|
عندما وضعت حرب الخليج "الثالثة" أوزارها واستسلمت بغداد في صفقة مشبوهة أكمل بها صدام حسين مسلسل صفقاته متخصصا في دراما الغدر والخيانة والسلب والنهب والقتل والاستعباد وعدد بعد ذلك ما شئت من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق الذي احتكره صدام طوال حياته ولم يسمح لأحد من العرب العاربة أو المستعربة بمجاراته أو منافسته فيه، ذلك المسلسل الذي امتد لأكثر من ثلاثين عاما فتفوق طولا على مسلسل "دالاس" الأمريكي الشهير، أقول عندما وضعت حرب الخليج الثالثة أوزارها جلست أستقرئ الأحداث لعلي أستخرج منها خيطا واحدا من خيوط المستقبل الذي لفته خيوط الدخان المتصاعد من ألسنة اللهب الذي ما أتى على شيء إلا جعله كالصريم من آبار البترول حتى النفس التي حرم الله، وزكمته رائحة القنابل التي ملأت جو العراق، حاولت جهدي أن استخلص خيطا واحدا من خيوط ذلك المستقبل دون جدوى فالمستقبل كئيب والدخان كثيف وإذا استطعت أن تبصر موطئ قدميك فأنت محظوظ، وهذا بالضبط ما تريده قوات التحالف بعلم وتواطؤ من متعهد المخازي صدام حسين.
ولكني رأيت شبحا هالني مرآه وأظنه عداد الحروب الذي انبهرت أنفاسه لهثا خلف صدام حسين وهو يردد " الأولى - الثانية – الثالثة" وما هالني منه إلا تأهبه لترديد كلمة "الرابعة"، حقا يستطيع صدام حسين أن يدخل كتاب جينس للأرقام القياسية لأنه الوحيد في أبناء آدم الذي أشعل ثلاثة حروب في خمسة وعشرين عاما بل وترك الرابعة على وشك الاندلاع، ظننت أول الأمر أن عداد الحروب قد أصابه الخلل بعد انتزاع فتيل الحروب المتأجج "صدام حسين" ولكني أدركت أن صدام قد رحل بعد أن اطمأن لخاصية "الإشعال الذاتي" للحروب في العراق.
إن المسرح العراقي يتم تهيئته الآن للدخول في حرب خليج رابعة دون حاجة لفتيل، فالإشعال ذاتي والوقود ذاتي حيث يفترض أن تتقاتل القوى السياسية والعرقية والدينية لتحقيق مكاسب ستنتهي بخسارة الجميع ويبقى ذئب التحالف المترقب لأحوال القطيع جاهزاً دائماً للتدخل لتحجيم أية فئة أو قوة تأتيها الفرصة للإجهاز على الفئة المنافسة، وعندما تستهلك كل الفئات قوتها يتدخل الذئب المتربص لينصب الفئة أو الفئات التي تقسم أمامه قسم اعتلاء السلطة بأنه بريء من الفتنة في العراق براءته من دم يوسف بن يعقوب، فهل نصبح إلى هذا الحد مجرد خيالات تتحرك على مسرح الأحداث وفق أهواء هذا الذئب.
لقد كان لحرب الخليج الثالثة حسنة واحدة وقطعاً تنبه لها ذئب التحالف وقطعاً سيسعى لتفريغها من مضمونها، فبقدر اختلاف مواقف الحكومات العربية من الحرب على العراق، بقدر اتفاق رأي الشارع العربي على رصد المؤامرة والرغبة الصادقة في دحضها حتى أن بعض المتحمسين من أبناء الشعب العربي ذهب إلى العراق متطوعاً للذود عنه رغم انبعاث روائح الخيانة التي فاحت من القصور الرئاسية لسنوات طويلة.
أما مواقف الحكومات العربية فيجعلنا نصنفها في أربع فئات حسب فعاليتها وتفاعلها مع أحداث الحرب كما يلي : أولاً : فئة ورثها الاستعمار الأمريكي من الاستعمار البريطاني فهي تقوم على مصالحه وتنفذ رغباته وشاركت بشكل إيجابي في العدوان على العراق بشكل معلن.
ثانياً : فئة ارتبطت بأمريكا منذ مدة ولكنها لا تستطيع المضي قدماً في تأييدها لأمريكا والسير عكس ارادة شعوبها، فأعلنت موقفاً وتبنت موقفاً آخر عكسه.
ثالثاً : فئة أعلنت موقفاً حاداً مناوئاً لهجوم قوات التحالف على العراق ثم اتخذت من هذا الموقف ذريعة لبدء سيناريو من الغزل المفضوح مع أمريكا والحلفاء أثناء الحرب وبعدها.
رابعا : فئة ليس لها وجود فعلي على ساحة الأحداث رغم وجودها على الخريطة السياسية للوطن العربي وأولى بها أن تبحث عن أقرب دولة فاعلة فتنضم إليها بدلا من الدوران في فلك كل النجوم في آن واحد.
فالفجوة إذن كبيرة بين الموقف الحكومي وموقف أبناء الشعوب العربية الذين وحدتهم الأحداث فنطقوا على قلب رجل واحد بشجب العدوان والرغبة في صده، ولو صبر صدام حسين وضرب المثل في الفداء والتضحية لجعل من بغداد مقبرة جديدة للغزاة، ولصار بطلاً قومياً تعلق صوره في الساحات العامة وجدران البيوت بل وفي رقاب العذارى، ولكن هيهات فقد وجد ليكون خائناً وأبى إلا أن يرحل ورائحة الخيانة تفوح منه أينما وجد سواء كان في موسكو أو في فلوريدا.
هذه الفجوة الكبيرة بين الموقف الحكومي والرغبات الشعبية هي التي أفرزت العديد من التنظيمات السرية التي استهدفت عدداً من الشخصيات العربية واعتبرت اغتيالها جهاداً في سبيل الله، لذا أرى أن تجتمع الحكومات العربية على صياغة شكل من أشكال التنظيم الذي يستوعب هذه الرغبات الشعبية ويحقق بعض طموحها، فبعد كل حرب يحدث نوع من الصدام الداخلي بين التيارات الفكرية المتعارضة، وحتى لا يتسع الخرق على الرتق لابد للحكومات من احترام هذه الرغبات الشعبية المعارضة للتوجهات الحكومية، ولنأخذ عبرة من الحروب التي عاشتها الأمة العربية من حرب فلسطين 1948 إلى أم المخازي 2003م قبل أن ينفلت الزمام.
|