة ، فامتد العمل من لبنان ليصل الى كافة دول اوروبا ، وكان منهمكاً في تلك المرحة  بتجنيد مجموعات اجنبية مساندة للثورة ، ولا سيما من الحركات اليسارية في اوروبا والعالم ، لتأهيلها وتدريبها وتعبئتها ، تم ذلك في معسكرات وأحياناً في بيوت سرية في  لبنان ، وكان دائم السفر لمتابعة هذه المهمات .

خلال تلك الفترة ، تقدمت منظمة التحرير الفلسطينية بطلب الى اللجنة المنظمة للالعاب الاولمبية في المانيا ، مشاركة وفد رياضي فلسطيني يمثل منظمة التحرير الفلسطينية ، وكان الرد هو الصمت المهين .

في ايلول 1972 افتتحت دورة الالعاب الاولمبية في ميونخ ، وقامت مجموعات فلسطينية مسلحة باحتجاز رهائن اسرائيليين من الرياضيين ، وانتهت العملية بمقتل الرياضيين الاسرائيليين ثم واصلت دورة الالعاب الاولمبية نشاطها الرياضي بعد توقف 48 ساعة ، واستغرقت العملية 21 ساعة .

على اثر تلك العملية بدأت الاتهامات الاسرائيلية تلاحق " عاطف بسيسو " بانه ضمن المجموعة المشرفة على التخطيط وتنفيذ عملية " ميونخ " ، رغم انه كان بتونس اثناء تنفيذ العملية ..
كان اليأس قد دفع مجموعة فلسطينية للقيام بتنفيذ عملية " ميونخ " نظراً للاضواء الاعلامية العالمية المسلطة على دورة الالعاب الاولمبية ، لتحسيس الرأي العام العالمي بقضية الشعب الفلسطيني ، وبالمقابل استغلت اسرائيل الصدى الاعلامي لهذه العملية في حينها ، لاتخاذ قرار بتصفية كل من شارك بالتخطيط للعملية ، واعتبرت اسرائيل ان الصدى الاعلامي العالمي للعملية يعطيها الشرعية للقيام بمسلسل اغتيالات ، للانتفام لمقتل أحد عشر رياضياً إسرائيلياً ، ووضعت الموساد اسم " عاطف بسيسو " ضمن القائمة السوداء للاغتيالات .. " وقد تعهد رئيس الموساد امام لجنة الخارجية والامن ورئاسة الوزراء بقيل كل من شارك في عملية ميونخ سواء بالتخطيط او التنفيذ وانة سيلاحقهم مدى الحياة " .

محاولة تفجير طائرة العال في روما ..

اشعلت عملية " ميونخ " الحرب السرية بالاتجاهين بلا هوادة ، وتحولت اوروبا الى مسرح للعمليات الخارجية لمجموعات فلسطينية عديدة ، وبالمقابل دخل الموساد الاسرائيلي الى الميدان يوجه الضربات ويتلقى الضربات أيضاً ، ونتوقف هنا عند احدى العمليات في ايطاليا ، وهي محاولة تفجير طائرة العال   الاسرائيلية ..
في عام 1973 قام " عاطف بسيسو " بالتوجه الى ايطاليا بجواز سفر عربي باسم " الطيب الفرجاني " ، مع مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين . وكان " الشيخ زكريا " قد اعتق في ايطاليا قبل وصول المجموعة بفترة ..
وطبقاً لخطة العملية فقد حصلت المجموعة على صاروخ من احدى السفارات العربية في روما ، ووضعت الهدف بتفجير طائرة العال الاسرائيلية في مطار روما .

وبخطأ غير متوقع فقد انكشفت العملية عندما وقع الصاروخ على الارض وكان مموهاً بقماش واشياء ، فاعتقلت المجموعة من قبل البوليس الايطالي ..
بعد اعتقال " عاطف بسيسو " تعرض للتعذيب ، وتدخلت المخابرات الاسرائيلية للتأكد من شخصية " الطيب الفرجاني " المثبته في جواز سفره   العربي .
اصر " عاطف بسيسو " على انه مواطن لتلك الدولة وعلى صحة البينات الواردة في جواز سفره .
المخابرات الاسرائيلية اكدت للمخابرات الايطالية ان المعتقل هو " عاطف بسيسو " وليس الشخص المسمى " الطيب الفرجاني " ، ولكن عاطف رفض الاعتراف بشخصيته الحقيقية .. واثناء اعتقاله اوصل له " الشيخ زكريا " رسالة تقول ان الموساد يخطط لتصفية " عاطف بسيسو " في السجن .
بعد ان فشلت المخابرات الاسرائيلية باثبات شخصية " عاطف بسيسو " حاولت القيام بلعبة اخرى لاثبات اتهامها امام الاجهزة الايطالية .
فقامت المخابرات الاسرائيلية في غزة باستدعاء والدته اثناء اعتقاله في روما ، وطلبت المخابرات الاسرائيلية من والدته زيارة ولدها في السجن في ايطاليا ان رغبت بذلك ، ففهمت والدته القصد الخبيث ، ورفضت بدورها الاعتراف مطلقاً بان ابنها معتقل في ايطاليا او انها ترغب بالسفر ..

كان " عاطف بسيسو " يتوقع في السجن خطوة كهذه ، بان يتم جلب احد افراد اسرته لزيارته ولكشف شخصيته ، فهيأ نفسه بعدم التعرف على أي زائر .. وفشلت محاولة المخابرات الاسرائيلية مرة اخرى ، فخططت لاغتياله ، هذه المرة  بعد ان قامت السلطات الايطالية بالافراج عنه بحيث يتوجه الى ليبيا .. فأقلعت طائرة عسكرية ايطالية تحمل " عاطف بسيسو " و "غسان طه " باتجاه ليبيا  وقامت بالهبوط في قاعدة عسكرية بريطانية في مالطا ،وكان معهما عدد من كبار الضباط في الأمن الايطالي ،وواصلت الطائرة رحلتها الى أحد المطارات الليبية  فنزل " عاطف بسيسو "و "غسان طه " وعادت الطائرة وأقلعت في الجو .. وبعد دقائق انفجرت الطائرة في الجو ، وقتل الطاقم الايطالي والوفد العسكري .
وبقيت هذه القضية لغزاً في ايطاليا ، حتى أن البرلمان الايطالي أثار هذه القضية مجدداً في عام 1996 حول اسباب انفجار الطائرة في الجو ومقتل كبار الضباط الايطاليين ..

كانت عملية مطار روما من العلامات البارزة في حياة " عاطف بسيسو " في مرحلة تحطيم الزجاج قبل أن يبدأ بإصلاح الزجاج المحطم .

وفي عام 1974 وبعد الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، اتخذت منظمة التحرير  قراراً بإعادة تنظيم أجهزتها الأمنية  ومن ضمن تلك القرار تأسيس " جهاز الامن الموحد " برئاسة صلاح خلف "أبو اياد " باعتباره الجهاز الامني المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وطبقاً لهذا القرار والتوجه والمهام يفترض ان يتشكل من كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، كما اتخذت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قراراً بتشكيل جهاز الأمن والمعلومات " الامن المركزي " برئاسة ابو الهول  وتحددت مهام هذا الجهاز بحركة " فتح" فقط .

كان "عاطف بسيسو " الرجل الثالث في جهاز الأمن الموحد اسمياً ، والثاني فعلياً وفي مرحلة لاحقة أوكل له" أبو إياد" إدارة الأمن في جهاز الأمن الموحد .
وجرى تعيين " أمين الهندي " نائباً لرئيس الجهاز ، وفي مرحلة لاحقة تولى كلا الرجلين أمين الهندي وعاطف بسيسو مهمة نائب لرئيس جهاز الأمن الموحد كل باختصاص ومهام ، وخاصة بعد عام 1982 تحددت القيادة الأولى لجهاز الامن الموحد ، بقيادة ثلاثية " ابو اياد " ، " أمين الهندي " ، "عاطف  بسيسو " .
ومع تأسيس جهاز الأمن الموحد ، بدأت في حياة عاطف بسيسو مرحلة العمل الأمني الخلاق ، فقد تشكل هذا الجهاز من كوادر بخبرات خاصة ، وتميزت معظم كوادره ممن شاركوا في عمليات خارجية فاتجه " أبو اياد " الى تدريب كوادر جديدة واستقطاب كفاءات أمنية وأوكل هذه المهمة لمدير الأمن " عاطف بسيسو "
 وحول هذه المهمة يقول " عاطف بسيسو " : " لقد كانت مهمتي صعبة  بعد ان أصبحت الثورة الفلسطينية تواجه هجمة استخبارية دولية ، كان لدي طريقتي الخاصة باستقطاب العناصر والكفاءات لتدريبها وتكوينها ضباط أمن  لدى بعض المخابرات في العالم أسلوب بطلب علني من خلال وسائل الاعلام تجنيد ضباط أمن ، ولو فعلنا ذلك لتبرعت بعض أجهزة المخابرات بعناصر مدسوسة  لذلك اتبعنا طريقة معقدة بترشيح أي عنصر للعمل في جهاز الأمن الموحد " .

مكافحة التجسس :

تولى " عاطف بسيسو " مسئولية ادارة مكافحة التجسس في جهاز الامن الموحد ، في ظل اصعب الظروف الامنية التي عاشها لبنان بعد اندلاع الحرب الاهلية في عام 1975 ، حيث تحول لبنان الى ساحة تستقطب اهتمام معظم اجهزة المخابرات في العالم ، وكان للعديد من اجهزة المخابرات العالمية نشاطها السري في لبنان من خلال افراد وشبكات تجسس وتداخل مع نشاط بعض التنظيمات اللبنانية " الكتائب " .
ونجحت ادراة مكافحة التجسس بالكشف عن العديد من شبكات التجسس الاسرائيلية والافراد من العملاء ، الذين شكلوا مصدراً هاماً للموساد للحصول على المعلومات السرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها ، ولكن لبنان تحول فعلاً الى " دوريات امنية " بفعل الحرب الاهلية ، فكان هنالك اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية ، واجهزة الامن السورية والمكتب الثاني اللبناني بينما فتحت بيروت الشرقية " الكتائب " الباب على مصراعيه بالتنسيق مع الموساد ، اضافة للشريط الحدودي الذي اقامته اسرائيل بعد عام 1978 .

ومن اهم الشبكات التجسسية الاسرائيلية ، التي وجهت من قبل الموساد ، والتي قامت بالتسلل الى بعض مواقع العمل الخارجي ولجان العمل الخارجي المضاد لاسرائيل ، مثل قضية اللبناني " ط. ع" والتي ساعدت شبكته ، الموساد بكشف نوايا عمليات خارجية لمنظمة الصاعقة الفلسطينية ، ثم ساعدت الموساد باغتيال زهير محسن .
وقد قام " عاطف بسيسو " بالكشف عن هذه الشبكة ومتابعتها بكفاءة عالية  والتي كان من ضمن مهامها توجيه ضرب اهداف اسرائيلية من الموساد مثل الكنيس اليهودي وقطار المهاجرين اليهود في المانيا   .
تمكنت مكافحة التجسس في جهاز الامن الموحد ، من اكتشاف عدد من اجهزة الاتصال السرية الاسرائيلية في لبنان  والتي كان الموساد يزود بها عدد من عملائه . وكانت في غاية الدقة والتطور التكنولوجي ، وقد جرى تنسيق بين جهاز الامن الموحد وجهاز المخابرات العامة المصرية لاجراء الدراسات على هذه الاجهزة المتطورة والاستفادة من تطورها في مكافحة النشاط التجسسي الاسرائيلي .
وقد استطاع جهاز الامن الموحد اكتشاف جهاز ارسال اسرائيلي في  بيروت ، كان يعتبر اهم انجاز تكنولوجي واجريت عليه ابحاث عديدة بالتنسيق مع المخابرات المصرية .

يقول " عاطف بسيسو " : " لقد كنا نواجه في لبنان مشكلة حقيقية بالحصول على وسائل اتصال ومعدات كان جهاز الامن الموحد يحتاجها خاصة في ادارة مكافحة التجسس ، ولم نستطع الحصول على الاجهزة المتطورة ، حتى من الكتلة الشرقية او من " السوق السوداء " ، وتوصلنا الى قناعة بوجود توجه دولي بعدم حصولنا على اجهزة اتصال متطورة نظراً للجهود المكثفة التي بذلت من طرفنا للحصول على مثل هذه الاجهزة ، وعلى مستوى " السوق السوداء " الدولية السرية كانت أيضاً تفرض بيعنا اجهزة محددة بينما كانت تعرض علينا اجهزة اخرى اقل تطوراً " .
هذه المشكلة التي واجهتها اجهزة الامن الفلسطينية كانت تعني ان هنالك سقف للنشاط الامني الفلسطيني في لبنان وخطوط حمراء حددتها توجهات دولية  لذلك لم تستطع اجهزة الامن الفلسطينية رصد البث اللاسلكي لشبكات الموساد العاملة في لبنان الا من خلال الكشف عن اعضاء هذه الشبكات التجسسية .
ورغم الصعوبات البالغة أحياناً ، تحققت نجاحات نوعية حظيت باعجاب وتقدير اجهزة الامن الدولية الصديقة التي قامت بالتنسيق مع جهاز الامن الموحد  وقدرت الاجهزة الصديقة انها تتعامل مع حالة امنية جدية وجهاز ناشئ بكفاءات  مما جعل جهاز الامن الموحد يهتم بالتنسيق الامني لتعويض جوانب يحتاجها في عمله ، وتحديداً مع اجهزة المخابرات لدول اوروبا الشرقية ، التي فتحت المجال للدورات الامنية وتعاونت الى قدر كبير بالتنسيق مع جهاز الامن الموحد في متابعة بعض القضايا وكشف هوية ضباط الموساد العاملين في اوروبا .


محطات التجسس الاسرائيلية :

استفادت الموساد كثيراً من الحصانة الدبلوماسية لسفاراتها في اوروبا والعالم  واستغلت الوضع الدبلوماسي لتشكيل محطات تجسس اسرائيلية في كافة دول العالم التي تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل .
ووظفت الموساد امكانات مادية ضخمة لاقامة تلك المحطات والحفاظ على سريتها ، ورغم السواتر التي استخدمتها في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية فقد اديرت المحطات التجسسية للموساد من خلال ضباط عاملين في السفارات الاسرائيلية تحت غطاء دبلوماسي .

وكانت الحرب السرية قد بدات بين اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية والموساد ، في الظلام ، ولكن مخابرات اوروبا الشرقية كانت ترصد محطات التجسس الاسرائيلية بشكل دائم ، وتتابع كافة التطورات لتلك المحطات ، وتكون لدى اجهزة المخابرات الشرقية ارشيف سري هام للغاية ، افاد منه جهاز الامن الموحد قدر المستطاع ، في قضايا محددة في ادارة العملاء المزدوجين وقضايا امنية اخرى . وقد احترف " عاطف بسيسو " المناورات الامنية حتى اصبح من القلائل على مستوى اجهزة منظمة التحرير الفلسطينية بالمستوى الذي وصل اليه  واكتسب تجربة وخبرة رفيعة المستوى ، خاصة على مستوى مكافحة نشاط الموساد . واستطاع " عاطف بسيسو " الحصول على جزء من ارشيف مخابرات اوروبا الشرقية المتعلق بنشاط شبكات التجسس الاسرائيلية في اوروبا وبعض الدول العربية ، بما فيه أحياناً صور شخصية لضباط الموساد الين عملوا بسرية وبأسماء وهمية ،فحدد شخصيتهم وأسمائهم الحقيقية وخلفية عن حياتهم الشخصية والمهنية ، فكان أداءً متكاملاً حققته من خلال بوابة التنسيق الأمني .
 
التنسيق الأمني في لبنان :

بعد فترة وجيزة من تأسيس جهاز الأمن الموحد ، قرر " أبو اياد " إقامة علاقات للتنسيق الامني مع مخابرات الإتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية مثل : ألمانيا الشرقية ، بلغاريا ، تشيكوسلفاكيا ، يوغسلافيا .
وقد اقام " أبو اياد " هذه العلاقات واشرف على متابعتها " عاطف بسيسو " انسجاما مع سياسة منظمة التحرير الفلسطينية بإقامة علاقات وثيقة مع هذه الكتلة .

وقد اقيمت هذه العلاقات على أسس تبادل المعلومات والخبرات الأمنية والتقنية ومكافحة النشاط التجسسي الإسرائيلي .
وكان " عاطف بسيسو " لديه نظرة مستقبلية للعمل الأمني ، دائم التفكير بالخطط والخطط المستقبلية ، فسعى لتشكيل دائرة متكاملة للأمن ، فاشرف على ارسال كوادر من جهاز الامن الموحد في دورات أمنية متعددة الى الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية ، لتدريب أعضاء وكوادر الجهاز في كافة المجالات ، حتى توصل لاتفاق مع بعض أجهزة المخابرات الاوروبية الشرقية بفتح معسكرات تدريب خاصة في مجال الأمن .

وحصل جهاز الأمن الموحد بموجب علاقات التنسيق الأمني ، على منح دراسية في دول أوروبا الشرقية لدراسة الامن على المستوى الاستراتيجي  استغرقت احدى تلك المحن مدة أربع سنوات كاملة للحصول على درجة البكالوريوس في الأمن . كان " عاطف بسيسو " يرسل أحد أعضاء الجهاز الى بلد ما ، يوجهه بتعلم اللغة ، ويطلب منه الاطلاع على معلومات حول ذلك البلد من خلال الصحف ووسائل الاعلام ، يرسله ويتركه لفترة لبناء علاقات ولا يكلف بعمل أمني لاحتياجه في الوقت المناسب .

كان يحب النظام ، شجاع ، وصفه زملائه ب" البرنس " ، يبادر بنفسه أثناء القيام بأي مهمة ، ويوجه العاملين معه باستمرار مما يكسبهم التجربة ، يحب الانضباط والنضام ، وكان يرى هذه الصفات من أفضل مميزات العمل الامني  كان يرشد ويناقش الموضوع مع عضو الجهاز المعني بالأمر ، ولديه قدرة فائقة على العمل بسرية تامة .
تتلمذ على يد " عاطف بسيسو " عدد كبير من الضباط والقيادات الأمنية  وكان هاجسه تطوير دائرة الأمن ، بتدريب الشباب وتعليمهم القواعد والأسس العلمية الأمنية ، فأفاد من العلاقات السياسية المميزة لمنظمة التحرير الفلسطينية مع الدول الاشتراكية وبعض الدول العربية ، لاستثمارها أمنياً .
أعطى منذ بداية تأسيس جهاز الأمن الموحد الأولية للدورات الأمنية التي كان يحتاجها الجهاز ، فاستطاع معظم الكادر الذي عمل مع " عاطف بسيسو " أن يحصل لكل ضابط ما بين 3-4 دورات أمنية كحد أدنى في الاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية في كافة التخصصات الأمنية . 

يقول " ابو عاطف "  احد الضباط الذين عملوا مع " عاطف بسيسو " : " في عام 1983 أرسلني الى دورة أمنية في تشيكوسلوفاكيا لمدة ثلاثة أشهر ، وفي حزيران 1983 طرحت الأكادمية الأمنية ضمن التعاون المشترك ، منح مقعدين لفلسطين لدراسة القانون والأمن ومدة الدراسة ست سنوات  ويحصل الطلاب على دكتوراه في القانون والعلوم الأمني ، فرشحني " عاطف بسيسو " للدورة الجديدة ووافقت .
كان يزورنا في الاكاديمية باستمرار ويشجعنا ، خاصة انه تخصص محدود في منظمة التحرير الفلسطينية ، وقد شارك بهذه الدورة الدراسية حوالي 20 دولة من : كوبا ، فيتنام ، انغولا ، غينيا بيساو ، موزمبيق ، نيكاراغوا ، اليمن  الجنوبية ، فلسطين ودول اخرى " .
بعد انهاء الدورة الاكاديمية الامنية لمدة ست سنوات ، عاد " ابو عاطف " الى تونس ، فاصبح " عاطف بسيسو " يعتمد على تلميذه في مجالات عديدة مثل المهام الامنية الخارجية ، التعامل مع الوفود الامنية الخارجية ، فتح محطات في دول ما ، مساعدة الضباط هناك ، فقد كان " عاطف بسيسو " يعتقد ان خط الدفاع الامني الاول ليس في تونس وانما يبدأ من المحطات الخارجية ، في الوسط الفلسطيني لحماية الشعب الفلسطيني في اماكن تواجده وحماية الجهاز العسكري . واشرف " ابو عاطف " على مكتب " عاطف بسيسو " مديراً لمكتبه.

بداية التحول :

بعد تاسيس جهاز الامن الموحد في عام 1974 ، بدأت عملية تحول جذرية في اسلوب واداء " عاطف بسيسو " ، فقد طوى صفحة نشاطاته العسكرية التي واكبت مرحلة " اثبات الوجود " للثورة الفلسطينية ، لتبدأ مرحلة ارساء ركائز شرعية منظمة التحرير الفلسطينية واستثمار الدعم السياسي الدولي الواضح لمنظمة التحرير منذ عام 1974 ، ضمن واقع لبنان واندلاع الحرب الاهلية وتشابك اداء الفصائل والتنظيمات الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ، وبعد ان بدأت مرحلة الصراعات الدموية في لبنان .
لم تكن شخصية " عاطف بسيسو " معروفة على صعيد الثورة الفلسطينية بشكل علني ، واختار لنفسه طريقاً منذ البداية بعيداً عن الاضواء ووسائل   الاعلام ، فلم يتحدث مطلقاً لأي صحيفة او وسيلة اعلام طوال حياته ، ولم تظهر صوره الشخصية من خلال وسائل الاعلام مطلقاً الا بعد استشهاده ، وكان الوصول اليه يتطلب معرفة شخصية .

حدد أيضاً دائرة علاقاته الشخصية بما يخدم خططه الامنية التي عكف على ابتكارها وتوظيفها في عملية بناء متواصلة في كل الظروف لجهاز الامن   الموحد .
وامام كل نجاح حققه كان يشعر بمزيد من الحذر من اغتيال متوقع ، ثمناً لذلك النجاح الامني .
"ابو اياد " كان مهندس نظرية " تسخير العمل الامني خدمة للاهداف السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية " ، بهدف تثبيت شرعية منظمة التحرير الفلسطينية وقراراها السياسي ضمن المعطيات التي كانت قائمة انذاك ، عربياً ودولياً وفلسطينياً .

منذ البداية حدد قناعاته داخل حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بالعمل في ظل ابو اياد وهذا الاختيار معروف وسجل لعاطف بسيسو ومشهود على مستوى حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ، التزم بهذا النهج طوال حياته وحتى استشهاد ابو اياد وبقي وفياً لنهج معلمه .
كانت عملية الانتقال من جهاز الى اخر في حركة فتح عملية ممكنة وسهلة أيضاً ، ولكن ارتباط عاطف بابو اياد تجاوز حدود العلاقة النضالية والعملية الى العلاقة الابوية .. شان العديد من الكوادر والقيادات الذين ارتبطوا معنوياً بالرموز التاريخية لحركة فتح وعندما اختفى امين الهندي في لبنان، اعلن ابو اياد استنفاراً في جهاز الامن الموحد للبحث عنه وكان يصرخ في وجه معاونيه : انه أمين .. ولدي !!

جمعت المحبة والتضحية والاخلاص هؤلاء الرجال ، فكانت قيادة تاريخية لجهاز الامن الموحد ، في عام 1972 كان " عاطف بسيسو " محط الانظار .. فرفض كل العروض وتمسك بقائده ابو اياد ، رفض الملايين من الدولارات  مليوني دولار رفضها " عاطف بسيسو " مقابل موقف سياسي في مشروع سياسي في المنطقة العربية .. وشهد ابو اياد صلابة " عاطف بسيسو " وتمسكه بقضية شعبه .
تحدث " عاطف بسيسو " عن هذه الحادثة ، ساخراً بمرارة من البعض الذين استنكروا عليه هوايته المعروفة بقيادة السيارات ، وعندما اقتنى في لبنان سيارة حديثة مكشوفة ( SPORT ) ، اشتراها من ماله الخاص المرسل اليه من اهله في قطاع غزة ، انبه ابو اياد على شراء تلك السيارة فقال له : انك تعلم كيف اشتريت السيارة من مالي الخاص . قال ابو اياد : ولكنهم لا يعلمون .

منذ تاسيس جهاز الامن الموحد طبق ابو اياد سياسة ثابتة تميز بها   الجهاز ، سياسة التقشف وأحياناً لدرجة الزهد ، لان ابو اياد كان يرى بان المال مفسدة .. وعايش " عاطف بسيسو " رحلة التقشف كاملة ، ولم يتعارض معها  ورفض ان يتجه لاي جهاز اخر في منظمة التحرير الفلسطينية ربما كانت سياسته المالية مختلفة ، رغم العروض المتكررة في بداية الطريق ، حتى وصل البعض الى قناعة . عندما تجاوز " عاطف بسيسو " حدود الرفض الى العمل الجاد على محاربة التجاوزات ، فرفض دائماً منح الشرعية لاي خطأ او مخطئ ، فكان مشاكساً ، ورغم دبلوماسيته المعروفة ، لم تسعفه بالتستر على تجاوزات  مرفوضة ، فحاربها بالقنوات الشرعية من خلال ابو اياد وقيادة الثورة الفلسطينية .
بشخصيته المميزة ، واسلوبه الساخر تغلب على عجزه عن معالجة امور وقضايا لم يستطع معالجتها ، لكنه لم يمنحها شرعية مطلقاً .

كانت لديه قدرة على جذب محدثيه ، فاستطاع بناء علاقات مع شخصيات سياسية واعلامية ، استخدم فيها سعة اطلاعه وخبرته وادراكه لخفايا الامور ، ولم يعرف الثرثرة مطلقاً في القضايا الاساسية السرية ،كما تعامل مع دائرة علاقاته العامة بسرية أيضاً ولم يكن من السهل حصر هذه العلاقات .

الشاعر الفلسطيني احمد دحبور عرفه عن قرب ، في احدى الدول بعد ان شهد " عاطف بسيسو " يفض خلافاً عابراً بين صديقين من ادباء فلسطين احدهما الشاعر معين بسيسو ، وعلى طريقته الخاصة أيضاً عندما يئس من الاصلاح  فقال : الان ساطلق النار على نفسي ان لم ينته هذا الخلاف .
فضحك الجميع وتصافح الاديبان ، وسكن احمد دحبور بجوار منزل     " عاطف بسيسو " ووعده عاطف بزيارته وبقيت الزيارة مؤجلة حتى استشهد .. وأنشد فيه احمد دحبور قصيدة جميلة بعد استشهاده بعنوان : " جار الرضا " .

وسط المنافسة المشروعة في اوساط اجهزة امن منظمة التحرير   الفلسطينية ، اعترف الجميع بقدراته الخاصة وكفاءته واخلاصه ، لمن احبه منهم وللذين كرهوا نجاحاته .. فاستطاع ترويض نفسه على قتل الرغبة في حب الظهور داخله ، فاختفى يعمل بصمت كرجل ظل ، ولدى قطاع واسع من الشعب الفلسطيني لم يسمع بعاطف بسيسو سوى عند الاعلان عن استشهاده في باريس  ودهش الكثيرون من الضجة الاعلامية حول اغتيال هذا المسئول .. المجهول .

كان دائم التذمر والشكوى من الاوضاع الخاطئة ، وفي الوقت نفسه يتجه لاصلاحها ، لتصويب الاداء ، ويعبر عن رأيه في مواقف كثيرة بسخرية ، فكان خفيف الظل .. اشتكى احد ضباطه يوماً بان " عاطف بسيسو " لا يكلفه بمهام فعلق على ذلك قائلاً : " لو كلفته بمهمة سرية ، ووجد في الطريق نفراً من اصدقائه لاخذهم معه الى مهمة يجب ان لا يطلع عليها احد ، هذه طبيعته لا استطيع تغيرها ، ولكن اكلفه بمهام ادارية غير حساسة .. " .

لم يكن مغروراً ولكنه كان واثقاً بنفسه ويخشى الفشل دائماً ، قبل ان يقوم باي عمل كان يضع امامه كافة الاحتمالات ، يحاول ان لا يترك احتمالاً مهما كان ضعيفاً .. ولم يتحدث مطلقاً يوماً بغرور عن جهاز الامن الموحد ، كما لم يقلل من شأنه ، كان يضع الجهاز ضمن الوضع الحقيقي الذي وصل اليه ، إيجاباً وسلباً ويسعى لتطوير الجهاز ، فقد اعطى معظم وقته لبناء الجهاز منذ تاسيسه وعلى مدى 18 عاماً ، بدون انقطاع وفي كل الظروف ، مع رفاقه في قيادة الجهاز .

الجيش الفلسطيني  :

 في عام 1982 اندلعت الحرب وكانت حربا حقيقية شاملة بين جيشين ، استغرقت حوالي ثلاثة اشهر ، ولكنها لم تكن مفاجأة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، بل كانت متوقعة والنوايا الاسرائيلية كانت مبيته للقيام بحرب واسعة النطاق في لبنان ، فاهتم " عاطف بسيسو " بنقل الوثائق السرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وجهاز الامن الموحد خارج لبنان قبل اندلاع الحرب واثناءها أيضاً ، اضافة الى المهمات السرية التي كان يكلف بها من قبل ابو اياد ، فغادر بعد الحرب بيومين الى ابو ظبي مع مساعد له ثم عاد الى الحدود السورية اللبنانية يتابع الاتصالات والنشاطات الامنية في ظل ظروف الحرب .

يقول " عاطف بسيسو " : " خلال فترات عديدة معروفة تعرضت مكاتبنا الى الاغلاق ، او الاستيلاء عليها من قبل الدول العربية بسبب خلافات سياسية  ولكن اتحدى ان حصلت تلك الدول على وثيقة سرية واحدة بموجب الاستيلاء على المكاتب ، لقد كنا ننقل وثائقنا فوراً عندما تلوح الخلافات السياسية في الافق  وحتى في الظروف العادية ، بشكل منتظم الى بلدان اخرى وفي بيوت سرية لضمان عدم وصولها لاي جهة ، اصبحت مكاتبنا الرسمية وحتى منازلنا خالية من أي وثائق .

وقد استثمر جهاز الامن الموحد علاقاته الامنية الخارجية جيداً في كافة الجوانب لتوفير الحصانة والسلامة للجهاز ، حتى اوجد قواعد امنية استراتيجية في العالم خاصة في اوروبا الشرقية خلال تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان .
وضع ابو اياد الشروط والمقاييس لموافقة الامن الموحد على اقامة تنسيق امني مع أي بلد اوروبي والولايات المتحدة الامريكية ، ولم يتنازل مطلقاً ، رغم حاجة منظمة التحرير الفلسطينية في تلك المرحلة فتح حوار مع الولايات المتحدة الامريكية .
وكانت شروط ابو ياد : " الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية ، التنسيق السياسي أولاً ثم التنسيق الامني ثانياً " .
اما تبادل المعلومات والتدريب والقضايا الاخرى لم يبحثها الامن الموحد قبل ضمان حصوله على الشرطين السابقين .
وبالتالي تقدم التنسيق الامني بشروط ابو اياد بطيئاً خلال السنوات الاولى ، ولكن ضغط الارهاب دفع مجدداً هذا التنسيق ، وفتح جهاز الامن الموحد البوابات المغلقة في اوروبا .
 
 
مكافحة الارهاب :

كانت باريس المحطة الاولى والاهم في التنسيق الامني مع دول اوروبا  فنشط الوسطاء السريون لتوسيع الدائرة اوروبياً ، وهؤلاء الوسطاء كانوا من الفلسطينيين او العرب او الاوروبيين ، فانضمت المانيا واسبانيا والنمسا واليونان وايطاليا كدول اساسية في علاقات التنسيق الامني .
وبعد ان نجح جهاز الامن الموحد باقامة علاقات تنسيق امني مع المخابرت الفرنسية ، اهتمت اوروبا بهذه القضية ، نظراً للتنسيق القائم بين دول اوروبا  وان تميزت سياسة فرنسا بكونها " الابن العاق للولايات المتحدة الامريكية  في اوروبا " وبريطانيا الاكثر قرباً من السياسة الامريكية في اوروبا .
كانت موجة العنف تجتاح اوروبا خلال عقد الثمانينات ، ولاسيما منذ عام 1985 ، فشهد ذلك العام عمليات خطيرة ، في قبرص ، وعملية أكيلي لاورو وكانت مبعث اهتمام بالغ من اسرائيل وايطاليا والولايات المتحدة الامريكية  إضافة الى عمليتي فيينا وروما ، نفذهما تنظيم "ابو نضال " في كانون الاول 1985 وعمليات اخرى مثل عملية مقهى " لابيل " في المانيا .

بعد عمليتي فيينا وروما  في نهاية عام 1985 ، قام "عاطف بسيسو " بزيارة النمسا ، واجتمع مع وزير الداخلية النمساوي ، حيث كانت النمسا قد اقامت علاقات للتنسيق الامني مع جهاز الامن الموحد ، وكان الوزير النمساوي غاضباً في الاجتماع واخذ يهدد بأنه سيقطع دابر الارهاب .
أجابه " عاطف بسيسو " : " لن تستطيع القضاء على الارهاب ، انا هنا في النمسا واستطيع غداً ان ادخل اسلحة الى النمسا ومسدسا الى مكتبك ان اردت .. القضية ليست في الاجراءات الامنية وانما في القضية الاساسية التي تحتاج الى حل وهي القضية الفلسطينية ولن يتم القضاء على الارهاب بدون حل جذريللقضية الفلسطينية باقامة دولة فلسطينية .
عاد الوزير الى الهدوء ، وفهم قصد " عاطف بسيسو " لان اسلحة ادخلت للنمسا في السابق من خلال فرقة موسيقية اوروبية !!

رغم ادراك دول العالم بعدم مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية عن العمليات الارهابية ، وان منظمة التحرير الفلسطينية اتجهت للاعتدال والتسوية السلمية ، فقد وظف جهاز الامن الموحد " الارهاب " في مباحثاته المكثفة مع أجهزة المخابرات الاوروبية لصالح حل القضية الفلسطينية .

كان " اعلان القاهرة " بوقف العمليات الخارجية ، في تشرين الثاني 1985  نقطة تحول جرية لمكافحة الارهاب على نطاق واسع ، ولكن بالمقابل بقي حق منظمة التحرير الفلسطينية باستخدام اسلوب الكفاح المسلح داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة ، بقي قائماً واشرف عليه " أبو جهاد" وبدأ الصراع الخفي  والمعركة الخطيرة مع الارهاب ، حتى استطاع جهاز الامن الموحد ان يفشل ما يزيد عن مائتي عملية ارهابية في اوروبا خلال عقد الثمانينات
وحصلت بالمقابل منظمة التحرير الفلسطينية على موقف سياسي اوروبي متقدم مساند لشرعية منظمة التحرير الفلسطينية دولياً ولقراراتها السياسية ومهدت بقوة لمؤتمر مدريد للسلام ، وكان الثمن حياة " أبو إياد " و " عاطف بسيسو " .

لم يتوقف احد كثيراًعند سياسة ادارة الصراع خلال الثمانينات بالصورة المنظمة سياسياً ، وعسكرياً وامنياً بحلقات متكاملة ، بسبب الضجيج آنذاك وتلاحق الاحداث ودوي " الارهاب " في كل مكان ، عندما اعتقدت بعض المنظمات الفلسطينية المنشقة انها تقطع الطريق على سياسة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية  بدلاً من ذلك استطاعت قيادة منظمة التحرير ان توظف " الارهاب " الذي استهدف به ، لصالح توجهاتها بطريق غير مباشر بعد ان تخلصت من " عبء " المواقف الداخلية الضاغطة عليها بفعل اختيار المعارضة للانشقاق والانفصال عن سياسة منظمة التحرير الفلسطينية .
 
عمليات خاصة :


في عام 1985 اكتشف جهاز الامن الموحد مجموعة فلسطينية دخلت تونس بجوازات سفر مغربية مزورة ، اقامت في ضاحية " المرسى " في تونس العاصمة وتنتمي المجموعة الى تنظيم ابو نضال ، وكانت ضاحية المرسى تتواجد بها منازل ومكاتب بعض قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ، وتم ابلاغ اجهزة الامن التونسية من خلال سفارة فلسطين في تونس ، ولكن المعلومات وصلت متأخرة فقد قامت اجهزة الامن التونسية بتمشيط ضاحية المرسى بحثاً عن المجموعة التي غادرت الاراضي التونسية ، ولم تحقق اهدافها انذاك .
وجاءت العملية الثانية ، في عام 1986 ، بعد ان تلقت اجهزة الامن المغربية معلومات مسبقة من احدى الدول العربية المشرقية ، حول محوعة فلسطينية من ضمنها فتاة تونسية ، تحمل متفجرات بهدف القيام بعملية ارهابية  في المغرب .

وبسبب حصول المغرب على المعلومات مسبقاً ، تم القبض على المجموعة في المطار ، وكانت هذه العملية ستلقي بظلالها على العلاقات الفلسطينية  – المغربية والعلاقات الفلسطينية التونسية ، بسبب مشاركة فتاة تونسية ، وعلى الفور سافر " عاطف بسيسو " مع احد مساعديه الى المغرب وعمل على اطفاء الحريق قبل ان تندلع النيران .. وكانت العملية بعد زيارة شمعون بيرس للمغرب واجتماعه علناً مع الملك الحسن الثاني ، وتوضحت الحقائق للمغرب ، كما توضحت أيضاً لتونس .
واخذ ابو اياد موقفاً حازماً ومتشدداً تجاه هذه القضية لمحو اثارها السلبية  واستطاع تجميد عضوية احد اعضاء المجلس الثوري لحركة فتح كاجراء رادع .

مثل هذه العمليات التي تكررت كثيراً خلال الثمانينيات ، لم يكن دور جهاز الامن الموحد ، سواء أوروبياً او عربياً " باطفاء الحرائق " تقديم المجاملات الساسية ، وانما كشف الحقائق والجهات والابعاد والاهداف ، ولم يستطع فعل ذلك لو لم يتوفر لديه شبكة اتصالات وعلاقات ومعلومات واسعة امتدت من اوطن العربي الى معظم دول العالم ، ليحصل على المعلومات المسبقة الوقائية او تفسير سريع لعمليات حصلت وبوقت سياسي .

ولم ينقطع " عاطف بسيسو " مطلقاً في ظل سياسة عقد الثمانينيات ، السياسة الامنية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، عن تنظيم الدورات الامنية لكوادر وضباط جهاز الامن الموحد ، في بلدان اوروبا الشرقية ، بل توصل لاتفاقيات مع فرنسا واسبانيا لتدريب بعض ضباط جهاز الامن الموحد وكان هذا الاتفاق في حينه يعتبر انتصاراً باهراً ، جعل المخابرات الامريكية تطلب بدورها اقامة علاقات تنسيق امني مع جهاز الامن الموحد .

الولايات المتحدة الامريكية :

تابعت الولايات المتحدة الامريكية باهتمام تطور علاقات التنسيق الامني بين جهاز الامن الموحد ودول اوروبا ، ولم تحاول عرقلة هذه التجربة ، قياساً للمحاولات الاسرائيلية ، حيث عملت المخابرات الاسرائيلية على اعاقة التنسيق الامني ، باستخدام اسلوب التحريض لدى الاجهزة الامنية الاوروبية ثم لجأت الى تسريب معلومات كاذبة حول مشاركة المانيا في عملية اغتيال ابو حسن سلامة قائد القوة 17 ، واساليب اخرى كانت مكشوفة لدى اوربا وجهاز الامن الموحد .

وفي عام 1986 بدأت المخابرات الامريكية بالتحرك لاقناع ابو اياد باقامة تنسيق امني مع الولايات المتحدة الامريكية ، من خلال وسطاء من الدول الاوروبية التي اقامت علاقات تنسيق امني ، ووسطاء اخرين من العرب .
كانت دوامة الارهاب تتصاعد ضد المصالح الاوروبية والامريكية والاسرائيلية ، وكان الرئيس الامريكي رونالد ريغان قد اخذ على عاتقه القضاء على الارهاب ، وتقدمت المخابرات الامريكية بطلب غير رسمي الى ابو اياد لتحديد شروطه لاقامة علاقات تنسيق امني مع الولايات المتحدة الامريكية ، فحدد ثوابت التنسيق الامني الاساسية أولاً ، وكان رد الولايات المتحدة الامريكية بانها ترغب في التنسيق الامني فقط دون السياسي .

ووجه ابو اياد رداً قاسياً للولايات المتحدة الامريكية بقوله : " نحن لسنا عملاء لاجهزة المخابرات في العالم ، لا نقدم خدمات لتلك الاجهزة ، وانما نقيم علاقات تنسيق امني وتبادل معلومات مع اجهزة المخابرات التي تعترف دولها بالحقوق المشروعة لشعبنا ، باقامة دولة فلسطينية ، ولن نقيم علاقات تنسيق امني مع الولايات المتحدة الامريكية قبل ان تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني " .

وتعثرت الاتصالات رغم المحاولات المتكررة من طرف الولايات المتحدة الامريكية ، حتى نجحت بعد ان قررت الولايات المتحدة الامريكية فتح حوار رسمي مع منظمة التحرير الفلسطينية في تونس من خلال السفير الامريكي روبرت بليترو .

وتطورت علاقات التنسيق الامني مع المخابرات الامريكية باتصالات تابعها " عاطف بسيسو " في تونس بزيارات سرية لبعض الوفود الامنية الامريكية الى تونس ، ولقاءات اخرى تمت في اسبانيا وبعض الدول الاوروبية الاخرى مثل فرنسا والمانيا عام 1991 ، شارك بها " عاطف بسيسو " وعمل على تطويرها .

وحتى استشهاد " عاطف بسيسو " في 8 حزيران 1992 لم يجتمع مطلقاً مع اجهزة الامن الاسرائيلية ، بل كان ما يزال يخوض حرباً سرية لمكافحة نشاط المخابرات الاسرائيلية ، ونظراً لان التنسيق الامني مع اسرائيل جاء بعد اتفاق اوسلو في 13 ايلول 1993 ، حيث فرضت الاتفاقيات وجود هذا التنسيق مع      " الشاباك " " المخابرات العامة الاسرائيلية " ، ورغم الطلب المتكرر للموساد الاسرائيلي باقامة تنسيق امني مع المخابرات الفلسطينية ، بقي هذا الطلب مرفوضاً ولم تنجح الموساد مطلقاً بعقد لقاءات ، نظراً لان الموساد المسئول عن اغتيال رموز اجهزة الامن الفلسطينية مثل " ابو اياد " " ابو الهول " و " فخري العمري – ابو محمد " و " عاطف بسيسو " ، فالحاجز النفسي كبير من الصعب تجاوزه  اضافة الى شهداء اللجنة المركزية لحركة فتح وقائمة طويلة من كوادر منظمة التحرير الفلسطينية قامت الموساد بتصفيتها جسدياً .

مكافحة نشاط الموساد :

وضع جهاز الامن الموحد استراتيجية لمكافحة نشاط الموساد ، بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982 ، على نستوى منظمة التحرير الفلسطينية والوطن العربي والعالم فيما يتعلق بنشاطات الموساد الموجهة ضد منظمة التحرير الفلسطينية ، وعمل " عاطف بسيسو " بمهمات متداخلة متشابكة لاعادة ترتيب اوضاع جهاز الامن الموحد طبقاً للمرحلة الجديدة ، فاعطى الاهمية والاولوية لتواجد الجهاز في عدد كبير من دول العالم ، نظراً لان دول العالم حيث الجاليات الفلسطينية  كانت الخطوط الدفاعية الامنية الامامية للنشاط الاستخباري الاسرائيلي ، لكن المهمة كانت صعبة على ارض الواقع وبقدر النجاح الذي تحقق كان الاحباط والمرارة .

كان تركيز " عاطف بسيسو " على دول اوروبا ، باعتبار ان نشاط الموساد في عمليات التجنيد معظمها يتم في اوروبا ، وركز على متابعة النشاطات الاستخبارية الاسرائيلية باقامة شبكات اتصال داخل الارض المحتلة وتابعها من بلدان عربية مجاورة " دول مواجهة " .
ولانجاح المهمة ، فقد احتاج جهاز الامن الموحد لاقامة علاقات تنسيق امني مع الدول العربية ، رغم ان هذه العلاقات كانت قائمة مع عدد من الدول العربية اثناء وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان ، مثل سوريا ، التي اقامت علاقات تنسيق امني متميزة مع الامن الموحد ، في مجال مكافحة نشاط الموساد ، ولكن الخلافات السياسية لاحقاً اعاقت تواصل التنسيق ، رغم ان اللقاءات الامنية استمرت خلال الثمانينات مع قادة الاجهزة الامنية السورية في دول اوروبا الشرقية وغيرها ، بهدف العمل على انهاء الخلافات السياسية وشارك " عاطف بسيسو " بهذه الاجتماعات في اواخر عام 1985 . في لبنان قدمت سوريا تسهيلات كبيرة لجهاز الامن الموحد في اطار التنسيق الامني وتحققت انجازات حقيقية في تلك الفترة .

كان جهاز الامن الموحد يبادر بحرص كبير لاقامة علاقات تنسيق مع عدد من اجهزة المخابرات العربية لمكافحة نشاط الموساد ، وبقي طلب الامن الموحد بدون موافقة في العراق ، حتى بادر العراق في نهاية الثمانينات بطلب اقامة تنسيق امني ، وتمت اتفاقية للتنسيق مع المخابرات العراقية .
لم يكن التنسيق مثالياً مع بعض اجهزة المخابرات العربية ، فقد قام الموساد بتجنيد شاب فلسطيني ، وقام الشاب بابلاغ جهاز الامن الموحد ، حيث اشرف    " عاطف بسيسو " على تشغيله كعميل مزدوج ، فطلبت المخابرات الاسرائيلية     " الموساد " من الشاب التوجه الى احدى الدول العربية التي ارتبطت باتفاقية تنسيق امني مع جهاز الامن الموحد ، وكان " عاطف بسيسو " حريصاً على معرفة المهام التي ستوكلها الموساد للشاب في ذلك البلد ومن سيتصل به هناك .

فقام بتوجيه رسالة رسمية الى مخابرات ذلك البلد العربي حول مهمة الشاب ، وطلبت الرسالة تسهيل مهمته باعتباره تحت سيطرة الامن الموحد .

فور وصول الشاب لذلك البلد بدأت مراقبة استفزازية مكشوفة ، فعادالشاب واتصل بالامن الموحد بانه انكشف ولا داعي لاكمال المهمة ، فاضطر الامن الموحد لرساله ثانية لضمان خروج الشاب سليماً !!
مثل هذه الحادثة كانت خيبة امل لعاطف بسيسو ، وتوصل الى قناعة بان بعض الدل العربية حددت سياسة امنية بعدم التعرض لنشاط الموساد .

بالمقابل وافقت المخابرات الجزائرية على تشكيل وحدة وحدة في اجهزة الامن الجزائرية لمكافحة النشاط التجسسي الاسرائيلي ، خلال عقد الثمانينات  وقد قام " عاطف بسيسو " بالاتفاق مع المخابرات الجزائرية على تدريب الوحدة من خلال مجموعة من ضباط جهاز الامن الموحد ، وقاموا فعلاً بتدريب ضباط المخابرات الجزائرية على اساليب المخابرات الاسرائيلية " الموساد " خاصة بعدان اصبحت الجزائر هداً للنشاط الاستخباري الاسرائيلي .

في اوروبا نشطت محطات جهاز الامن الموحد ، سواء اوروبا اشرقية او الغربية لمكافحة النشاط الاستخباري الاسرائيلي ، وكانت احدى ثمرات التنسيق الامني مع دول اوروبا .
ان " عاطف بسيسو " دخل الى الدوائر الحمراء مجدداً ، من خلال عملية بحث صعبة ، حول تغلغل الموساد في اجهزة الامن الاوروبية ، وبهذا البحث والتحرك وضع يده في فرن ملتهب .. لم يكن أيضاً هذا النشاط الواسع ، في مكافحة نشاط الموساد في اوروبا من خلال بوابة التنسيق الامني ، ثم رفض ابو اياد لاقامة تنسيق امني مماثل مع الولايات المتحدة الامريكية ليمر بسلام .

فقد اعقب رفض ابو اياد حملة ضغط واضحة تعرض لها جهاز الامن الموحد ، حتى ان " عاطف بسيسو " جرى توقيفه في احدى الدول العربية مدة ثمانية ساعات في عام 1987 ، بسبب ضغط امريكي واضح .. وجرى توقيفه لدى جهاز مخابرات عربية اقام علاقات تنسيق امني مع جهاز الامن الموحد ثم تعثر التنسيق ، واخلي سبيله بهدوء ، ولكن الساعات الثمانية لم تكن هادئة على الاطلاق  وكان تهديد ابو اياد قوبل باخلاء سبيل عاطف والاعتذار أيضاً .
ورغم مرارة تلك الاحداث ، فان جهاز الامن الموحد كان متفهماً للضغوط التي تمارس والتحريض الاسرائيلي – الامريكي  على جهاز الامن  الموحد  .
  
اغتيال ابو اياد :

كانت علاقة " عاطف بسيسو " مع عاطف ابو بكر علاقة مميزة والاتصالات مستمرة قبل انشقاق ابو بكر عن تنظيم ابو نضال في ليبيا كجزء من نشاط  " عاطف بسيسو " الامني على مستوى المنظمات الفلسطينية المتطرفة .
وقد توصل عاطف ابو بكر لقناعة بالانشقاق عن التنظيم وطلب من    " عاطف بسيسو " المساعدة في الاجراءات اللازمة لذلك . وفعلاً تمت العملية بعد ان انضم اليه عبد الرحمن عيسى ، وذلك بعد مقتل احد كوادر التنظيم ابو مصطفى فراس في ليبيا .
كانت قضية انشقاق " عاطف ابو بكر وعبد الرحمن عيسى " ربما قصمت ظهر تنظيم " ابو نضال " ، وكانت آخر ضربة  يوجهها ابو اياد للتنظيم ، حيث كشف هذا الانشقاق عن قضايا داخلية خطيرة للتنظيم ، حتى كشف هذا الانشقاق عن قضايا داخلية خطيرة للتنظيم ، اشبه بالخرافة ، من الاعدامات والقاء الجثث باعمدة بناء العمارات في ليبيا .. والمشاركة مع الموساد في اغتيال ابو جهاد .

لكن المعلومات التي ادلى بها " عاطف بسيسو " في تونس بعد الانشقاق اعادت التساؤلات ودوامة الالغاز حول تنظيم " ابو نضال " فقد اكد عاطف ابو بكر وجود عضو من تنظيم " ابو نضال " شارك بعملية اغتيال ابو جهاد ، فاعتقل عضو التنظيم في ليبيا ثم افرج عنه لوجود شقيقيه في تنظيم " ابو نضال " .
"عاطف بسيسو " لم يكتف بسماع هذه المعلومات بل طلب من ابو بكر ان تسمع ام جهاد " انتصار الوزير " بنفسها ، وفعلاً اكد عاطف ابو بكر ذلك بحضور ام جهاد و " عاطف بسيسو " . لقد كان تأثير انشقاق عضوي قيادة تنظيم " ابو نضال " المسئول الاعلامي عاطف ابو بكر ، والمسئول العسكري والامني عبد الرحمن عيسى ، سيئاً بكشف قضايا وملفات التنظيم .

زيارة اخيرة:

بعد احتلال العراق للكويت في الثاني من آب 1990 ، اختلطت الاوراق في الوطن العربي ، ونشطت الدبلوماسية واجتماعات القمة على مستوى العالم . وتكثفت الاتصالات والتشاور ، والوساطات ولتحركات العسكرية أيضاً ، واصبح الشرق الاوسط على فوهة بركان . وفي ظل هذا الوضع الدولي الخطير ، كان هنالك من يفكر باغتيال ابو اياد وينتظر الفرصة . كانت زيارة ابو اياد للاردن في اواخر كانون الاول 1990 " زيارة وداع " . ومكث في عمان اسبوعين ، وتوافد رجال منظمة التحرير الفلسطينية في الاردن ال مقر اقامته . وشارك في احتفال جماهيري والقى كلمة مؤثرة . ولكن احد ضباط جهاز الامن الموحد في عمان  استطاع ان ينقل ابو اياد سراً الى الاغوار يوماً كاملاً ، ليستعيد ذكريات معركة الكرامة ، فقضي يوماً مختفياً بسعادة غامرة في منطقة الكرامة والاغوار .. حيث شهدت البدايات المسلحة والتحدي للجيش الاسرائيلي وكسر شوكة " الجندي الذي لا يقهر " .
في تلك المرحلة حدثه الضابط بأن هنالك من يرغب بإعادة طباعة كتابه    " فلسطين بلا هوية " فقال ابو اياد : " لا مانع لدي وابلغه تحياتي ، لكن بشرط ان لا يعيد نشر فصل " حرب الاشباح " !!

بعد ايام غادر الاردن متوجهاً الى تونس ، وكان يتطلع الى استكمال انجاز تحقق على مستوى اجهزة امن منظمة التحرير الفلسطينية ، بتوحيد جهازي الامن الاساسين وهما : جهاز الامن الموحد وجهاز الامن والمعلومات " الامن   المركزي " .

وكان القرار قد اتخذ على مستوى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وتم الاتفاق على دمج الجهازين بإطار جهاز واحد برئاسة " أبو اياد " ونائبه "ابو الهول "  وفي 14 كانون الثاني 1991 ، توجه مع صديقه المخلص ونائبه في جهاز الامن الموحد " فخري العمري – ابو محمد " الى منزل " هايل عبد الحميد – ابو الهول " ليلاً ، وكان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش قد وجه انذاراً للعراق لانسحاب من الكويت ، في تلك الليلة دخل "حمزة ابو زيد " احد مرافقي " ابو الهول " الى الصالون حيث يجلس القادة الثلاثة ، واطلق النار على "ابو اياد " فحاول ابو الهول الوقوف فأطلق القاتل الرصاص على رجليه فسقط على الارض ، ارتمى " ابو محمد العمري " على " ابو اياد " ليحميه ويتلقى الرصاص بظهره .. واستشهد القادة الثلاثة بأيدي عملاء الموساد الاسرائيلي .

بعد اغتيال " ابو اياد " قام " عاطف بسيسو " بالتحقيق مع القاتل ، ثم نقل " حمزة ابو زبد " من تونس الى اليمن بالطائرة ، ولم يكن نادماً على فعلته أثناء نقله بالطائرة .. واستكمل التحقيق مع القاتل في اليمن .. وبقيت حلقات مفقودة في قضية " حمزة ابو زيد " وتساؤلات حول الجهة الحقيقية التي اعطته التعليمات باغتيال " ابو اياد " .
"عاطف بسيسو " الاكثر حرفية ، اتخذ قراراً برد الاعتبار لجهاز الامن الموحد والثورة الفلسطينية ، فقد كان اغتيال قائده الذي عمل معه كظله مدة خمسة وعشرون عاماً ، كان صفعه مدمرة نفسياً ومعنوياً بالدرجة الاولى .
ومنذ 14 ‏كانون الثاني‏ 1991 وظف " عاطف بسبيسو " كل الامكانيات وشبكة اتصالات جهاز الامن الموحد سراً لجمع المعلومات والخيوط الخفية والتفاصيل ، حتى اكتمل ملف اغتيال "ابو اياد " .

بعد اغتيال " ابو اياد " جاء وزير الداخلية الفرنسي لتونس ، وكان صديقاً شخصياً ل" ابو اياد " ، وقدم تعازيه والحكومة الفرنسية لقادة منظمة التحرير الفلسطينية وذوي الشهيد .. وقبل ان يغادر تونس عائداً الى باريس ، ترك الوزير الفرنسي مرافقيه الفرنسيين والتونسيين والفلسطينيين واختفى . 
وبحثوا عنه فوجدوا الوزير يجلس قرب قبر " ابو اياد " يبكي صديقه !! كانت معاني الوفاء والتضحية عظيمة في قضية اغتيال " ابو اياد " فنائبه ضحى بحياته ليتلقى بجسده الرصاص ليحمي قائدة " .

كانت ضربه قاسية اخرى تعرضت لها استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية ، خلال عقد الثمانينات ، بسقوط احد اعمدتها الاساسية " ابو اياد " لاضعاف توجهات منظمة التحرير الفلسطينية وحصارها والضغط عليها داخلياً بفقدان رموز مرحلة ما قبل مؤتمر السلام في مدريد .. فجاء دور " عاطف بسيسو " لانقاذ الاستراتيجية الامنية الفلسطينية من اانهيار ، فقد كان المحور واعتمد عليه " ابو اياد " نظراً لانه كان لديه نشاطه ومسؤولياته السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية ، بينما كان " عاطف بسيسو مهيأ لان يكون ناجحاً ، فأرسى ايضاً نمط علاقات الند للند ، وفرض دائماً على محاوريه احتراماً كبيراً لعاطف بسيسو .

لم تكن الحرب التي اعلنها جهاز الامن الموحد على " الارهاب " خلال عقد الثمانينات ، حرباً تكتيكية ، بل خاض المعركة حتى نهايتها ، وانفجر الصراع بصورة دموية في نهاية الامر ليتحول " الارهاب " الموجه لاوروبا والولايات المتحدة الامريكية الى حرب أعلنها تنظيم " ابو نضال " على قيادة جهاز الامن الموحد وتحديداً " ابو اياد " و " عاطف بسيسو " .
"عاطف بسيسو " كان ربما الاكثر فهماً ل"ابو نضال " قبل اغتيال " ابو اياد " ولم يكن كراهية شخصية له ، بل كان حزين على " ابو نضال " واهتم بالحوار معه لنبذ " الارهاب " ، ولم يرغب مطلقاً بأن يخرج الصراع عن اطاره ليدخل في اطار تصفية حسابات وانتقام .
كان " عاطف بسيسو " يعتقد ان " ابو نضال " يستطيع انذاك ، نبذ " الارهاب " وطوى الصفحة ، ولكنه كان يشعر بالالم نتيجه لاصرار " ابو نضال " على خوض الشوط حتى نهايته .  بعد اغتيال " ابو اياد " لم يعد مجالاً للحلول الوسط مع " ابو نضال " .

انطلاقة مدريد :

ما ان وضعت حرب الخليج اوزارها ، حتى انطلقت مبادرة للرئيس الامريكي جورج بوش الاب لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط ووافقت جميع اطراف الصراع على عقد المؤتمر في مدريد في 30 تشرين الاول 1991 . وبعد ان انتهت ترتيبات الوفود المشاركة في مؤتمر مدريد غادرالوفد الفلسطيني برئاسة د. حيدر عبد الشافي من عمان الى مدريد ، وكان توجيه واختيارمنظمة التحرير الفلسطينية للوفد المشارك سريا .. وقبل وصول الوفد ، كان " عاطف بسيسو " يشارك رسميا في مدريد باجتماعات الوفود الامنية لكافة الدول المشاركة في مؤتمر مدريد ، كما عقد اجتماعات تنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع جهازالامن الموحد .
 
وكان المطلوب ايضا ، تأمين اتصالات اعضاء الوفد مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس اثناء انعقاد المؤتمر واجتماعات خاصة في مدريد بصورة سرية ، وقد استطاع القيام بمهمتة بنجاح كبير حتى طريقة خروج ودخول بعض اغضاء الوفد من ابواب خلفية لاجتماعات مع مسؤولين في منظمة التحريرالفلسطينية والعودة لقاعة الاجتماعات بعيداً عن الاعين ، بتنسيق مع اجهزة الامن الاسبانية.

استغرقت مهمة " عاطف بسيسو " في مدريد عشرة ايام ، قبل واثناء انعقاد المؤتمر ، ولعب دوراً بارزاً في هذا المؤتمر انطلاقا من ايمانه بأهمية هذا المؤتمر لتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني .
على هامش انعقاد المؤتمر ، شارك بالاجتماعات الامنية لوفود الدول المشاركة ، واجتمع رسمياً مع وفد امني من وكالة المخابرات المركزية الامريكية  وفتحت البوابة الكبرى ، وكان ذلك الاجتماع الرسمي تتويجاً لاتصالات سابقة  ولكن "الموساد" الاسرائيلي بدأ بالعد التنازلي منذ انعقاد المؤتمر والنجاح الذي حققه " عاطف بسيسو " .

في قصر الصنوبر :    
                                                                           
أثناء انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط ، تواجد وفد فلسطيني سراً مثل عاطف بسيسو ود. نبيل شعت وأكرم هنية ، وغيرهم ، وكانت للوفد مهمات مختلفة امنية مثل عاطف بسيسو وسياسية مثل د. نبيل شعت ، وعمل عاطف بسيسو من خلف الكواليس بالتنسيق مع اجهزة الأمن الاسبانية ، وبالتنسيق مع الوفد السري ايضاً ، دون محاولة الاحتكاك بأعضاء الوفد الفلسطيني المعلن والمشارك بصفة علنية .

واثناء انعقاد المؤتمر وصلت تعليمات من الرئيس "ابو عمار " برغبته بالاجتماع سراً وخارج اسبانيا مع الوفد المشلرك في المؤتمر ، وقام عاطف بسيسو باجراءات العملية ، وارسل مع د. نبيل شعت رسالة الى اعضاء الوفد ذات مضمون غامض ، شخصية هامة ترغب بلقاء الوفد سراً .
وتجمع اعضاء الوفد الفلسطيني ، دون معرفتهم بالشخصية التي ترغب بالاجتماع معهم او مكان اللقاء ، وكان عاطف بسيسو حريصاً على سرية الموضوع بدرجة قصوى .
وليلاً توجه الوفد مع د. نبيل شعت واكرم هنية خارج منطقة المؤتمر الى مطار صغير في مدريد ، ووجدوا بانتظارهم طائرة خاصة ، وابلغوا آنذاك انهم بالطريق الى الاجتماع مع الرئيس ابو عمار .
وغادرت الطائرة الخاصة الساعة العاشرة ليلاً الى الجزائر ، وهناك توجهوا فوراً الى مقر الصنوبر ، حيث اجتمع الرئيس ابوعمار مع الوفد لمدة ثلاث ساعات بحضور بعض اعضاء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، وجرى نقاش طويل حول سير اعمال المؤتمر ، وقبل الفجر كانت الطائرة تهبط في المطار الصغير في مدريد ، ليعود اعضاء الوفد الى الاجتماعات بهدوء دون ان يشعر احد بهه الرحلة الليلية السرية ، التي قام بترتيبها عاطف بسيسو، وبعد انتهاء اعمال المؤتمر عاد الوفد الى الاردن .
ويصف د. زكريا الاغا ، العضو المشارك بالمؤتمر ( عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة فتح حالياً اجراءات الرحلة بأنها كانت بغاية الدقة ومثالية بالسرية .
 
الموساد وعصابات المافيا .. خطة إغتيال عاطف بسيسو :

خلال شهري نيسان وآيار 1992 ، كانت اجهزة الامن الفلسطينية قد حصلت على معلومات من مصادر امنية مختلفة ومنها دول اوروبا الغربية ، بموجب التنسيق الامني وتبادل المعلومات ، بان الموسساد الاسرائيلي اعد قائمة سوداء لعدد من مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية للاغتيال قبل الانتخابات الاسرائيلية ، وشعر  " ابو عمار" ان اسرائيل تدبر عملية خطيرة في شهر نيسان وتذكر شهداء اللجنة المركزية  . فقد نفذت الموساد اغتيال القادة في عملية الفردان وابو جهاد في نيسان . وحاول ابو عمار ان لا يستقر في مكان فقام بزيارات لدول عديدة بهدف تفويت الفرصة على المخابرات الاسرائيلية ، وطلب من مساعديه اخذ الحيطة والحذر خاصة في اوروبا .. ومنهم كان " عاطف بسيسو " .

الاحساس الداخلي لابو عمار دفعه للابتعاد فترة عن تونس ، حتى سقطت الطائرة في الصحراء الليبية " طائرة النجاة " في نيسان 1992 .
كانت طائرة ابو عمار قد رصدت تحركاتها المخابرات الاسرائيلية حتى سقوطها ، لانها كانت هدفاً أساسياً للموساد . وقد تأكد ذلك بالدليل القاطع بعد الحادث ، عندما قامت اذاعة اسرائيل ببث تسجيل صوتي لنداءات الاستغاثة التي وجهها قائد الطائرة في الصحراء الليبية قبل سقوطها . وقالت اذاعة اسرائيل ان احد الهواة الاسرائيليين قام بتسجيل النداءات !!

طبعاً المسألة واضحة ان يتابع احد " الهواة " نداءات طائرة ابو عمار على بعد الاف الاميال باجهزة متطورة لغاية !! والحقيقة ان المخابرات الاسرائيلية تابعت " الهدف " حتى سقوط الطائرة .

خلال تلك الفترة كان الاحساس بالموت يسيطر على " عاطف بسيسو "  فهناك جهتان تتسابقان للوصول اليه ، تنظيم ابو نضال والموساد الاسرائيلي . وكان لديه معلومات حول خطر يتهدد حياته من احدى الجهتين .
وفي منزله بتونس سيطرت اجواء القلق على المنزل ، ولاول مرة ، فاخذ احتياطات امنية مشددة في المنزل  فمنع اطفاله من اللعب بحديقة المنزل ، وكان متوتراً على غير عادته . اوصى زوجته باخذ الحيطة والحذر وخاصة اثناء خروجها من المنزل مع الاطفال . استغربت زوجته كل تلك الاجراءات والحذر والتوتر ، فقالت له : لقد كنت في السابق تتعرض لمحاولات اغتيال وتنجو منها .. ما الذي تغير الان ؟

لقد تعرضت في لبنان لمحاولة اغتيال من تدبير الموساد وبواسطة الجاسوسة " امينة المفتي " وغير ذلك ، لماذا هذا القلق ؟!
في بيروت كانت الجاسوسة امينة المفتي اختارت السكن في بناية مجاورة لمنزله ، واكتشفها الامن الفلسطيني واعترفت انها كانت ترصد تحركات " عاطف بسيسو " لاغتياله على يد الموساد ، وجرى لاحقاً تسليم الجاسوسة لاسرائيل وتمت المبادلة باسرى من منظمة التحرير الفلسطينية وهما : مهدي بسيسو " ابو علي " ووليام نصار . تعرض أيضاً لكمين نصبه تنظيم ابو نضال لاغتيال " عاطف بسيسو " في عام 1990 في دولة اوروبية ، ونجا عاطف من تلك المحاولة ، بعد انشقاق عاطف ابو بكر وعبد الرحمن عيسى .

قال " عاطف بسيسو " لزوجته : " المرحلة الان خطيرة للغاية .. من يسلم فقد سلم "! تغير سلوكه قبل ان يغادر تونس بفترة وجيزة ، فقد تزايد الاحساس الداخلي بالموت ، فاصبح ياخذ اطفاله معه الى الجبل في تونس ويجلس منفرداً لساعات يفكر .. لاحظ زملائه في الجهاز انه تحول الى اللامبالاة  في الاحتياطات الامنية والحذر الذي تعود عليه طوال حياته ، فاصبح يردد : " لا يمنع        حذر من قدر " .

من الواضح ان مخاوف " عاطف بسيسو " لم تكن بسبب التحذيرات التي تلقاها من مصادر مختلفة ، وانما نابعة من احساس داخلي .. لكنه سرعان ما تجاوز ذلك الاحساس وواصل نشاطه في منتصف ايار 1992 ، فقد حدد خط رحلة عمل لعدة دول في العالم ، وكان خط السير : " تونس – مدريد – هافانا – برلين – باريس  - مارسيليا -  تونس " .

اتصل " عاطف بسيسو " بعدنان ياسين ، بسفارة فلسطين بتونس ، والذي اكتشف لاحقاً تعاونه مع المخابرات الاسرائيلية ، وكان عادة ما يتولى ضمن نطاق عمله في سفارة فلسطين متابعة الشئون والقضايا الجمركية والتسهيلات التي منحتها الخارجية التونسية لسفارة فلسطين ، وطلب من عدنان ياسين القيام بالاجراءات الجمركية لادخال سيارة الى تونس قادمة بالباخرة من ميناء مرسيليا .
وكان اخ زوجته ديما السبع المقيم في الولايات المتحدة الامريكية قد اتصل بعاطف بسيسو وابلغه بانه سيرسل له سيارة لاندروفر للصيد ، نظراً لمعرفته بهواية " عاطف بسيسو " ، فاتفقا على ان يرسل السيارة بالباخرة الى ميناء مرسيليا ، حيث سيقوم " عاطف بسيسو " بشحن السيارة الى ميناء تونس .

في فترة سابقة كان عدنان ياسين قد التقى بـ " عاطف بسيسو " في باريس في فندق الميريديان اثناء احدى زياراته لفرنسا ، وبعد ذلك كان عدنان ياسين يحاول اسداء أي خدمة لعاطف بسيسو .. ولكن هذه المرة كانت " خدمة قاتلة " .. كما ادى خدمة ملغومة لابو مازن " محمود عباس " بشحن اثاث مكتبه بعد ان زرعت به الموساد اجهزة تنصت وفي تونس أيضاً قبل ان يكتشف عدنان ياسين وقد زرعت الاجهزة الدقيقة في ظهر المقعد الذي كان يجلس عليه ابو مازن وفي مصباح المكتب الخاص بالقراءة والكتابة .

وبهذا تحدد خط سير " عاطف بسيسو " على الاقل في بعض المحطات من خلال خط سير سيارة اللاندروفر من الولايات المتحدة الامريكية حتى وصولها لتونس . وهذا الامر ابقى ، ربما ، " عاطف بسيسو " على اتصال مع عدنان ياسين خاصة في المرحلة الثانية والحاسمة من رحلته ، وبعد ان وصلت سيارة اللاندروفر الى المانيا بدلاً من ميناء مرسيليا نظراً لان اخ زوجته لم يجد باخرة آنذاك تصل الى مرسيليا ، فقام بشحن السيارة الى المانيا .

في منتصف ايار 1992 غادر " عاطف بسيسو " تونس الى مدريد ، حيث قام بمهمة سريعة ، وواصل رحلته الى كوبا في زيارة رسمية ، بهدف اجراء مباحثات مع اجهزة المخابرات الكوبية ، حول الجالية الفلسطينية في كوبا  واستكمال التنسيق بين جهاز الامن الموحد والمخابرات الكوبية بشان مكافحة النشاط الاستخباري الاسرائيلي في امريكيا اللاتينية . كما قام اثناء زيارته التي استغرقت عشرة ايام بمهمات خاصة تتعلق بتواجد ونشاط جهاز الامن الموحد في كوبا وبعض مناطق امريكيا اللاتينية ومتابعة دورات امنية لعدد من         الضباط في كوبا .
خلال اقامته في كوبا اتصل " عاطف بسيسو " بزوجته مرات قليلة ، نظراً لصعوبة الاتصال من كوبا .

معلومات في يوغسلافيا :

كان جهاز الامن والمعلومات " الامن المركزي " والذي كان يترأسه الشهيد هايل عبد الحميد " ابو الهول " ، ومنذ اغتياله في 14 كانون الثاني 1991 ، تولى الاشراف على الجهاز طارق ابو رجب ، والذي تربطه بعاطف بسيسو علاقة نضالية ومودة معروفة على مستوى جهازي الامن الموحد للامن المركزي ، لعبت دوراً هاماً في تحقيق خطوة استراتيجية بدأ بها قادة الجهازين الشهداء ، وتحولت المسئولية الكبيرة الى قيادات امنية ذات كفاءة عالية " امين الهندي ، طارق ابو رجب ، عاطف بسيسو " ، شكلوا بعد 14 يناير 1991 وحدة قيادية واحدة .

كان جهاز الامن والمعلومات قد ركز جهوده في اوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية ، على متابعة نشاط الموساد الاسرائيلي ، وفي يوغسلافيا كان ضابط الامن والمعلومات تميز بالذكاء الحاد والشجاعة وحظيت قدراته بتقدير المسئولين في منظمة التحرير الفلسطينية ، وبعد مطاردة الولايات المتحدة الامريكية لابو العباس بعد عملية اكيلي لاورو ، استطاع ان يقوم بتهريب ابو العباس من يوغسلافيا رغم الرقابة التي تكثفت حول مقر اقامته في براغ  عندما استخدم " بدائل " وماكياج واشخاص اعدهم بشبه كبير مع ابو العباس  وغادروا المقر المشتبه به بموكب يستخدمه ابو العباس عادة لصرف الرقابة ، ثم اكتشفت الرقابة انهم اشخاص عاديون .
اما ابو العباس الحقيقي فقد غادر برفقة ضابط الامن الفلسطيني فقط وبسيارة اجرة عادية … الى المطار .

قبل 25 يوماً من اغتيال " عاطف بسيسو " حصل الضابط على معلومات محددة بان الموساد الاسرائيلي قرر اغتيال " عاطف بسيسو " في باريس او تونس والشخصية الثانية كانت امين الهندي الذي خضع لمراقبة الموساد كهدف ثاني .

وقام الضابط بابلاغ قيادة جهاز الامن والمعلومات في تونس ليلاً باتصال هاتفي عند الساعة الثالثة فجراً مع طارق ابو رجب .

كان " عاطف بسيسو " قد غادر الى كوبا ، رغم ان المعلومات لم تكن جديدة ، على المعلومات التي توفرت لجهاز الامن الموحد قبل سفر " عاطف بسيسو " ولكنها كانت تحمل تفاصيل دقيقة ، وطلبت استفسارات من ضابط الامن وقدم اجابات عليها حول المصدر .. او المصادر !

عصابات المافيا :

بعد ان قام الموساد بمحاولة اغتيال ابو حسن سلامة قائد القوة " 17 " في النرويج ، وقتل عن طريق الخطأ عامل مغربي يدعى احمد بوشيكي ، حيث القت قوات الامن النرويجية القبض على مجموعة من ضباط الموساد الاسرائيلي  وتسببت ذلك العملية الفاشلة في منتصف عقد السبعينيات بازمة دبلوماسية بين النرويج واسرائيل . تحاول الموساد بعد ذلك استخدام عناصرها وضباطها في عمليات الاغتيالات بطريقة مباشرة ، في اوروبا ، واعتمدت لتنفيذ اهدافها على عصابات المافيا والقتلة المحترفين في اوروبا . اما ضابط الموساد الذي كان يكلف هؤلاء القتلة بالتنفيذ مقابل مبالغ مالية كبيرة ، كان عادة يعمل في العصابات المعروفة لابعاد أي خيوط تصل الى الجهة الحقيقية .. وهي الموساد ..

وفي عام 1979 قامت المخابرات الاسرائيلية " الموساد " باغتيال زهير محسن الامين العام لمنظمة الصاعقة الفلسطينية في فرنسا ، ونفذ عملية الاغتيال قاتل الماني محترف معروف لدى البوليس الفرنسي .

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ، اندلعت الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، ولجأ عدد كبير من العرب اليوغسلافيين الى فرنسا ودول     اوروبية اخرى .

وفي باريس ومنذ سنوات طويلة ، كان للصرب اليوغسلافيين تواجد هام في فرنسا ، قبل الحرب الاهلية أيضاً ، واحترف عدد كبير منهم مهمنة المرافقة BODY GARDE واسسوا شركة عريقة في باريس للمرافقة باشراف فرنسي .

كما عمل جزء آخر في شركات " البوليس السري الخاص " . واعتمدت هذه الشركات الفرنسية على اليوغسلافيين المقيمين في فرنسا ، وتدربوا على الامن لدرجة الاحتراف . عدد اخر منهم شاركوا في عصابات المافيا للقتل والجرائم المختلفة ، وهنالك اصبح في باريس عصابات يوغسلافية من العرب معروفة تحترف الاجرام والقتل مدفوع الاجر ، ولكل عصابة يوجد زعيم يعمل معهم بصورة خفية او علنية لدى افراد العصابة .

بعد اندلاع الحرب الاهلية اتجهت مجموعات من الصرب الى فرنسا من اجل شراء الاسلحة من السوق السوداء لاستخدامها في الحرب الاهلية في يوغسلافيا ، وكان لهذه المجموعات اتصالات وتنسيق مع الموساد الاسرائيلي الذي ساعدهم في شراء اسلحة احتاجوها في الحرب .

اهتم الموساد بتقديم خدمات للصرب خلال الحرب الاهلية ، ضمن الاهتمامات الاسرائيلية باوروبا الشرقية وسعى الموساد من خلال العصابات اليوغسلافية الى شراء الزئبق الاحمر ودفع مبالغ ضخمة لشراء بضعة كيلو غرامات ، لاستخدامها في الصناعة النووية الاسرائيلية وحتى لا يذهب " الزئبق الاحمر " لبعض الدول العربية خاصة العراق .
اقام الموساد الاسرائيلي محطات سرية في اوروبا الشرقية ، خاصة محطة اساسية في " هنجاريا " باشراف يهودي يدعى " موريس " .

كانت المخابرات اليوغسلافية بعد الحرب الاهلية ، ضعيفة ولم يكن لديها اهتماماتها الخارجية ونشاطاتها السابقة قبل الحرب الاهلية ، ولكنها كان لديها نشاطها الواسع على مستوى اليوغسلافيين داخل يوغسلافيا وخارجها ، ولا سيما في باريس .

ورغم حالة الانهيار فقد رفضت المخابرات اليوغسلافية " امن الدولة اليوغسلافي D.B.  التنسيق مع الموساد الاسرائيلي ، باعتبار ان قيادات الجهاز ابناء الثورة ورفضوا اقامة علاقات تنسيق مع الموساد ، ولبعض القضايا المحددة اقيم اتصال غير مباشر عن طريق النمسا فقط .

بالمقابل كانت اجهزة الامن الفلسطينية تتابع نشاطات الموساد عن قرب ، وهذه النشاطات على مستوى يوغسلافيا كانت جزءاً من نشاطات الموساد السرية في اماكن مختلفة في العالم والتي كان " جهاز الامن الموحد " يعمل على مكافحتها من خلال نشاط " عاطف بسيسو " وهي نشاطات سرية اسرائيلية تستحق التوقف عندها طويلاً .. وقد استطاع جهاز الامن والمعلومات تحديد نوايا الموساد الاسرائيلي بدقة قبل خمسة وعشرون يوماً من اغتيال " عاطف بسيسو " ، وكان الموساد خلال الاشهر السابقة قد بدأ يرسم سيناريو الاغتيال ، وبعد عرض صورة " عاطف بسيسو " على القتلة والاتفاق معهم على التفاصيل مالياً وخطة التنفيذ ، لم يعرف القتلة اسم الشخص المطلوب اغتياله ، ولكن هنالك من تعرف على صورته قبل تنفيذ العملية .. وبعد ان اشيع لاحقاً في اوساط امنية ، وتمت عملية ربط المعلومات حول مصدر تسريب المعلومات بخصوص اغتيال " عاطف بسيسو " حاول الموساد اختطاف ضابط الامن الفلسطيني في يوغسلافيا بنصب كمين له وافلت منهم وكان ذلك بعد اغتيال عاطف بسيسو " .
خلال الاشهر التي سبقت اغتياله ، كانت المخابرات الاسرائيلية الموساد قد احكمت الطوق حول " عاطف بسيسو " ووضعت خطط الاغتيال في باريس او في تونس في حالة تعذر التنفيذ في باريس لعدم زيارته لها مثلاً .. رغم حذره الدائم وحرصه ، ولكن بالمقابل كان جهاز الموساد بامكاناته الضخمة يحاصر " عاطف بسيسو " .

تقول صحيفة معاريف بتاريخ 9/6/1992 : "وعلى عكس رؤساء التنظيم ابتعد "عاطف بسيسو " .
ذكر اسمه في جميع وسائل الاعلام ولم يكثر من حب الظهور ، حيث كان مكلفاً بامن الدبلوماسيين التابعين لمظمة التحرير الفلسطينية .. نفذ ذلك بصفة دائمة مرسلون من طرفه الا في عمليات خاصة حيث سافر بنفسه للتنسيق ، وكان ذلك دائماً بشكل سري للغاية ،ودائماً باسماء مستعارة كما هو الحال في سفرته الاخيرة لباريس . 
 
بعد اغتيال خليل الوزير " ابو جهاد " كان عاطف بسيسو وراء جميع المطالبات لتشديد الحراسة على رجال منظمة التحرير الفلسطينية البارزين في كل مكان في العالم ، وحتى في الدول العربية ، وقد امر جميع البارزين في منظمة التحرير الفلسطينية القادمين الى تونس بعدم النزول في الفنادق حتى لا يكونوا مكشوفين حتى لدوائر الاستقبال .وفي السنتين الاخيرتين اعلن " عاطف بسيسو " لرؤساء التنظيم ان عليهم تمليك بعض البيوت الفاخرة في ضواحي تونس لاستقبال واستضافة القياديين القادمين من اماكن مختلفة في العالم ، واصبح يتم استقبال الشخصيات الفلسطينية البارزة واستضافتهم من سلم الطائرة الى هذه البيوت  والمسؤولين عن حراستهم هم رجال القوة "17" الذين تحولوا لوحدة كبيرة قائمة بحد ذاتها .

الاجراءات التي كان يقوم بها " عاطف بسيسو " تعتبر اجراءات امنية مثالية ، ولكن زيارة برلين كانت محطته الاخيرة قبل رحلة الموت الى باريس .. ففي نهاية ايار 1992 وصل " عاطف بسيسو " الى برلين ونظراً لكثرة زياراته الى برلين والتي اصبحت في مرحلة الثمانينات محطة رئيسية وامنة لجهاز الامن الموحد ، وحتى يضمن سرية زيارته ، فقد كان لديه منزل سري في برلين الشرقية قريب من الكسندر بلادز في مركز العاصمة ، وقد استأجر جهاز الامن الموحد هذا المنزل لاستخدامه لاغراض زيارات كبار المسؤولين في الجهاز .
وكانت برلين المركز الرئيسي الذي ينطلق منه " عاطف بسيسو " لكل اوروبا الشرقية " .

 
إرسل المقال لصديف للتعليق على المقال

مقـــالات أخــرى للكاتب:

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر   1/4/2004

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر   12/8/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر   11/22/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  9/23/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  9/14/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  9/3/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  8/23/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  8/14/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  8/6/2003

 

  الاعترافات الكاملة للجاسوس الإسرائيلي عزام عزام وشبكته التجسسية في مصر  7/27/2003

 

  أمينة المفتي أخطر جاسوسة عربية للموساد  5/15/2003

 

  أمينة المفتي أخطر جاسوسة عربية للموساد  5/9/2003

 

  أمينة المفتي أخطر جاسوسة عربية للموساد  5/5/2003

 

 

لايوجد إستطلاع اليوم
 إستطلاعات سابقة

  عادل أبو هاشم

فئران السفينة الفلسطينية..!!


  سناء السعيد

الرجل الذي باع نفسه


  نايف حواتمة

من جنين إلى الفلوجة..العجز الرسمي العربي خاصرة المقاومة الرخوة


  حياة الحويك عطية

المقاومة بين الإحباط والأمل


  حوار

الدكتور مثنى حارث الضاري لـ"الحقائق": إسرائيل هي المحرض الرئيسي للعدوان الأمريكي على العراق


  د . فيصل القاسم

سامحكم الله يا آباءنا الطيبين!


  غازي العريضي

الخصخصة بين مرتزقة الإدارة وإدارة المرتزقة


  د . محمد عابد الجابري

لا بديل للحرب الأهلية غير الكتلة التاريخية


  د . عبد الله النفيسي

الصورة «دي بالزّات»


  أحمد رمضان

قدس برس بين تحديات الواقع واستشراف المستقبل


  د. مصطفى البرغوثي

المطلوب فضح ممارسة إسرائيل للتعذيب


  د . عزمي بشارة

المثابرة والفوضى


  منير شفيق

على هامش القمة العربية


  د . بثينة شعبان

مـا لا يُقال فـي الإعـلام..!


  عرفان نظام الدين

الممكن والمستحيل في القمم العربية!


  مصطفى بكري

رسائل من القلب


  د . عماد فوزي شُعيبي

دعوة أميركية لدور سوري في العراق.. ماذا بعد؟


  صحف عبرية

القصة الحقيقية لإختراق إسرائيل العراق ...


  وثائق

جامعة الدول العربية


  ملفات خاصة

ملف الشهيد غسان كنفاني


للإتصال بنا

للإتصال بنا   |    للمســاعدة


2003  الحـقائق - المملكة المتحدة

جميع الحقوق محفوظـة

 خـــبر عـاجــــل X
مستشار الرئيس عرفات في لقاء مع فضائية الجزيرة ..سنتابع مع الجمعية العامة ومجلس الأمن