|
لا يمكن لأي عربي ولا لأي فلسطيني ، إلا أن يرحب بانسحاب واندحار الاحتلال عن أية أرض عربية كانت أو فلسطينية سواء بمفاوضات أو بدون مفاوضات ، وقد اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني قراراً بهذا الشأن منذ ثلاثين عاماً ، يقضي بإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية على أي شبر يتم دحر الاحتلال عنه ، وما خطة شارون لفك الارتباط مع الفلسطينيين والانسحاب بموجبها من قطاع غزة وإخلاء مستوطناته فيه إلا نتيجة حتمية لصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته الباسلة ، وما أحدثته من أزمات عميقة عسكرية وسياسية وأمنية وأخلاقية واقتصادية في كيان الاحتلال الصهيوني ، وكشفت عن مدى التخبط الذي تعانيه سياسات ومؤسسات الكيان العنصري الاحتلالي والمنافية لأبسط قواعد القانون الدولي والمفاهيم الإنسانية في الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة .
إن شارون بهذه الخطة الخدعة التي تقوم على أساس تغييب أو استبعاد الطرف الفلسطيني الحاضر رغم أنفه ، وإدعائه بعدم وجوده كشريك يمكن أن يقيم معه مفاوضات من أجل السلام يسعى للتغطية على فشله الذريع في اجتثاث شأفة الصمود والمقاومة التي تجذرت لدى الشعب الفلسطيني من خلال انتفاضته المجيدة والتي عرت وكشفت الوجه القبيح لهذا الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الغاشم وجعلته عارياً أمام العالم أجمع بجرائمه اليومية المتنوعة في حق الشعب الفلسطيني ومقدراته ، ويسعى من خلال خطته هذه للالتفاف على جهود السلام الدولية وتجميدها ووقف دافعيتها التي كانت قد تجلت بخطة خارطة الطريق وتجميدها حتى بما فيها الجهود الأمريكية ورؤية الرئيس بوش القائمة على مبدأ الدولتين ، تهرباً من دفع استحقاقات السلام التي لا يرغب ولا ينوي التسليم بها طواعية عبر طاولة المفاوضات .
فعلى مدى سبعة أشهر من تصريحه عن امتلاكـه مبادرة للسـلام في 18/12/2003 م والى أن صادق مجلس وزرائه على آخر نسخـة معـدلة لها يوم 6/6/2004 م قد مـرت خطته (( الخدعة )) لفك الارتباط بمراحل متعددة كان يتفاوض شارون خلالها مع عصابته الليكودية اليمينية العنصرية حول عناصرها ، وكأنه سيقيم السلام معها لا مع الفلسطينيين ، وقد تمكن في كل مرحلة من هذه المراحل أن يقطف ثمارا سياسية مهمة سواء على مستوى الداخل الصهيوني أو على مستوى علاقات الكيان بدول الجوار أو الدول ذات الاهتمام بضرورة التوصل إلى حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقد أخذ الجميع من هذه الأطراف يمني نفسه أن تكون خطة شارون جزءاً من خطة خارطة الطريق ! وكان أهم هذه الثمار السياسية التي تمخضت عنها هو ما حصل عليه شارون من تعهد كثمن مقدم لخطته وقبل اعتمادها من مرجعياته الحزبية والدستورية من الرئيس بوش بواسطة الرسائل المتبادلة بينهم أثناء اجتماعهم في 14/4/2004 م قد تضمنت ثمنا سياسياً كبيراً تبرع به الرئيس بوش من حساب الحقوق المشروعة والثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه وفي مقدمتها حقه في العودة طبقاً للقرار الأممي رقم 194 لسنة 1948 م ، إضافة إلى التصريح بعدم إمكانية الانسحاب والعودة إلى حدود 4/ حزيران / 1967 وضرورة الأخذ بعـين الاعتبار الواقع الديمغرافي القـائم على الأرض المحتلة أي ما يعني ضمـان استـمرار الاستيطـان الصهـيوني على الأرض الفلسطـينية وإضـفاء المشروعيـة عليه بحيث لا يجـري إنهاؤه بموجب أي تسـوية سـتقوم أو سـتتم بين الطرفين مستـقبلاً ، وبهذا يكـون الرئيس بوش قد أعطى لشـارون المبرر الكافي لنسـف الأسس والمـبادئ التي تقـوم عليـها أو التي يجب أن تقـوم عليها عمليـة السـلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وأكثر من ذلك فقـد اعتبر الرئيس بوش أن خطة شارون هذه تمثل (( فرصة تاريخية سانحة لإقامة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين )) ، بل أكثر من ذلك أعلن الرئيس بوش مؤخراً أنه (( يتفهم تماماً أن يضع شارون جملة من الشروط والمطالب الهادفة إلى ضمان أمن إسرائيل إلى حين ظهور قيادة فلسطينية جديدة !! مستعدة فعلاً لإتخاذ القرارات الكبيرة لتحقيق السلام مع إسرائيل )) ، قبل الموافقة على بدء مفاوضات سلام حقيقية مع الفلسطينيين لحل القضايا العالقة بين الطرفين ، إن هذه الخطة الخدعة والتي تتوفر على الدعم اللا محدود من جانب الولايات المتحدة ورئيسها وتتضمن الاستخفاف بالشعب الفلسطيني وقيادته وقدراته تكشف عن مخطط يستهدف تحويل القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني من قضية سياسية وقضية إنهاء للاحتلال والاستيطان وقضية شعب له الحق في تقرير المصير إلى مجرد جملة من الاشتراطات والخطط الأمنية تهدف إلى ضمان تحقيق الأمن الدائم لإسرائيل واستمرار الاحتلال والتوسع والاستيطان الإسرائيلي في أرجاء واسعة من الأراضي الفلسطينية خصوصاً في الضفة الغربية ووقف المقاومة المشروعة والانتفاضة الفلسطينية بكل أشكالها لأجل تحقيق هذا الأمن لإسرائيل وإبقاء التسوية النهائية التي يجب أن ينتهي بموجبها الاحتلال والاستيطان الصهيوني للأرض الفلسطينية حلماً غير واقعي على الإطلاق بين الطرفين ، مما يترك المجال واسعاً أمام استمرار دورات العنف والعنف المضاد في المنطقة ، كل ذلك سيكون ثمناً لفك ارتباط شارون المزعوم بقطاع غزة !! .
لقد استطاع شارون بواسطة هذه الخطة الخدعة والتغطية الأمريكية لها ، أن يختزل كافة الجهود السلمية المبذولة دوليا وفي مقدمتها جهود اللجنة الرباعية التي ترعى خطة خارطة الطريق للسلام والتي حظيت بالموافقة العربية والفلسطينية والدولية ، في اعتبار خطة شارون جزءاً تنفيذياً من خطة خارطة الطريق للسلام !! وتحويل الجهد الدولي من أجل السلام من تنفيذ خطة خارطة الطريق وإنهاء الصراع إلى هذا الهدف المتواضع ! ، وبذلك تتحول خطة شارون المزعومة والخدعة ، وأفكاره ونواياه المتحولة والمتغيرة عن فك الارتباط الأحادي الجانب مع قطاع غزة إلى فرصة تاريخية سانحة (( للسلام )) على الشعب الفلسطيني وقيادته وفصائل مقاومته أن لا يفرطوا بها وأن يستعدوا للقيام بجملة من الإجراءات والتغييرات كي يتمكنوا من اغتنام هذه الفرصة التاريخية واقتناصها قبل ضياعها أو تراجع شارون عنها !! وفي مقدمـة هذه الإجراءات إنهاء سيطرة الرئيس عرفات على الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتوحيدها في ثلاثة أجهزة ، بل وإنهاء سيطرته وصلاحياته الأخرى التي يخوله إياها سواء النظام الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية أو الميثاق الوطني الفلسطيني وتحويله إلى شخصية تاريخية معنوية بدون صلاحيات ، ووضع هذه الأجهزة الأمنية تحت سيطرة قيادة تختارها أو تثق بها إسرائيل والولايات المتحدة أو ما يحلو للرئيس بوش تسميتها (( بالإصلاحيين الفلسطينيين )) والذين دعاهم مؤخراً لسرعة التحرك قبل فوات الأوان وضياع هذه الفرصة التاريخية السانحة التي أتاحها شارون لإطلاق عملية السلام !! . وإن المتفحص لبنود خطة فك الارتباط التي أقرها مجلس الوزراء الإسرائيلي مؤخراً يكتشف مدى إغراقها في كل ما هو أمني يحقق الأمن لإسرائيل وللإسرائيليين ويبقى الأمن الفلسطيني تحت رحمة الجيش الإسرائيلي الذي سوف تبقى له السيـطرة التامة على الغـلاف الخارجي لقطاع غزة وتنـفرد إسرائيل أيضاً في المجال الجوي لغزة وتواصل الإبقـاء على نشاطـها العسكري في المجال البحري .
وقد تمكن شارون بهذه الخطة الخدعة من إقحام جمهورية مصر العربية في السهر على ضمان تحقيق الأمن لإسرائيل والمشاركة في ذلك من خلال ضبط الحدود الفلسطينية المصرية وزيادة قوة الحماية المصرية المكلفة بحماية الحدود وأن تكون قادرة على وقف جميع عمليات تهريب ونقل الأسلحة إلى الجانب الفلسطيني ، هذا إضافة إلى انتداب أكثر من مئتي ضابط أمن مصري إلى قطاع غزة سوف يتولون عملية تدريب ودمج الأجهزة الأمنية الفلسطينية كي تكون قادرة على القيام (( بالمهام الأمنية التي سيرتبه عليها فك الارتباط المزعوم )) والمتمثل في التصدي لقوى المقاومة الفلسطينية إذا حاولت تعكير صفو الأمن الإسرائيلي أثناء وبعد تنفيذ خطة خدعة فك الارتباط الشارونية مع قطاع غزة .
لقد استطاع شارون أن يقبض كل هذه الأثمان الباهظة فلسطينياً وعربياً ودولياً ثمنا لخطته الخدعة ولنواياه في فك الارتباط قبل أن يشرع في تنفيذها أو يخطو أولى خطواتها والتي أرجأ تنفيذها أو البدء في تنفيذها إلى ما بعد مارس2005م وسيخضع كل بند فيها لمفاوضات داخلية مع أفراد عصابته بنداً بنداً وسوف يستغرق تنفيذها إلى نهاية 2005 م إذا سارت الأمور طبقاً لما هو معلن ، لقد استطاع شارون أن يسوق نواياه في فك الارتباط من جانب واحد ويقبض مقابلها هذا الثمـن الكبير !! مراهناً على إحداث تغييرات جذرية وأمنيـة تطال الجانب الفلسطيني وتتوافـق وتصوراته لما يجب أن يكون عليه الجانب الفلسطيني من جاهزيه سياسـية وأمنية قبـل أن يخطو شارون خطـواته الأولى في تنفـيذ خدعته !! بالإضافة إلى أنه يسعى جاهداً إلى إحداث توافقات سياسية إقليمية عربية ودولية إسرائيلية تختزل استحقاقات السلام التي يتوجب على إسرائيل التسليم بها للجانب الفلسطيني في أية تسوية نهائية لا حقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وبالتالي يكون قد ألزم العالم والمنطقة برؤيته للسلام القائمة على تحقيق القدر الأكبر من الأمن لإسرائيل واستمرار تغييب بل اغتصاب القدر الأكبر من الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني في وطنه وإفراغ عملية السلام من مضمونها الحقيقي القادر على إقرار السلام طبقاً للشرعية الدولية وأسس ومبادئ عملية السلام التي انطلقت في مؤتمر مدريد أكتوبر 1991 م ، وبذلك يكون شارون قد حقق لشامير قولته بأنه سيبقى الفلسطينيون يتفاوضون مع الإسرائيليين عشرات السنين دون التسليم بالحقوق الوطنية الفلسطينية .
إن خطة شارون بالصيغة التي أقرها مجلس وزرائه تمثل استخفافاً بالغاً بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وبقيادته المنتخبة وتجاهلاً متعمداً لمبادئ وأسس عملية السلام المنشودة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني ، وتقزيماً للجهود الدولية المبذولة من أجل السلام من قبل كافة القـوى والمـنابر الدوليـة وتجاهـلاً صارخـاً لمبادئ القـانون والعـدل الدولي وفي مقدمتـها مبـدأ حـق تقـرير المصـير وحـق مقـاومة الاحتـلال بكل الوسـائل والسـبل ، فهـل تنطـلي هذه الخطـة الخـدعة على الشعـب الفلسطـيني وعلى فصـائل المـقاومة الفلسطينية ؟! أو على الشعب الفلسطيني والأمة العربية وإن انطلت على بعض القوى الدولية ؟! .
إن التعاطي من جانب القيادة الفلسطينية مع ما تفرضه هذه الخطة الشارونية الخادعة من واجبات أمنية على الجانب الفلسطيني ودون مفاوضات مباشرة بشأنها يمثل استسلاماً فلسطينياً وعربياً لإرادة شارون وعصابته ، وخروجاً على ثوابت الموقف الفلسطيني والعربي والتي يجمع عليها كافة الفلسطينيين على اختلاف ألوان الطيف السياسي والتي يعتبر تحقيقها وإنجازها شرطاً أساسياً لإرساء اتفـاق سـلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني من أجل أن يقوم الجانب الفلسطيني بما يتوجب عليه من التزامات سياسية وأمنية في ظل اتفاق سلام نهائي يؤدي إلى إنهاء الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية سواء في قطاع غزة أو الضفة والقدس الشرقية ، ويؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على جميع الأراضي المحتلة بعد الرابع من حزيران / 1967 بما فيها القدس الشرقية وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194 للعام 1948 م ، ولذا فإنه يتوجب إلزام إسرائيل بأن يجري على الضفة الغربية والقدس ما يجري على قطاع غزة من إخلاء كامل للاستيطان وإنهاء للوجود العسكري الاحتلالي للجيش الإسرائيلي تمهيداً للدخول في مفاوضات مباشرة وتحت الرعاية الدولية طبقاً لخارطة الطريق من أجل التوصل إلى إنجاز اتفاق سلام نهائي ، وإلا سيكون الفلسطينيون ومعهم العرب وجميع الدول الراعية لعملية السلام قد وقعوا في شرك خدعة شارون لفك الارتباط مع قطاع غزة ورهنوا السلام في المنطقة لنوايا شارون المخادعة . |