|
بين وجود الأسلحة المحظورة وإيجادها
انتصرت أمريكا في الحرب اللا أخلاقية واللاشرعية على العراق أو مكنتها الظروف من بسط سيطرتها عليها في أيام معدودات، لكن السؤوال الذي طرحته شعوب العالم على بوش وبلير حول مبررات وأسباب تلك الحرب التي أصرت عليها الولايات المتحدة، لا يزال مطروحا وقد اصبح السؤول أكثر احراجا للإدارة الأمريكية والبريطانية بعدما دحضت أو كادت المبررات التي طنطنت عليها الولايات المتحدة وأقامت الدنيا وأقعدتها من أجل تأكيدها، فأين 10 آلاف لتر من مادة الإنتركس وآلاف اللترات من غاز الخردل وغاز الأعصاب والعديد من الصواريخ التي تتجاوز المدى المسموح به والمئات القنابل الحاملة للأسلحة البيولوجية والمخابر المتحركة والمعدات السرية لتطوير أسلحة نووية ، وأين الآلاف من تلك المواقع التي ادعت أمريكا أنها تحت مراقبة أجهزة المخابرات الأمركية .
لقد استبشرت وسائل الإعلام الأمريكية في بدايات الغزو الأمريكي البريطاني بوجود أدلة ومواد هنا وهناك، كان معظمها أسمدة زراعية أو أدوية، أو أقنعة كان الجيش العراقي يمتلكها منذ الثمانينيات، وهولت وسائل الإعلام تصريحات الإدارة الأمركية من أن الرئيس صدام حسين قد أعطى أوامره للجيش العراقي باستعمال الأسلحلة الكمياوية والبيولوجية ضد القوات الأمريكية اذا تجاوزت الخط الأحمر التي حددته تلك الدعاية بـ 50 ميلا عن العاصمة بغداد.
فالبرغم من مرور شهرمن الغزوالذي أصبحت فيه الولايات المتحدة تسطير على كل شبر من الأراضي العراقية تقريبا، لم يتم العثورحتى الآن على أي من تلك الأسلحة، التي كان يراد منها انقاذ مصداقية الإدارة الأمريكية والبريطانية في تأجيج حرب غير عادلة، وأصبح الأمرأكثر احراجا عندما أعاد العلماء العراقين الذين سلموا أنفسهم أمثال عامر السعدي وجعفر الجعفر وعماد حسين عبد الله العاني، تأكيدهم خلو العراق من تلك الأسلحة، وقد جهزت الإدارة الأمريكية 1000 من أعضاء المخابرات بقيادة أحد الجنرالات للتفتيش عن الكنز المفقود وانقاذ ماء وجهها ومواجهة مساءلات الشرائح الشعبية لها وهي على أبواب الإنتخابات الرئاسية، لكن الولايات المتحدة وبرأي كثير من المراقبين لن تفرط بسهولة في مصداقيتها وأن المسألة مسألة وقت فقط حتى تملا الإدارة الأمريكية العالم ضجيجا بوجود تلك الأسلحة أوإيجادها.
لقد كانت ادعاءات ملفقة وشنيعة ، وأشد شناعة عندما تأتي من دولة عظمى و على مسمع من العالم ومرأى، ليتخذ ذلك الإدعاء الذي ليس له أي دليل، مبررا لغزو بلد يبعد كل البعد عن الحدود الأمريكية، ولم يشكل لها تهديدا في يوم من الأيام، وفي محاولة لتهيئة الفصل المهم من المسرحية بادر وزير الدفاع الأمريكي Donald Rumsfeld بالتصريح لأحد القنوات التلفزيونية في 17 من أبريل بقوله " لا أظن شخصيا بأننا سنكتشف شيئا " في نفس الوقت وعد بتقديم مكافآت للعلماء الذين يدلون بمعلومات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية ومهددا الذين يستمرون في تحدي الإدارة الأمريكية، وزيادة في توضيح ذلك التهديد قالت صحيفة Los Angeles Times في تقرير لها في 20-4-03 " أن العلماء العراقيين الذين لا يبدون تعاونا يمكن أخذهم إلى معتقلات تحقيق وليس مستبعدأ أن يتم اتهمامهم بارتكاب جرائم حرب " وهذه التسريبات تعني أن نهاية الكثير من العلماء العراقيين غيرالمرغوب فيهم ستكون في معتقلات غوانتانامو اللاإنسانية.
من التحايل الآخر الذي تمارسه الإدارة الأمريكية على الشعب العراقي اعلانها اعادة بناء مادمرته من أجل الشعب العراقي كما أعلنت من قبل من أنها تريد الحفاظ على نفط العراق من أجل الشعب العراق، وقبل أن تحط الشركات الأمريكية رحالها بالقرب من النفط وحقوله والسلاح وترسانته، بدأت حملة الإدارة الأمريكية من أجل إنهاء الحضر الذي لم يعد له مبررا في تصورها، لكن روسيا وفرنسا وألمانيا ترى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن بعد استكمال عملية التفتيش، التي أجهضها الغزو الأمريكي، وكان أهم فصل في تلك الحملة مطالبة الرئيس بوش شخصيا في خطابه في 16 من شهر ابريل برفع تلك العقوبات بقوله " أن العراق قد تم تحريره ويجب على الأمم المتحدة رفع الحضر عليه" لكن بوش نسي أن قرار الأمم المتحدة برفع الحصار لم يكن مشروطا بتحرير العراق وإنما بتدمير أسلحة الدمار الشامل عبر المفتشين الدوليين أو اعلانهم خلوه منها، وهذا الشرط لم يتم بعد بسبب معارضة الولايات المتحدة عودة المفتشين مرة أخرى إلى العراق.
على الرغم مما سببه عدم وجود دليل على حيازة العراق لأسلحة كميايوية وبيولوجية ونووية من هاجس كبير للإدارة الأمريكية في تبرير حربها اللاشرعية واللاأخلاقية على العراق والتي عارضها الملايين في أنحاء العالم ، فإن الكثير من المراقبين يرون أن فبركة الأدلة وحياكتها ليس بالأمر الصعب على الإدارة الأمريكية، وهي التي قدمت الكثير من الحجج التي لم تقنع العالم لتسويغ حربها العراق، وتمهيدا لتلك المفاجئات التي قد تطلع بها الإدارة الأمريكية في أي وقت على العالم وخوفا من صعوبة تسويقها قال وزير الدفاع الأمريكي Rumsfeld أن أي جهود أمريكية تسفر عن اكتشاف لتلك الأسلحة ستكون محل اتهام، مدعيا أن المفتشين الأمريكيين مدربين على سلسلة من الرقابة الأمنية وسوف يحافظون على أي دليل، وكل ذلك كما قال " لن يوقف بعض الدول وانماط من الناس من تكذيبها واعتبارها أمرا مفبركا".
لكن تلك الدول وهؤلاء الأنماط من الناس ازدادت تساؤلاتها وشكوكها حول اصرارالولايات المتحدة على رفض عودة المفتشين إلى العراق لإكمال مهامهم، الأمر الذي أدى بـ Blix إلى رفضه الرضوخ لمحاولات أمريكا في ادراج فريقه ضمن مشروعها عبر التصديق على ما تكتشفه هي أو تقرره في هذا الخصوص. في خضم هذا السباق بين المفتشين الأمميين والمفتشين الأمريكيين، ووراء هذه المشادات الدبلوماسية تستعد الشركات العملاقة وشركات النفط وصناعة الأسلحة والإنشاءات الأمريكية إلى إعادة نشاطاها وانتاجها على أنقاض العراق وأشلاء شعبه، بعد أن تقوم الإدارة الأمريكية بخصخصة قطاع النفط العراقي كخطوة أولى في مشروعها الإحتلالي للعراق. لكن الطموحات الإقتصادية الأمريكية في العراق تضل تصطدم بمشروع النفط مقابل الغذاء الصادرعام 1995 والذي تصر بشدة على الغائه اليوم كمطلب إنساني وهي التي كانت تصر بقوة على ابقائه من قبل بالرغم مما تمخض عنه من كارثة إنسانية كبرى والقضاء على مليون طفل بشهادة الأمم المتحدة نفسها، أما الأطراف الرافضة للرفع السريع للحضر مثل روسيا وفرنسا فإنها تتخوف من ذهاب أكبر العقود النفطية التي أبرمتها مع النظام البائد فشركة Lukoil الروسية كانت وقعت على عقد بقيمة 20 مليار دولار لتطوير احد الحقول الغربية العراقية، كما حصلت شركة Elf الفرنسية على عقد بنسبة 20% من النفط العراقي، وحسب ما قاله Tom Nicholls محرر صحيفة الطاقة الدولية Petroleum Economist للفاينانشل تايمز اللندنية "فإن العراق يعتبر بالنسبة لشركات النفط العالمية الفرصة الجديدة الأفضل منذ عقود، بسبب صعوبة ايجاد مصادر جديدة للطاقة، خصوصا وأن أكثر احتياطات العالم توجد في دول تمنع تلك الشركات من دخولها، أما الحاجز الثاني الذي لا ترغب الولايات المتحدة في وجوده وتسعى إلى إلغائها هي الديون العراقية الخارجية التي تتجاوز 116 مليار دولار، والقادم معظمها من السعودية وفرنسا وروسيا.
بالرغم صعوبة هذا الفصل على الإدارة الأمريكية والبريطانية وما يحمله من مفاجآت قد تفضح كل الإدعاءات وتكشف النوايا الحقيقة لحرب رفضها العالم ولم تقرها الشرائع الدولية ولا القيم الإنسانية، وما يشكله من خطر على مصداقية الإدارتين ومستقبلهما، هل ستتحدى الولايات المتحدة العالم والقوانين الدولية مرة أخرى وتبدأ بضخ النفط العراقي وبيعه، كقرصنة استعمارية تضاف إلى سجلها التاريخي، وهل ستضطر باقي الدول الأوروبية في الأخير إلى الرضوخ للشروط الأمريكية من أجل الحصول على بعض المكاسب الإستثمارية في العراق.
|