|
لم تعد الشعوب العربية مقتـنعة بما تطلقه أنظمتهم حول احتلال العراق ، فالتـنديد أو الشجب والاستنكار أو رفض احتلال العراق أو غيرها من المفردات التي تتضمنها البيانات العربية ، لم تعد تقنع الإنسان العربي وهو يرى الأحداث تجرى متسارعة من حوله ، ويكاد طوقها يضيق شيئـًا فشيئـًا حول عنقه ، فالشعب العراقي أصبح هو المستهدف بصورة واضحة بعد سقوط النظام واحتلال بغداد ، وبعدما طالت فترة التضليل بأن المستهدف هو البحث عن أسلحة الدمار الشامل .
إذن المقصود هو تدمير قدرة العراق على إنتاج أسلحة تدميرية شاملة ، هذه الأسلحة التي لا يختلف العرب على خطورة إنتاجها واستعمالها لا على العرب أو الخليجيين وحدهم ، بل على البشر جميعـًا ، ولم يكن الهدف من تدمير هذه القوة هو حماية الدول المجاورة من أخطارها ، بل حماية التفوق العسكري الإسرائيلي قبل كل شيء ، وهذا ما صرح به جميع أعضاء الإدارة الأمريكية ، فليس العراق وحده الذي يملك الأسلحة التدميرية بل تأتي "إسرائيل" في مقدمة هذه الدول ، لكن الأمر على "إسرائيل" (غفور رحيم) أما على غيرها فهو (شديد العذاب) .!
لذا فقبول العرب قبل بداية الحرب تدمير الأسلحة غير التقليدية عند العراق لا يعني تدمير العراق وشعبه وبنيته الأساسية كما (يطلب منا) دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي ، الذي دعا إلى ضرب الجسور والمصانع ومنشآت الطاقة العراقية ، وكأن الجسور ومحطات الكهرباء هي التي تـنتج الأسلحة الجرثومية .!
واليوم وبعد احتلال العراق واتضاح الرؤية ، هل ما زال العرب يكتفون ببيانات التـنديد أو قرارات التضامن والمساندة للشعب العراقي ؟ ألا توجد لدى العرب إرادة لقول كلمتهم ؟ إن أول الأوراق التي يمكن أن يلعبها العرب هي رفضهم للاحتلال الأمريكي للعراق بالفعل وليس بالقول ، والمطالبة بتشكيل حكومة وطنية عراقية تدير شؤون البلاد بعد انسحاب المحتل .
أما الورقة الثانية فهي اتخاذ موقف عربي موحد في رفض قتل أطفال ونساء ورجال العراق في الشوارع والمنازل بحجة الحفاظ على أمنهم ، وتجويعه ، إذ يكفي هذا الشعب ما عاناه خلال السنوات الماضية من حصار مفروض عليه لعدة سنوات ، وآن الأوان لرفع معاناته ، ولا ننتظر هذا الرفع من الأمم المتحدة ولا من أمريكا وحلفائها الغربيين ، بل العرب وحدهم الذين يستطيعون ذلك .
إن سكوت العرب عن تجويع العراقيين خلال السنوات السابقة أغرى قوى الحصار على تشديد حصارها ، وقتل المزيد منهم ، وإذا كان العرب قد سكتوا خلال الفترة الماضية حتى يعطوا فرق التفتيش الدولية فرصة للتخلص من وسائل التدمير غير التقليدية لدى العراق ، فإن سكوتهم اليوم بعدما انكشفت أهداف الحصار والضرب باحتلال العراق كاملا ليس إلا مشاركة بمزيد من المعاناة للعراقيين .
وأما الورقة الثالثة فهي بدء مسيرة التضامن العربي التي يجب أن يكون من أولوياتها رفع المعاناة عن الشعب العراقي ، سواء كانت هذه المعاناة من الداخل أم الخارج ، إذ لم تعد مقولة عدم التدخل في الشؤون الداخلية مقنعة للقبول بما يجري للعراقيين داخل وطنهم وخارجه .
إن القوى الكبرى تفرض إرادتها حتى ولو أدى الأمر إلى التدخل لحاجة أو لغير حاجة ، وما هو مطلوب من العرب أن يفرضوا على الإدارة الأمريكية أن تسارع بالانسحاب من العراق ، واتخاذ موقفـًا يحفظ للعراقيين حياتهم وأمنهم وحريتهم وحقوقهم الإنسانية .
لقد ذبح الشعب العراقي ولم يهب العرب إلى نجدته ، بل أن بعض العرب ساهم في ذبح وتجويع هذا الشعب .! وذبح الشعب الجزائري ولم يسعفه أحد .! وذبح الشعب الفلسطيني- ولا زال- والعرب لا يملكون إلا بيانات المساندة والشجب والاستنكار ..!
فهل تكون المأساة التي يمر بها العرب هذه الأيام نقطة تحول في تاريخهم الحديث وهم يشاهدون الحذاء الأمريكي يحطم أبواب دار السلام ؟! إن الواقع يشير إلى سكوت بعض العرب عما يجري للشعب العراقي ليس عجزًا ، لكن رضى ، ولسان حالهم يقول "قلوبنا مع الحسين ، لكن سيوفنا مع يزيد" . |