|
لا يزال الشارع السعودي يعيش في حالة من الذهول من هول الصدمة التي أحدثتها التفجيرات الأخيرة في الرياض والتي أودت بحياة أكثر من ثلاثين شخصـًا داخل مجمعات سكنية كانوا يعتقدون أنهم آمنون فيها يعيشون في جو من السلام والطمأنينة طالما اعتادوا عليه في وطنهم .
فبعد الأنباء السريعة عن التفجيرات الهائلة التي أصابت مجمعات الحمراء وفنيل واشبيلية مساء الاثنين الماضي والتي دفعت بالمئات من الناس إلى التجمهر حول المواقع الثلاث لاستطلاع ما حدث جاءت الصور التي نشرها التلفزيون السعودي لاحقـًا والتي واصلت الصحف السعودية نقل المزيد منها إلى جانب قصص بعض من سقطوا وروايات شهود العيان لتعيد تجسيد الحدث مجددًا ولكن مضخمـًا هذه المرة ، إذ بدا واضحـًا للعيان هول ما صنع الإرهابيون الخمسة عشر من قتل وما أحدثوا من دمار ، وبدا الناس يقلبون الأمور بحثـًا عن إجابة لسؤال كبير لماذا ؟
الحدث الخطير الذي هز وجدان الجميع غدا حديث الساعة في كل بين وأعاد الناس مجددًا للتحلق حول نشرات الأخبار كما الحال إبان الحرب على العراق يشاهدون صور القتل والدمار ، كما خلق أجواء حوارية شارك فيها الصغير والكبير والمهتم واللامبالي ، وغدت احتمالات التـنظير أمرًا مباحـًا للجميع ، فطالت النقاشات قضايا التعليم وتطوير المناهج التعليمية ودور المساجد والأوضاع الاجتماعية وقضايا البطالة التي يعاني منها الشباب وما إذا كان أي منها هو المسؤول الأول عن ما حدث وأنه وراء هذا الانحراف في منهج التفكير الديني لدى بعض الشباب .
ظاهر الأمر أن التفجيرات وبرغم ما أحدثته من ضرر بالغ في صورة الاستقرار الأمني للمجتمع السعودي إلا أنها أيضـًا أتاحت حوارًا بناءً على الصعيد الاجتماعي وغدت مناقشة القضايا الكبرى التي تهم هذا المجتمع مطروحة بمزيد من الشفافية وفي الوقت المناسب حيث تتوالى خطوات الإصلاح التي تقوم بها الحكومة السعودية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية ولتحقيق التطلعات التطويرية التي يتطلع إليها المجتمع السعودي . والدعوات إلى الإصلاح كما الخطوات الإصلاحية سبقت على أية حال تفجيرات الرياض الأخيرة فجاءت هذه الدعوات في حضورها رديفة لمناقشة ظاهرة التطرف والإرهاب التي غلبت عليها الدعوة إلى اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها وإيجاد استراتيجية أمنية للتغلب على المتطرفين تحول دون استشراء هذه الظاهرة .
وبدا أن الموقف الحازم والتحذير شديد اللهجة الذي اتخذته القيادة السعودية والذي أعلنه ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز للإرهابيين والفكر الذي يغذيهم بعد زيارته أحد المجمعات المستهدفة وعيادته مصابين في مستشفى الحرس الوطني ، وكذلك الموقف غير الموارب الذي اتخذته هيئة كبار العلماء في بيانها الأخير الذي دانت فيه التفجيرات وجرمت فاعليها وحرمت قتل الآمنين مسلمين وغير مسلمين ... قد قلب السحر على الساحر ودفع إلى تأليب الرأي العام على فكر القاعدة وأهدافها ووضع حتى المعترضين على السياسة الأمريكية بمجملها في المنطقة العربية إلى الوقوف في خندق واحد معها في محاربة الإرهاب ، وأخذ العلماء المسلمون وأئمة المساجد التي كانت ذات يوم الدافع الأكبر على الجهاد في أفغانستان ... على عاتقهم مهمة توجيه الفكر الديني لدى الشباب وتصحيح المسار نحو عقيدة وسطية تفهم الإسلام على حقيقته ومنهجه التسامحي ، الإسلام الذي فرض فيه عمر بن الخطاب العطاء لشيخ يهودي كان يتسول في المدينة من بيت مال المسلمين ، والإسلام الذي أمر فيه عمر بن عبد العزيز أن يشترى من أموال الزكاة التي فاضت في بيت مال المسلمين الحب لينثر في الجبال ويأكله الطير ، بعد أن أنفق على المحتاجين وسد دين المعسرين من مسلمين ومسيحيين ويهود من رعايا الدولة.
وكما يقولون فإن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة ، فإن ما تشهده المساجد هذه الأيام من خطب وعظية يلقيها بعض أئمتها يشكل بداية الطريق ، لكن كما يقول أحد الأئمة فإن المهمة ليست سهلة حيث تفتقر الكثير من المساجد إلى الكفاءات التي تؤهلها الدخول بحوارات فكرية ذات طابع جدلي مع الشباب كما أن الطابع الغالب على هذه الخطب هو الأسلوب التلقيني السردي منقولا عن كتب قد يكون مضى عليها عشرات وربما مئات السنين الأمر الذي لا يأخذ في الاعتبار القضايا المعاصرة التي تشغل بال الشباب هذه الأيام ، وهو ما يجب الالتفات إليه .
|